«مسامرات الشعب»: كيف تحولت الترجمات «المُمصّرة» لأدب جماهيري؟

لو أتيحت لك فرصة العودة بالزمن إلى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين والتسلل إلى غرف الشبان والشابات في ذلك العصر لترى ما يقرؤونه على ضوء لمبات الجاز؛ لحسبت للوهلة الأولى أنك أمام رفوف كلاسيكية جادة من أمهات الأدب الأوروبي. ربما كانت كذلك، ولكنها «ممصرة»، ولا نقول مترجمة بالصورة الاحترافية التي نعرفها اليوم. ورغم تفشي الأمية، وقلة عدد القراء في مصر وقتها، شهدت تلك الفترة حالة شغف هائلة جذبت القراء نحو المجلات وسلاسل الروايات الجماهيرية المترجمة يلتهمون صفحاتها التي قد تتجاوز أحيانًا الألف صفحة في زمن لم يكن قد عرف بعد مصطلح التعفن الدماغي. تلك القراءات الممتعة القائمة على المغامرات والتسلية والرومانسية الممصرة شكلت الخيط الرابط للجلسة الختامية لسيمينار الإثنين بمركز الدراسات والوثائق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية «سيداج» بالقاهرة؛ حيث أدار الباحث أحمد السروجي حوارًا ناقش فيه محاور كتاب «مسامرات الشعب: الرواية والترجمة ورواية النهضة» الصادر حديثًا عن دار ديوان عام 2026، بحضور مؤلفته الباحثة الدكتورة، سماح سليم، ومترجمه، أمير زكي. وقد جاءت هذه الندوة ختامًا لهذه الدورة من السيمينار التي انطلقت منذ سبتمبر 2025، لتستأنف النشاط في الخريف القادم. يعيد هذا العمل التأسيسي قراءة الروايات الجماهيرية المنشورة في المجلات والمطابع المستقلة بمصر بين عامي 1904 و1911 ملقيًا الضوء على حركة «تمصير إبداعي» حرة، صاغت النصوص الغربية لتناسب الشارع المحلي بعيدًا عن المؤسسات الرسمية مع رد الاعتبار لوظيفة «التسلية والترفيه»، أمام صرامة الخطاب النقدي التقليدي، الذي تحكّم في ذائقة العقود الماضية. غلاف كتاب «مسامرات الشعب: الرواية والترجمة ورواية النهضة» - المصدر: موقع كتب مملة السياق التاريخي أعربت سماح سليم عن سعادتها لأنها أول فرصة تتحدث فيها عن هذا الكتاب باللغة العربية منذ نشره بالإنجليزية عام 2011. هاجرت سليم مع أسرتها وهي طفلة صغيرة، ولذلك عندما تُعرّف لغتها، ترجع للتعريف الرائع للكاتبة الجزائرية آسيا جبار، التي تكلمت عن الفرق بين لغة الأم ولغة الأب، فلغة الأم هي لغة المشاعر واللغة الشفهية والحديث اليومي وكانت بالنسبة لها العامية المصرية، ولغة الأب هي اللغة المكتوبة لغة الدراسة والبحث وكانت الإنجليزية. ولذلك تعلمت العربية الفصحى كلغة مكتوبة في مرحلة متأخرة من حياتها، وهذه تجربة تشبه تجربة جيل واسع من المهاجرين الذين تركوا مصر في سن صغيرة، واعتبرت هذه الخلفية مهمة لعملها؛ فالرواية بالنسبة لها وقبل أي شيء هي موقع للمتعة والترفيه، وعندما بدأت تدرس الأدب العربي المعاصر أكاديميًا شعرت أن «المتعة غائبة تمامًا عن الخطاب النقدي والتسويقي المحيط بالرواية كجنس أدبي». جانب من الجلسة الختامية لسيمينار الإثنين بمركز الدراسات والوثائق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية «سيداج» بالقاهرة بحضور مؤلفته الباحثة الدكتورة، سماح سليم، ومترجمه، أمير زكي. جانب من الجلسة الختامية لسيمينار الإثنين بمركز الدراسات والوثائق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية «سيداج» بالقاهرة