مشروع السماري الأدبي أم السماري المشروع

العنوان يود أن يقول هل سيكون الحديث عن مشروع السماري الأدبي والثقافي، ونتاجه الروائي أم سيكون عن الروائي أحمد السماري بصفته مشروعا ثقافيا جديرا أن يلتفت إليه لاستثمار ملكاته وذاكرته الاجتماعية، وقلمه السيال، ونباهته الثقافية. ربما من الأفضل ألا يُفصل هذا عن هذا، فحتي نعرف من هو السماري المشروع فلا بد أن يكون مدخلنا لهذا الاستثمار الإنساني الثقافي الاجتماعي الأدبي من خلال مشروع السماري الأدبي الذي بين أيدينا، فدراسة الجدوى تحتاج منا أن نفهم أكثر ونقترب قدر الإمكان من آليات عمل السماري وطريقة بنائه لأعماله الأدبية، ولكن هذا لا يجعلنا نبدأ لزاما من أول عمل للسماري، ففي الأمر سعة تجعلنا ننفذ إلى عالم السماري من أي عمل من أعماله، وأنا هنا سأمارس ولو جزئيا دور الناقد الثقافي، ومن خلال اجتزاء مقنن لأدوات (النقد الثقافي) الذي غُيب عن ساحتنا النقدية أو أنه مورس بغير أدواته المصنوعة في ميادين علم الاجتماع وفوق جغرافيته التي تدرس العمل الأدبي من جهاته المشاهدة وغير المشاهدة، ومن خلال فلسفة واعية ورؤية معرفية تحلل الكل وتفصل المفصل، ولا تبتعد عن (النقد الأدبي) حتى لا يكون النقد الثقافي نقدا بلا هوية وبلا لغة اتصالية داخلية. هذه اللغة الاتصالية الداخلية يتسيدها النقد الأدبي بأدواته المتجذرة وبعلاقته اللصيقة بالفعل الأدبي. نظرية الفعل الاجتماعي تتبنى نظرية (الفعل الاجتماعي) فكرة أن للمجتمع أفعاله المتنوعة التي تُبعث من خلال أفراد المجتمع، وبتأثير (العقل الجمعي) الذي يتشكل من خلال ثقافة المجتمع وتاريخه، وأن لنسيج المجتمع شكله العام الذي تراه بقية المجتمعات خارج دائرة هذا النسيج، أما أفراد المجتمع داخل هذا النسيج الاجتماعي فأنهم يرونه بشكل مختلف، فيرون أدق تفاصيله وأصغر مساماته، ولكن هذه الرؤية ليست رؤية بصرية مجردة عند الجميع، فهناك داخل هذا المجتمع أفراد يرون تفاصيل التفاصيل بصريا، ويتفاعلون معها بشكل مختلف عن بقية أفراد المجتمع. تفاعل وجداني وثقافي وقيمي وعملي وجمالي، فتتولد في قلوبهم وعقولهم لغة تفاعلية مع ما يشاهدونه وما يسمعونه وما يشعرونه، ومنهم من يستطيع أن يعالج هذه المكونات من خلال فعل اجتماعي أراه من وجهة نظري من أعلى مستويات الفعل الاجتماعي، وهو فعل (الكتابة) التي جاءت في الحالة العربية بل والعالمية مرحلة ما بعد الشفهية. جاء الروائي السماري ليكون نقطة جذب للكثير من التفاعلات الاجتماعية، وما ينتج عنها من فعل وردود فعل، وهذه الأفعال تأتي من أفراد أو جماعات أو تأتي على شكل صيرورة حياتية تتشكل في صور متنوعة من ظروف معيشية وحالات إنسانية وتقلبات يكون للطبيعة وتضاريس الأمكنة دورها الأساس فيها، وكلها بعلم الله وتحت مشيئته، ويأتي الإنسان في داخل هذه الدوامة ليكون في مرة من المرات هو الحلقة الأضعف، ومرة الحلقة الأقوى، وليكون هو الرمزية الأولى التي يلتقط الروائي السماري من خلالها كل تفاصيل الحياة وتجاذبات المجتمع، ولينقل لنا من خلال عدة أساليب روائية مشاهد ومشاعر وتأملت جعلت منه من وجهة نظري (مشروع ثقافي) هو بذاته وملكاته وذاكرته وتفاعله الداخلي من خلال اختزال كل تلك العناصر، ومن ثم نقلها بالكتابة بصفتها فعلا اجتماعيا رفيعا إلى عوالم السرد الفسيحة التي يُعاد فيها بناء حياة أخرى مأخوذة من وحي الواقع ولكنها غير مطابقة له إلا في الكليات، وفي القواعد الإلزامية التي ترتبط بمفاهيم الوجود الكبرى من موت وحياة وسعادة وكبد.. وبما أننا لم نلزم أنفسنا بتراتبية معينة عند الحديث عن أعمال السماري، فإن عمله الأخير «الأديب الضليل» الذي حاكى فيه تسمية التراث العربي لأحد رموزه «الملك الضليل» افتتح السماري جعبته الروائية فيه ب»تنويه» لم يرد ضمن فهرس مواضيع العمل ليقول فيه ضمنيا إن هذا العمل لا يرتبط بالواقع بما يحتويه من أحداث أو شخصيات إلا في حدود الخيال أو التخييل الروائي على ما بينهما من فرق ومستويات، وفي هذا إشارة واضحة نابهة تحدد