بعد أكثر من أربع سنوات من عمله بلا إطار تشريعي معلن، وافق مجلس النواب نهائيًا، أمس، على مشروع قانون لإعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة. كانت السلطة التنفيذية قد أحالت في السادس من يوليو الجاري إلى مجلس النواب مشروع قانون لإعادة تنظيم الجهاز، متضمنًا نقل تبعيته من وزارة الدفاع إلى رئيس الجمهورية. وبناءً على ذلك، عٌرض المشروع على لجنة فرعية تضم لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية ومكاتب باقي لجان المجلس في الثامن والتاسع من يوليو، حيث أدخلت اللجنة بدورها تعديلات على القانون واستحدثت مواد أخرى، ليعرض على الجلسة العامة التي بدأت مناقشته أمس، وانتهت اليوم من إقراره في حضور المدير التنفيذي للجهاز، العقيد بهاء الغنام. تمتد الصلاحيات الواسعة التي يمنحها مشروع القانون للجهاز إلى حلوله محل معظم الجهات الإدارية للدولة داخل ما يسميه القانون «مناطق التنمية المستدامة»، مع تمكينه من تجميع أصول الدولة وإدارتها. مصدر مُقرب من الحكومة والبرلمان، يوضح لـ«مدى مصر»، طالبًا عدم ذكر اسمه، أن مشروع قانون «مستقبل مصر» أرسلته الرئاسة إلى الحكومة، ولم يمر على المجلس الاستشاري لمجلس الوزراء، وهو الجهة المنوط بها مراجعة مشاريع القوانين المُقدمة من الحكومة كافة، من الناحية القانونية والصياغة، قبل إرسالها إلى البرلمان. ويضيف المصدر أنه خلال مناقشات مشروع القانون من قِبل اللجنة البرلمانية المُشتركة بين أعضاء «النواب» ومسؤولي الاتصال السياسي من الوزارات وممثلين عن الجهاز، عبر مُمثلو الوزارات عن امتعاضهم من المشروع، وفي أفضل الأحوال التزموا الصمت، نتيجة لتآكل صلاحيات وزارات كثيرة. جاءت تعليمات لاحقًا، بحسب المصدر ذاته ومصدرين برلمانيين آخرين، بأن يقتصر حضور باقي جلسات اللجنة المشتركة واللجنة العامة بالبرلمان على وزير الشؤون النيابية فقط. في الوقت نفسه، هاجم عدد من النواب الحكومة بدعوى فشلها في تحقيق طفرة في التنمية الاقتصادية، كما هاجموا غياب ممثلي الحكومة باستثناء وزير الشؤون النيابية، بحسب أحد النواب. يرى المصدر النيابي ذاته أن الحكومة هي الطرف الأضعف، وأنها باتت صيدًا سهلًا للنقد، خاصة أن مشروع القانون جاء بدافع «يأس جهات عليا من الحكومة كونها لا تحقق معدل نمو كبير ولا تنمية». كما ينبه عدد من أعضاء «النواب» إلى أن المشروع يجعل الجهاز يلغي دور الحكومة، ولم تفلت منه سوى وزارتي الأوقاف، والشباب والرياضة، بحسب المصادر الثلاثة. يوضح المصدر المُقرب من الحكومة والبرلمان أن مشروع القانون يمر في هذا البرلمان «تحت التهديدات»، وهو ما يؤكده المصدران البرلمانيان، قائلين إن الراغبين في رفض القانون تعرضوا لضغوط كبيرة لإثنائهم عن الرفض. فيما يقول أحدهما: «كانت هناك رغبة في تمرير القانون بالإجماع». إن التأخر في صدور القانون، بعد أربع سنوات من عمل الجهاز، يعزوه المصدر المقرب من الحكومة والبرلمان إلى دراسة الجهاز لكل تفاصيل عمل الدولاب الحكومي ورصد الملاحظات بشأنها، ومن ثمّ أصبح من الممكن صياغة مشروع قانون يعرف