بحضور مؤلفته الباحثة الدكتورة، سماح سليم، ومترجمه، أمير زكي. قاربت سليم سياق كتابها بالتنوع المسرحي والأدبي بين اليوم وقبل 30 عامًا، مشيرة إلى «أن الشباب تحت سن الثلاثين الآن لا يتذكرون أن المسرح الأدبي في مصر في التسعينيات وأوائل الألفينيات كان أضيق بكثير، ولا نتحدث هنا عن جودة الأعمال، بل عن “التنوع” الموجود حاليًا في سوق النشر، الذي لم يكن متاحًا من 30 سنة». وتضرب مثالًا على ذلك رواية «عمارة يعقوبيان» عام 2002، التي أثارت جدلًا بالأوساط الصحفية والنقدية بسبب جماهيريتها الكاسحة كأول «بيست سيلر» بالمعنى التجاري المعاصر، ونالت الرواية خارج مصر نجاحًا كبيرًا، حيث ترجمت لنحو 23 لغة، وباعت ربع مليون نسخة في أول خمس سنوات. وقتها رآها بعض النقاد رواية سوقية، لا تمثل الأدب الحقيقي، مثل الناقد صبري حافظ الذي وصفها بأنها نص رديء لا أدبي، ينتمي لـ«أدب النميمة» أو الأدب البوليسي، لأنه لم تعجبه لغتها الدارجة ولا البناء الروائي الخاص بها. واليوم تلاشى هذا الجدل لأن السوق اتسع وأصبح يستوعب كل التصنيفات الجماهيرية كأدب الرعب، الذي يشهد طفرة، والخيال العلمي والفانتازيا. تقول سليم: «المثير أن الأنواع دي اللي بتتباع بكثافة دلوقتي طالعة في جزء منها من حركة الترجمة والتفاعل والتصادم اللي حصل تاريخيًا بين الرواية الأجنبية والمترجمين والروائيين المصريين، وده في صلب موضوع كتابنا». ولد الكتاب كجزء من موجة بحثية، ظهرت بأمريكا مطلع الألفينيات، تسمى «دراسات النهضة»، وتشكلت داخل أقسام الشرق الأوسط. استلهمت من كتاب تيموثي ميتشل «استعمار مصر»، لينفتح الباب بعدها أمام حقل أكاديمي متكامل، يدقق في عصر النهضة في العالم العربي ومصر تحديدًا. لماذا نرفض رواية التسلية؟ درست سليم في الجامعة الأدب الإنجليزي ونالت الدكتوراه في الأدب العربي، وكانت رسالتها هي نواة كتابها الأول. ودرّست بعد الدكتوراه في إحدى الجامعات الأمريكية، وقدمت سيمينارًا عن «الرواية والنهضة» عام 2002، وكانت القراءات مع الطلاب لنماذج مثل نقولا حداد وفرح أنطون وطاهر لاشين ومحمود تيمور وجورجي زيدان. وفي تلك اللحظة بدأت تتساءل عن روايات جورجي زيدان التاريخية ذات الشعبية الكاسحة؛ وهي روايات مبنية بالأساس على قصة حب وتشويق ومغامرات يمر من خلالها الهيكل التاريخي وهذا سر جاذبيتها. هذا ما جعل الناقد عبد المحسن طه بدر يصك تعبير «رواية التسلية والترفيه»، بظلال سلبية، في كتابه عن تطور الرواية العربية، معتبرًا إياها مكتوبة لـ«أنصاف المثقفين»، وصنع ثنائية تقصي الأعمال لحساب ما سماه «الرواية الفنية»، التي تبدأ مع رواية «زينب» لمحمد حسين هيكل، وتستقر عند نجيب محفوظ. ومن هنا نبع سؤالها البسيط والجوهري: لماذا يعتبر النقاد الكبار التسلية عيبًا ونقيصة؟ ومن هذا السؤال ولد كتاب «مسامرات الشعب»، فكانت تسأل نفسها لماذا أقصيت الرواية الجماهيرية بالثقافة المصرية ولماذا بقيت دائمًا متهمة بأنها غير هادفة، مقارنة بالواقعية الملتزمة؟ وهذا هو السؤال الرئيسي الذي انطلق منه الكتاب. لو عدنا بالزمن لمطلع القرن العشرين سنجد أن الرواية المترجمة والمسلسلة بالصحف والمجلات كانت هي الحصان الرابح في سوق النشر، وكانت الأكثر مبيعًا وصنعت علاقة وثيقة مع القارئ. لم تظهر الرواية في مصر كمنتج رسمي تحت رعاية المؤسسات الحكومية وحركة البعثات من عهد محمد علي، لكنها ظهرت من خلال «سوق نشر حر ومستقل» تمثل في مطابع صغيرة ومجلات خاصة ومترجمين شباب يعملون بشغف وحرية. وكانت الرواية الجماهيرية تعتمد بالأساس على «الاقتباس والتمصير» فالمترجم لم يكن ناقلًا أمينًا وحرفيًا، إنما كان شريكًا حقيقيًا بالعملية الإبداعية، يمسك الرواية الفرنسية أو الإنجليزية يغير أسماء الشخصيات لعربية وينقل الأحداث لوسط البلد أو أحياء القاهرة ويعدل الحبكة لتناسب تقاليد وقيم قراء زمان، وهذا ما نسميه «التمصير الإبداعي»، وهي استراتيجية ترجمية قوية سمحت للجمهور أن يتآلف مع الرواية ويحبها ويشعر أنها تعبر عن واقعه اليومي ومشاكله الحقيقية. رحلة الترجمة والبحث عن الأصول جانب من الجلسة الختامية لسيمينار الإثنين بمركز الدراسات والوثائق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية «سيداج» بالقاهرة بحضور مؤلفته الباحثة الدكتورة، سماح سليم، ومترجمه، أمير زكي. وعن بدء الترجمة في الكتاب، أوضح أمير زكي أن علاقته بالنص علاقة تفاعلية وحية، فالكتاب المكتوب بالإنجليزية يحتوي على نصوص عربية قديمة ترجمتها الدكتورة سماح إلى الإنجليزية، كأمثلة تطبيقية، وبالتالي لم يكن من المنطقي أبدًا أن يترجم ترجمتها الإنجليزية وإعادتها للعربية وكان لزامًا العودة إلى الأصول العربية الأصلية المنشورة في المجلات القديمة، مما استدعى تواصله المستمر مع سليم حيث تشاركا في تحرير النص والبحث عن الاقتباسات الأصلية، للوصول إلى صيغة رصينة ومريحة للقارئ العربي، ولها كمؤلفة، مع التخفيف من بعض الإحالات الأكاديمية الجافة التي قد تثقل على القارئ العام. أشار أمير إلى أن تجربته تكررت في ترجمة أعمال لباحثين يتقنون العربية ويكتبون أبحاثهم بالإنجليزية، وفي أولى تجاربه عام 2014 كان يترجم بدقة حرفية مفرطة، وتلقى نصيحة مهمة بأن النص الإنجليزي الأكاديمي يحتاج إلى مرونة وسلاسة عند نقله إلى العربية، لكي يتنفس بشكل طبيعي. وعن تاريخ الترجمة الأدبية في مصر تساءل زكي هل ما حدث كان انحرافًا عشوائيًا أم تأسيسًا حقيقيًا؟ حيث نجد كتابًا هامًا للناقدة لطيفة الزيات حول حركة الترجمة الأدبية وهي ترى بشكل يتقاطع مع رؤية صبري حافظ وعبد المحسن طه بدر أن الترجمة بدأت بشكل رسمي ومنظم في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بفضل البعثات والجهود الرسمية لمحمد علي والأسرة العلوية ثم تلت ذلك فترة عشوائية، وهي الفترة التي تغطيها الدكتورة سماح سليم في كتابها، قبل أن نعود مجددًا إلى مسار الترجمة الرصينة مع دعوات طه حسين لترجمة الكلاسيكيات العالمية. ووفقًا لهذا التصور الكلاسيكي تعتبر تلك الفترة الوسيطة أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين بمثابة انحراف عشوائي عن المسار الصحيح للترجمة، لكن كتاب «مسامرات الشعب» أثبت العكس تمامًا، فهو يوضح أن تلك الترجمات والاقتباسات الشعبية كانت بالغة الأهمية؛ فالمترجمون وقتها لم يكونوا ناقلين حرفيين، إنما كانوا يسقطون هموم الواقع المصري، ويحكون قصصهم داخل النص المترجم، فتدور الأحداث في باريس، لكن الشخصيات تتصرف وتتكلم كمصريين تمامًا. علاوة على ذلك استعانوا بتقنيات روائية حديثة ومبتكرة، سبقت كثيرًا ما كان يقدمه