المساحة التي يمكن لنا أن نتحرك في حدودها عند قراءة هذا العمل، والذي بدأ بتقنية تحاكي تقنيات (السير الذاتية) ونوع من أنواع الرواة المستخدم في الأعمال الروائية، ولكنه عاد ليحدثنا بلغة الراوي العليم ثم يعود لتقنية السيرة عن طريق استنطاق شخصية داخل العمل وهكذا، وفي هذا ترسيخ لفكرة أن هناك حدود يجب أن تُرسخ في ذهنية القارىء بين الواقع والخيال، وهذه جاءت على يبدوا من غير قصد من السماري، وكان باعثها خبرة السماري التي تتعامل مع الكتابة من عقل المبدع الباطن الذي يحرك الفعل الكتابي نحو ما يجب أن يكون. وضع السماري أمامنا قصص ومواقف وتصرفات لشخصية ذات حضور مختلف، وسمات متناقضة، وحضور يجعل من يقرأ حول هذه الشخصية الروائية في حيرة من أمره، فهذه الشخصية لا يمكن التعامل معها ولا يمكن تهميشها ولا يمكن تجاهلها ولا يمكن الوثوق بها، ويمكن الاتكال عليها! هذه الشخصية التي قالت عن نفسها «أرضعتني أكثر من عشرين امرأة» تجعلنا نستعيد ما ذكره الروائي الكبير عبدالعزيز الصقعبي في إحدى رواياته على لسان شخصية داخل العمل تمثلت في شاب يبحث عن زوجة لكنه يخشى أن تكون الفتاة التي يختارها أخته من الرضاعة ففي ذلك الزمن كن النساء يتبادلن إرضاع أطفالهن لأسباب عدة. هذه الظاهرة الاجتماعية يبدو أنها مؤكدة من خلال عدة شواهد روائية وواقعية، كما أن شخصية «فهد فرج» وهو الشخصية الرئيسة في عمل السماري-أو البطل حسب بعض المدارس مع تعدد وجهات النظر حول هذا الموضوع- شخصية رغم جدلية وجود من يشبهها في الواقع من عدمه إلا أنه في عدد من الروايات يوجد ما يرسخ ويعزز فكرة وجود مثل هذه الشخصية بتركيبتها الغريبة المتناقضة، وهذا يدعم منطقية ما وصم به السماري شخصية فهد فرج، مما يجعل من فكرة المبالغة في العمل الروائي تقع في حدودها المقبولة والمستساغة بل إنها قد تكون نقطة قوة واضحة تمنح رواية «الأديب الضليل» انتشارا أوسع، وتشكل حالة تشويقية تخدم العمل. هذا العمل الروائي الأخير للسماري سبقه عدة أعمال تجلى في كل منها قدرة السماري على التقاط الحكايات من خلال الشخصيات المتشابكة مع نسيج المجتمع، وهذا يمنح السماري بصمته الروائية الخاصة على الرغم من أن هذا الأمر ليس واضحا بنفس الدرجة في كل أعماله، فالصريم وفيلق الأبل قد تحتاج إلى قراءة أكثر عمقا لاكتشاف هذا الأمر على عكس رواية قنطرة على سبيل المثال، ولكن الفعل الاجتماعي المنبعث من نواة شخصية إنسانية لا يتوارى عن الأنظار بالدرجة نفسها في جميع أعمال السماري، فالرواية الأخيرة «الأديب الضليل» جعلت من تأثير هذا الأديب الضليل المتجسد في شخصية فهد فرج محركا لأهمية هذا الأديب، فدوره الأدبي المبني على ملكاته الخارقة وحضوره الأدبي الفكري طاقة مثلت الفعل الذي يقابله تفاعل وقبول من قبل المجتمع المتعامل مع هذا الأديب والمفكر (فهد فرج) رغم ما ابتلي به من تناقضات تصل إلى حد اللا معقول واللا مطاق، وفي فيلق الأبل نجد أن الفعل المتجسد من خلال الدور الذي قاموا به العقيلات من خلال تتبع شخصية بعينها من شخصيات العقيلات هو باعث القوة الأول في العمل الذي استنطق من خلاله الفعل الاجتماعي والدور الكبير للعقيلات، وقس على هذا بقية أعمال السماري. وبالعودة إلى السماري المشروع فإن هذا النتاج الأدبي لا يمكن أن يظهر لولا أن هناك قدرات خاصة ومواصفات ذات قيمة مهمة يملكها السماري من أسلوب في الكتابة ومهارة بحث وقدرة على تناول الأفكار وعرضها بأساليب إبداعية متينة ومتماسكة، وأن في ذاكرته مواد خام من الحكايات والمواقف والتواريخ والأحداث والشخصيات جديرة أن تستثمر من خلال قلم السماري أو أفكاره الثقافية التي يمكن أن توظف في ميادين العمل الثقافي بما يضمن الاستفادة منها وإبرازها. بالمختصر يمكن القول إن الروائي الأديب أحمد السماري يشكل ذاكرة ثقافية، وذاكرة اجتماعية، وذاكرة تاريخية، وقلم إبداعي قادر على أن يستل لنا من بين نسجينا الاجتماعي حكايات ومواقف ويعرضها في قالب روائي دون أن ينال خيوط هذا النسيج سوء أو ضرر.