ما هو هدفه وما هي آلياته تحديدًا. تقنين ما سبق كان رئيس الجمهورية قد أصدر قرارًا جمهوريًا رقم 591 لسنة 2022، لم تنشره الجريدة الرسمية حتى اليوم، بإنشاء الجهاز بوصفه كيانًا اقتصاديًا تابعًا للقوات الجوية بوزارة الدفاع. وأعقب ذلك صدور قرارات رئاسية وحكومية بتخصيص مساحات واسعة من الأراضي للجهاز، ومنحه اختصاصات مختلفة في مجالات الزراعة والتموين والسياحة والتعدين والتطوير العقاري وغيرها. وخلال السنوات الماضية، ظلت طبيعة الجهاز وهيكله الإداري، وآليات اتخاذ القرار داخله، ونظام الرقابة على استثماراته وإدارة أصوله، وآلية التصرف في أمواله، وغيرها من القواعد المنظمة لعمله، غير معلنة. في المقابل، سعى مشروع القانون الحالي إلى تقنين الأوضاع التي نشأت خلال تلك الفترة، فنص في مواده على اعتبار الأراضي التي آلت إلى الجهاز قبل العمل بالقانون مناطقَ تنمية مستدامة، وهي أراض مملوكة للجهاز، ومزودة ببنية تحتية مناسبة، ومخصصة لإقامة المشروعات القومية أو الاقتصادية، وتتمتع المشروعات فيها بالإعفاءات والحوافز والمزايا المقررة للمناطق الحرة. كما نص القانون على استمرار العمل ببروتوكولات الإنابة ومذكرات التفاهم وغيرها من الترتيبات المشتركة المبرمة مع أجهزة الدولة المختلفة لحين انتهاء العمل بها. وفيما يتعلق بملكية السيارات والمركبات التي سبق للجهاز استعمالها أو استغلالها أو الانتفاع بها، قضى القانون بأيلولة ملكيتها إلى الجهاز، كما نص على استمرار سريان الاتفاقات المالية التي أجراها الجهاز مع أي جهة عامة لتمويل مشروعاته وأنشطته قبل صدور القانون حتى تمام تنفيذها، فضلًا عن استمرار الاستعانة بالعاملين المنتدبين أو المعارين إليه لحين استكمال هيكله التنظيمي والوظيفي. وامتد التقنين أيضًا إلى المباني والمنشآت التي شيدها الجهاز فيما أطلق عليه «مدينة مستقبل مصر الصناعية» في كل من الدلتا الجديدة ومدينة السادات، إذ نص مشروع القانون على تقنين أوضاع أي مبنى أو منشأة أقامها الجهاز في هاتين المنطقتين خلال السنوات الماضية، وذلك بمنحها الترخيص متى حصلت على شهادة من الهيئة العامة للتنمية الصناعية تثبت سلامتها الإنشائية ومطابقتها للاشتراطات التخطيطية والبنائية. كما نص المشروع على «التزام الخزانة العامة بتدبير الاعتمادات المالية اللازمة لسداد الاشتراكات التأمينية والضرائب والرسوم وغيرها من الالتزامات المالية المستحقة على الجهاز حتى تاريخ العمل بالقانون». ويرى رئيس مصلحة الضرائب الأسبق، أشرف العربي، أن هذه المادة تُعد من أهم مواد الإصدار لأنها تعالج وضعًا قانونيًا قائمًا. ويوضح لـ«مدى مصر» أنه منذ صدور القانون رقم 159 لسنة 2023، لم يعد جائزًا إعفاء أي من المشروعات الاقتصادية أو الاستثمارية المملوكة لجهات الدولة من الضرائب والرسوم، وقد بدأت مصلحة الضرائب تحصيل الضرائب من جهات وشركات وكيانات مرتبطة بجهات سيادية خلال عامي 2023 و2024، من بينها نوادٍ وفنادق تابعة للجيش ونوادٍ لـ«الداخلية»، وشركات تابعة لمؤسسات سيادية، مثل شركة العاصمة الإدارية. ويضيف أن نص مشروع