الروائيون التقليديون في رواياتهم الأصلية. أثر الأدب الجماهيري في مسيرة نجيب محفوظ يدعم زكي طرحًا يقول إن هناك أثرًا كبيرًا للأدب الجماهيري في مسيرة نجيب محفوظ، حيث روى الأديب العالمي قصة طريفة ذكر فيها أن المترجم حافظ نجيب كان يترجم سلسلة روايات بوليسية شهيرة لشخصية تدعى «جونسون»، وعندما انتهت الأجزاء الأصلية للسلسلة الفرنسية ولم يجد حافظ نجيب ما يترجمه ليكسب عيشه قرر ببساطة كتابة جزء جديد مبتكر بالكامل وأسماه «ابن جونسون»، ولم يكن هناك جزء كهذا في الأصل الفرنسي، ولكنه قام بتأليفه وتمريره كترجمة تلبية لطلب الجمهور القارئ. والأهم هنا هو أن محفوظ يذكر هذه الروايات كجزء أساسي من تكوين قراءاته المبكرة. وإذا تتبعنا مسيرة محفوظ الروائية والذي يعد المعتمد والمرجع الفكري للأدب العربي سنجد ظلال هذا التأثير واضحة، فبعد رواية «أولاد حارتنا» جاءت أغلب روايات محفوظ في فترة الستينيات مثل «اللص والكلاب» و«السمان والخريف» و«الطريق» وغيرها باستثناء رواية «الشحاذ»، متمحورة حول جريمة قتل أو مطاردة بوليسية. وهذا أثبت بشكل قاطع أن الروايات البوليسية والشعبية التي كان يلتهمها في شبابه تركت أثرًا عميقًا في تكوينه الإبداعي. فهذا الأدب الجماهيري ساهم في الثقافة العربية المعاصرة، بأثر أكبر بكثير مما نحن مستعدون للاعتراف به. حيرة المترجم وألعاب الكلمات أشرك أمير زكي الجمهور، وسألهم عن معاني الكلمات الإنجليزية التي تفيض بأكثر من مقابل في القواميس العربية، معبرًا بخفة عن تلك الحيرة اليومية التي يقع فيها المترجم، والتي تشكل صلب عملية الترجمة ودقتها الحديثة، وبدأ بمصطلح «Fiction»، موضحًا أن ترجمة هذا الكتاب واجهت تحديات اصطلاحية مستمرة. فكلمة «Fiction» ليس لها مقابل واحد متفق عليه في العربية، بل تتأرجح أحيانًا بين رواية وخيال وقصص ومتخيل وأدب قصصي، وأشار إلى أن دلالة المصطلح تختلف تمامًا عن مفهوم الخيال الإنساني العام/ Imagination. ولذلك اتخذ مع سليم قرارًا مرنًا، وهو أن يبتعد عن الجمود الحرفي فتم تطويع الكلمة وفقًا للسياق المتغير داخل الفصول لتظهر تارة باسم «رواية» وتارة أخرى كـ«أدب خيالي» أو «متخيل». وانتقل إلى مصطلح «Canon»، وبعد نقاش طويل استقر الخيار على ترجمتها بـ«المعتمد الأدبي» بوصفه المصطلح الأدق للتعبير عن النصوص التي تحظى باعتراف المؤسسة الثقافية الرسمية وتتخذ كمرجعية قياسية. وأضافت سليم مصطلحًا آخر شكل صعوبة بالغة في النقل وهو «رومانس/ Romance» مبينة أن المشكلة تكمن في أن الكلمة بالوجدان العربي ترتبط مباشرة بالرومانسية العاطفية الحديثة، في حين أن «رومانس» كصنف أدبي يشير إلى شيء مختلف تمامًا، فهو يرمز للحكايات الشعبية والملحمية القديمة، التي ازدهرت في فرنسا وأوروبا عبر قرون مضت. مع رغبة زكي في صناعة جملة تتنفس بالعربية وتتعلق بـ«الجمهور المستهدف»، كانت هناك إشكالية الهوامش، فالكتاب كتب في الأصل لقارئ أكاديمي غربي يحتاج لهوامش وشروحات تفصيلية، لمعطيات نعتبرها في عالمنا العربي من البديهيات. وضرب زكي مثلًا بذكر اسم الملك فاروق في النص الإنجليزي حيث يجد القارئ سطرين أو ثلاثة تشرح متى حكم ومن هم أهله، وهو ما يراه حشوًا لا لزوم له بالنسبة للقارئ العربي، مما دفعهم لحذف هذه الاستطرادات تلقائيًا. لكنه