مشروع تجميع المدارس الرسمية: معارضة ديماغوجية لنواب وسياسيين

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

التاريخ السيئ في لبنان يعيد نفسه. أذكر جيداً ما قاله لي يوماً الراحل روبير غانم حين كان وزيراً للتربية وأطلق مشروعاً لتجميع المدارس بهدف جمع المواهب والكفايات والإمكانات لرفع مستوى التعليم الرسمي وجعله يضاهي المدارس الخاصة.

وأذكر جيداً ما كان يردده عن إفشال المشروع من وزراء ونواب وسياسيين، أطلقوا حملات مزايدات ونداءات شعبوية وتحركات فوضوية لمنع تنفيذه، بذريعة توفير المدرسة الأقرب إلى بيت التلميذ، وضمان عدم صرف أي معلم من الفائض إن وجد، وجعله عاطلاً عن العمل.

وبعد ربع قرن أو يزيد، تخرج وزيرة التربية ريما كرامي لتعقد مؤتمراً صحافياً دفاعياً عن مشروع دمج المدارس الرسمية، بعدما كال لها سياسيون، ونواب ديماغوجيون في كل مداخلاتهم ومطالعاتهم، كمّاً من الاهانات، والتشكيك في قدرتها على إدارة العملية التربوية، علماً أنها لم تخطئ حتى الساعة في ما ذهبت إليه، وإنما قصّرت في إدارة عملية التواصل لحماية مشاريعها. وهذا دليل قلة خبرة في الشأن العام اللبناني تحديداً، إذ إن كل عمل يحتاج إلى غطاء سياسي أو شعبي أو إعلامي. وفي حال الوزيرة الحالية، تجمعت كل المعطيات التي لم تصبّ في مصلحتها.

من حق السياسيين ورؤساء البلديات والمخاتير أن يعترضوا دفاعاً عن قراهم وبلداتهم، وخدماتهم ومزايداتهم الصغيرة، والوضيعة أحيانا، ولكن ليس من حقّ النواب، المفترض أنهم أكثر إدراكاً ومسؤولية تجاه الإدارة والمال العام، وخصوصا تجاه مصالح الناخبين، قيادة حملات اعتراض تكاد تكون غبية، أو نفعية، أو محض انتخابية، وبالتالي وضيعة.

ترى ماذا تكون مسؤولية وزيرة التربية إذا كانت المدارس الرسمية في المناطق المسيحية تعاني نقصاً فادحاً في عدد التلاميذ في ظل عدم الإقبال عليها؟ هل يُعقل أن تفتح مدرسة لـ16 تلميذاً مع 12 معلماً؟ من يقبل بهذا الخلل الفاضح؟ ثم يخرج من يعلن للملأ أن الوزيرة تستهدف البلدات المسيحية.

مضحك وسخيف هذا الأمر، لأنه يعبّر عن حالة نكران لواقع مرير متدحرج.

التقيت قبل مدة رئيس بلدية إحدى القرى المسيحية المتاخمة لبلدات شيعية، قال إن المسيحيين في المدرسة يشكلون 7 في المئة من العدد الإجمالي، وإن محيط المدرسة يشعر بانزعاج من حركة النقل وإقفال الشارع صباحاً وظهراً.

وفي بلدة أخرى ذات أكثرية مسلمة، مدرستان رسميتان، الأولى بـ150 تلميذا، والثانية بعشرين، ويرفض الأهالي إقفال إحداها، علما أنهما تعانيان نقصاً في الكادر التعليمي، وتتكلان على عقود تعاقد مع معلمين ربما دون المستوى المطلوب، يواظبون على الإضرابات أكثر من انكبابهم على التعليم. وماذا عن المختبرات القليلة العدد والتجهيز؟ وماذا عن تكاليف التدفئة شتاء؟

إن مشروع تجميع المدارس لا يهدف، كما قالت الوزيرة، إلى تقليص حضور الدولة في التعليم، بل يعززه بمدارس كبيرة تجمع كل المراحل والحلقات، ويتم فيها تطوير أنظمة المعلومات والحوكمة، وتدريب القيادات المدرسية، وتطبيق المناهج الجديدة، ومعالجة الفاقد التعلمي وتحسين الأبنية والبيئة التعليمية. وتهدف التجمعات المدرسية الجغرافية إلى دمج الموارد والخبرات والتجهيزات والخدمات بين مؤسسات متقاربة، بما يتيح تقديم تعليم أفضل لعدد أكبر من التلامذة.

ومشروع الوزارة كما أعلن، يراعي البلدات والمناطق النائية، حيث لا مدارس قريبة أو سهلة الوصول، وحيث الفقر داهم، والحرب قائمة. قد تخطئ الوزارة في تقديرها للأمور، وقد أبدت استعدادها لمراجعة أي قرار إذا أثبتت البيانات أنه لا يحقق مصلحة التلامذة.

الذي يراقب ويتابع معارضي المشروع، يتأكد من الديماغوجية التي تقود أصحاب هذه الحملات، وإن تزيّنوا بألقاب متعددة.

والديماغوجية لمن لا يعلم، أسلوب سياسي يعتمد على خداع الجماهير وتضليلها عبر إثارة العواطف والمخاوف والغرائز بدلاً من استخدام المنطق والحقائق.