القانون على تولي الخزانة العامة سداد ما استحق على الجهاز من ضرائب ورسوم وغرامات ومقابل تأخير عن الفترة السابقة يكشف أن هذه الالتزامات لم تكن تُسدد منذ بدء نشاط الجهاز. وكان السيسي أصدر القانون 159 لسنة 2023، الذي ألغى الإعفاء من الضرائب والرسوم المقررة لجهات الدولة المختلفة فيما يتعلق بالأنشطة الاقتصادية والاستثمارية التي تباشرها، وهو ما فسرته اللائحة التنفيذية للقانون التي أصدرها رئيس الوزراء في فبراير 2024 بسريان الحظر على جميع أجهزة الدولة الدولة وشركاتها وهيئاتها، بما فيها الجهات السيادية. وجاء هذا القانون تنفيذًا للتعهدات التي قدمتها الحكومة لصندوق النقد في نهاية 2022، ضمن وثيقة ملكية الدولة التي أدرجت شركات الجيش ضمن الشركات المملوكة للدولة وتعهدت بإخضاعها لقواعد الضرائب والتقارير المالية نفسها التي تخضع لها نظيراتها المدنية. طبيعة خاصة عددت مواد مشروع قانون «مستقبل مصر» الاستثناءات والإعفاءات التي يتمتع بها الجهاز، ومنحته صلاحيات ومهام مفتوحة، بما يقرره رئيس الجمهورية له من أنشطة وينقله إليه من أصول، وهو ما يعتبره مصدر قضائي، فضل عدم ذكر اسمه، أشبه بـ«قانون ينظّم غياب القانون ويعطل سريان قوانين أخرى». بموجب مشروع القانون، يخضع الجهاز لرئيس الجمهورية مباشرة، باعتباره «جهازًا قوميًا ذا طبيعة خاصة يتمتع باستقلال فني ومالي وإداري». استثناءات وفقا للقانون، يُستثنى «مستقبل مصر» من الخضوع لثمانية قوانين، هي: قانون الهيئات العامة، وقانون الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، وقانون الإدارات القانونية، وقانون هيئات القطاع العام وشركاته، وقانون قطاع الأعمال العام، وقانون الحد الأقصى للأجور، وقانون الخدمة المدنية، وقانون تنظيم التعاقدات التي تبرمها الجهات العامة. وتحرر هذه الاستثناءات الجهاز من القيود الإدارية والمالية التي تخضع لها أجهزة الدولة في مجالات التوظيف والأجور والتعاقدات والمناقصات العامة، مما يجعله أقرب إلى القطاع الخاص. كذلك يحصن القانون العقود التي يبرمها الجهاز أو الصندوقان السيادي والخدمي التابعان له، بالإضافة إلى القرارات المتعلقة بتخصيص العقارات، من الطعن عليها أمام القضاء من غير أطراف التعاقد مع الجهاز، بحيث تقضي المحكمة، من تلقاء نفسها، بعدم قبول الدعاوى أو الطعون المقامة ضد «مستقبل مصر» من غير أطراف التعاقد معه. مهام واسعة تحددت مهام الجهاز في ملفات واسعة، تغطي أربعة أهداف، وهي: «الإسهام في تحقيق الأمن الغذائي والمائي والطاقي»، و«المشاركة في تنمية الاقتصاد القومي وترسيخ مكانته إقليميًا ودوليًا»، و«ضمان استدامة الثروة السيادية للدولة لأطول فترة ممكنة من أجل مصلحة الأجيال القادمة»، و«مساعدة الدولة في تحقيق العدالة الاجتماعية وتوفير سبل التكافل الاجتماعي». في تعديلاته على هذه الأهداف، أدخل مجلس النواب تعديلًا وحيدًا يتعلق بهدف الأمن المائي، إذ يُلزم الجهاز بالتنسيق مع وزارة الموارد المائية والري. ولم يكرر «النواب» التزامًا مماثلًا بالتنسيق مع أي من الوزارات الأخرى. ملكيات