لم يغفل الجانب الآخر من المعادلة إذ وازن باستمرار بين الحذف والتبسيط، مراعاة لجيل الشباب الأصغر، الذي قد لا يكون على دراية ببعض التفاصيل التاريخية الدقيقة. هذا التحدي امتد إلى بنية الجمل وصياغتها لتلائم روح اللغة فالجملة التي تبدو منسابة بالإنجليزية قد تحتاج لإعادة صياغة كاملة في العربية حتى «تتنفس» وتؤدي معناها بعمق. يستشهد زكي بشهادة صديق أسعدته كثيرًا، لأنها تلمس الجوهر الحقيقي للكتاب: «شعرت وأنا أقرأ كأنني دخلت لغرف الشباب والبنات في العصر ده، وشفت رفوف كتبهم، لأعرف هما بيقروا إيه». خليل صادق ومؤسسة «مسامرات الشعب» الجماهيرية طرح السروجي سؤالًا محوريًا حول مؤسس ورئيس تحرير المجلة: «من يتعامل مع سلسلة مسامرات الشعب يكتشف أن خليل صادق لم يؤسس فقط مجلة لنشر الحكايات، وإنما أقام مؤسسة ثقافية متكاملة تقدم خدمات طباعة وتجليد واستشارات؛ فما هي ملامح هذا المشروع وصاحبه؟» أجابت سليم بدورها بأن صادق كان يمتلك مشروعًا أدبيًا وتنويريًا متكاملًا، ولم ينظر للثقافة كبضاعة تجارية هدفها الربح فقط، فهي رسالة وطنية نهضوية. وأشارت إلى أن المعلومات عنه شحيحة جدًا وكل ما وصلت إليه كان عبر تتبع افتتاحياته، حيث كان يرى نفسه مؤسسًا لسوق أدبي حر ومفتوح، يتيح للجميع المشاركة على عكس مشاريع الدولة الرسمية التي بدأت مع محمد علي، موضحة أن صادق كان يربط الرواية بـ«المنفعة» على ثلاثة مستويات: نفع أدبي وأخلاقي لتقويم السلوك، ونفع مادي بخلق صناعة نشر مستقلة توفر فرص عمل، ونفع سياسي ووطني لإيمانه بأن الثقافة هي العمود الفقري لاستقلال الأمة خاصة أنه كان مقربًا من الحزب الوطني ومصطفى كامل، ومن هنا ركزت مئات الروايات في مجلته على قضايا الشارع الحية وفي مقدمتها قضية المرأة ونقد الرأسمالية الجشعة والتحذير من تفكك الأسر نتيجة الجري وراء المظاهر الدخيلة. وكان السوق بالنسبة له وتداول الأدب بين عامة الشعب هما الضامن الحقيقي للإبداع. وعن مأساة الأرشيف المفقود ومستقبل الذاكرة الثقافية وأثر الفقد في بحثها سألها: «وصفتِ في كتابك تجربة البحث في التاريخ الثقافي في بلادنا بأنها كأثر حرق الأرشيف، وأنها تبدو كاستعادة لمستقبل سُرق منا. ما الذي واجهكِ تحديدًا في الأرشيف المصري؟» بمرارة تذكرت سليم هذه التجربة موضحة أنها حين بدأت مشروعها في أوائل الألفينيات، كانت أعداد مجلة «مسامرات الشعب» متوفرة بدار الكتب وصورت منها مئات الصفحات، لكن الكارثة حدثت حين عادت بين عامي 2012 و2013 لتصوير صفحات بدقة عالية ففوجئت باختفاء المجلدات المادية تمامًا، فرغم وجود العناوين في الكتالوج الإلكتروني إلا أن الأصول ضاعت أو تلفت وبعضها سجل بمعلومات مضللة. ووصفت سليم هذه الفاجعة بأنها بتر للذاكرة وقاهرة لروحها كباحثة ارتبطت بالمادة لسنوات، وهو ما دفعها لتعمد وضع ملحق تفصيلي في نهاية الكتاب يضم بيانات كل الأعداد التي أنقذتها لتظل متاحة للأجيال القادمة. ترى سليم أن غياب الأرشيف يحرم المجتمع من تواصله مع ماضيه، ويترك الساحة لخطاب منغلق، فيما المفارقة الكبرى هي أن الماضي الثقافي في مصر كان أكثر انفتاحًا وحرية وتعددية من الحاضر المقيد بالضوابط والمؤسسات.The post «مسامرات الشعب»: كيف تحولت الترجمات «المُمصّرة» لأدب جماهيري؟ first appeared on Mada Masr.