جديدة ورغم طموح أهداف الجهاز، تظل صلاحياته معلقة على قرارات جمهورية لاحقة، إذ يحدد القانون نطاق عمل الجهاز وفق بُعدين، أولهما نوعي، يتمثل في الأنشطة الاقتصادية أو الخدمية، وثانيهما مكاني، يتمثل في مناطق التنمية المستدامة، وهي التي يعطي القانون للجهاز الحق في تحديدها جغرافيًا وتنميتها وإدارتها. ومع ذلك، حتى في حال توافر هذين الشرطين، يظل صدور قرار من رئيس الجمهورية شرطًا لتحديد معايير المشروعات التي تصنف «قومية»، ويلزم استيفاء معيار واحد منها على الأقل. وتُنشأ منطقة التنمية المستدامة بقرار من رئيس الجمهورية، بناءً على اقتراح رئيس الجهاز وموافقة مجلس إدارته، وبموجب تعديلات أدخلها البرلمان، يُعرض القرار على مجلس النواب في أول جلسة عامة له. وفور إنشائها، تؤول إلى الجهاز ملكية الأراضي والمنشآت المملوكة للدولة داخل المنطقة، فضلًا عن الحقوق والالتزامات الناشئة عن العقود والتصرفات القائمة المتعلقة بها. كما يصدر رئيس الجمهورية، خلال سنة من الإنشاء، قرارًا يحدد السياسات وخطط العمل والرسوم، دون اشتراط عرضه على أي جهة أخرى. وأضاف مجلس النواب مادة مستحدثة تنص على أن تؤول إلى الجهاز الرسوم وسائر المستحقات المالية التي كانت تستحق لأي جهة عامة عن المشروعات القومية والاقتصادية والأنشطة المرتبطة بها داخل المنطقة. ويمنح القانون الجهاز ولاية إدارية كاملة داخل مناطق التنمية المستدامة، إذ يجعله -باستثناء ما يتعلق بوزارة الدفاع- الجهة الإدارية المختصة وحدها بتطبيق الأنظمة المعمول بها في تلك المناطق، بما يشمل إنشاء المرافق العامة وتشغيلها وإدارة المشروعات والأنشطة المقامة فيها. كما يٌخول رئيس الجهاز، داخل هذه المناطق، جميع السلطات والاختصاصات المقررة للوزراء والمحافظين ورؤساء الهيئات العامة وغيرهم من مسؤولي الجهات الحكومية وشركات المرافق العامة. ويمنح القانون رئيس الجمهورية، بعد أخذ رأي الوزير المختص والجهة المالكة، سلطة نقل ملكية أي أموال أو أصول مملوكة ملكية خاصة للدولة أو لجهاتها التابعة، سواء كانت مستغلة أو غير مستغلة، إلى الجهاز. كما يجيز نقل ملكية أسهم أو حصص الدولة في الشركات، أو نقل تبعية الشركات المملوكة للدولة بالكامل، بما لها من حقوق وما عليها من التزامات، إلى الجهاز. كما يمنح القانون رئيس الجمهورية سلطة تخصيص أو تأجير الأموال المملوكة للدولة أو للأشخاص الاعتبارية العامة لصالح جهاز مستقبل مصر أو الكيانات التابعة له، بالمجان أو بإيجار اسمي أو بأقل من أجر المثل، لأغراض قومية أو استراتيجية أو للنفع العام. ويصدر القرار الجمهوري بناءً على اقتراح الوزير المختص أو الجهة المالكة، مرفقًا بدراسة تبرر التصرف، ويكون نافذًا بمجرد صدوره، دون الحاجة إلى أي موافقات إضافية. المستشار الاقتصادي وخبير أسواق المال، وائل النحاس، من جانبه، يعتبر أن توسع «مستقبل مصر» في المشروعات الزراعية واستيراد السلع التموينية يُعد تطورًا إيجابيًا، مشيرًا إلى أن الجهاز نجح، على سبيل المثال، في تحسين جودة القمح المستورد، وإن كان ذلك بتكلفة أعلى. ولكن يتخوف النحاس من أن يتحول الجهاز إلى أداة لتجميع أصول الدولة تمهيدًا لطرحها للبيع، أو الاقتراض بضمانها، أو مبادلتها بجزء من الديون الخارجية. كما يعبر نحاس عن خشيته أن يكون مشروع القانون امتدادًا لأفكار مماثلة طُرحت في السابق، وواجهت في كل مرة رفضًا سياسيًا وشعبيًا واسعًا، بحسب قوله. قد يمثل جهاز مستقبل مصر نسخة جديدة من هذه الفكرة، ولكن من خلال كيان حديث النشأة، لا يحمل الثقل الرمزي الذي تتمتع به مؤسسات مثل البنك المركزي أو هيئة قناة السويس. ويرى خبير أسواق المال أن الخطر الأكبر يتمثل في احتمال تحول الجهاز إلى كيان يقترض بضمان الأصول المنقولة إليه، أو يطرح حصصًا في الشركات التابعة له في البورصات المحلية والدولية لتوفير السيولة، دون وجود التزام قانوني واضح يضمن عودة عوائد تلك العمليات إلى الدولة أو تحقيق عائد اجتماعي مباشر للمواطنين. ويربط النحاس هذا السيناريو بأزمة السيولة التي تواجهها مصر، موضحًا أن موارد الدولة السنوية تبلغ نحو أربعة تريليونات جنيه، في حين تقترب التزاماتها السنوية من ثمانية تريليونات جنيه، وهو ما يدفعها إلى الاقتراض المحلي بأسعار فائدة مرتفعة تتراوح بين 22% و25%، فضلًا عن تحمل تكاليف إضافية لاستقطاب ودائع دولارية من شركاء خليجيين، الأمر الذي يرى أنه يضاعف عبء الدين. عوائد محدودة لخزينة الدولة وفي مقابل الإشادة بدور «مستقبل مصر» في جذب الشراكات مع القطاع الخاص، مستفيدًا من تركز الأراضي والأصول والموارد تحت إدارته، يبرز سؤال بشأن مصير العوائد الاقتصادية التي يحققها الجهاز، وما إذا كانت تنعكس بصورة مباشرة على المواطنين. يقدم مشروع القانون إجابة واضحة عن هذا السؤال، إذ ينص على استثناء الجهاز وصندوقيه، السيادي والخدمي، من أحكام القانون المنظم لأيلولة نسب محددة من أرصدة بعض الجهات أو فوائضها إلى الخزانة العامة للدولة. كما يمنح رئيس الجمهورية سلطة تحديد ما يؤول إلى الخزانة العامة من فوائض وعوائد الجهاز والصندوقين، وفق نسب محددة. وربطت المذكرة الإيضاحية لمشروع القانون، اقتطاع هذه النسب باحتياجات الدولة في الحالات التي تستدعي توفير نفقات طارئة للحكومة، أو الإسهام في خفض عجز الموازنة العامة، أو دعم الخزانة العامة للدولة. يعتبر الخبير الاقتصادي والوكيل السابق للجنة الصناعة بمجلس النواب، محمد بدراوي، أن أبرز سلبيات مشروع القانون تكمن في أن المطلوب لا يقتصر على تحقيق استثمارات الجهاز عوائد تكفي لتغطية تكاليفه وتنمية أصوله فحسب، بل يجب أيضًا أن يعود جزء واضح من هذه العوائد بالنفع على المواطنين، مضيفًا أنه ليس من المنطقي أن يتحمل المواطن تكلفة الضرائب ورسوم ضريبة القيمة المضافة المرتبطة بالجهاز طوال السنوات الماضية، فيما لا يحصل في المقابل على عائد اقتصادي ملموس. ويؤكد أن جوهر القضية لا يتعلق بنجاح المشروعات أو فشلها، وإنما بمصير عوائدها. فوفقًا لمشروع القانون، تظل عوائد «مستقبل مصر» وأمواله الخاصة متراكمة لديه عامًا بعد عام، دون أن يكون هناك مسار واضح لعودتها إلى الخزانة العامة أو إلى المواطنين، باستثناء النسب المحدودة التي أجازها القانون. ويشدد بدراوي على أن أي تحويل لأصول عامة إلى أموال خاصة يستوجب، في المقابل، وجود نص قانوني واضح يضمن عودة جزء محدد من عوائد استثمارها إلى الدولة والمواطنين، على غرار ما يحققه المستثمر الخاص من أرباح شخصية إلى جانب ما يوفره مشروعه من فرص عمل. ويرى أن مشروع القانون، بصيغته الحالية، يفتقر إلى آلية واضحة تحدد كيفية ومواعيد انتقال «عوائد التنمية» إلى المجتمع. إدارة ذاتية يدير الجهاز مجلس إدارة يُشكَل بقرار من رئيس الجمهورية لمدة أربع سنوات قابلة للتجديد، ويضم رئيسًا وعددًا زوجيًا من الأعضاء يتراوح بين ثمانية وأربعة عشر عضوًا من ذوي الخبرة المالية والاقتصادية والقانونية والاستثمارية، على أن يُعامَل رئيس المجلس معاملة الوزراء. ويُعد مجلس الإدارة السلطة العليا المهيمنة على شؤون الجهاز، إذ يمارس نحو 34 اختصاصًا تجمع بين الطابع التشريعي (إصدار اللوائح والأنظمة الداخلية)، والتنفيذي (اعتماد الخطط والموازنات وسياسات الاستثمار للصندوقين السيادي والخدمي)، وشبه القضائي (إقرار الجزاءات المالية وتحديد الرسوم والتراخيص دون التقيد بأي قانون آخر أو موافقة أي جهة). وفي هذا الإطار، استحدثت اللجنة التشريعية بمجلس النواب عدة مواد لإلزام الجهاز بتسبيب قراراته التأديبية ومنح المتضررين حق التظلم، فضلًا عن حذف اختصاص مجلس الإدارة في اقتراح معايير تصنيف «المشروع القومي» تفاديًا لتعارض المصالح، وإلزامه برفع تقريره السنوي إلى رئيس مجلس النواب إلى جانب رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء. يشير المصدر القضائي، الذي طلب عدم ذكر اسمه، إلى أن الجهاز يؤسس لدولة موازية، إذ ينتزع صلاحيات وزارات ومؤسسات وهيئات قائمة تمارس مهامًا تنظمها القوانين وتخضع أرباحها ومصروفاتها للرقابة، ويخرجها من دائرة التفتيش والرقابة بحجة تبعيتها لرئيس الجمهورية. ويوضح المصدر القضائي أن البرلمان لا يملك مساءلة رئيس الجمهورية مباشرة إلا في حالتي الاتهام بالخيانة العظمى أو التقصير الجسيم، فيما تنحصر رقابته الفعلية في الحكومة ورئيس الوزراء بصفته رئيس السلطة التنفيذية المسؤول أمام البرلمان. ومن ثم، فإن إخضاع أي جهة لسلطة الرئيس مباشرة، الذي يملك أصلًا اختصاصات تشريعية وتنفيذية استثنائية دون أن يكون خاضعًا للمساءلة عنها بشكل روتيني، يعني عمليًا سحب هذه الجهة من أي دائرة محاسبة قائمة، سواء كانت برلمانية أو حكومية. ويرى بدراوي بدوره أن مشروع القانون يستهدف فصل الإدارة في الدولة، بحيث يستمر الوزراء والمحافظون ورؤساء المدن والأحياء في إدارة المرافق والخدمات العامة، في حين يتولى جهاز «مستقبل مصر» إدارة أراضي الدولة وأنشطتها الاقتصادية. ويؤكد أن مشروع القانون ينسجم مع النهج الذي تتبعه السلطة منذ عام 2014، والقائم على إسناد مهام حكومية إلى أجهزة تابعة لجهات سيادية، منبهًا إلى أنه على الرغم مما يراه إخفاقًا لهذا النهج، فإن السلطة مستمرة في التوسع فيه.The post «مستقبل مصر».. «قانون ينظّم غياب القانون» first appeared on Mada Masr.