مساعد وزير الخارجية الأسبق يكشف لـ«صدى البلد» سيناريوهات المواجهة بين واشنطن وطهران وموقف إسرائيل

في وقت تتزايد فيه حدة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وتتصاعد التهديدات المتبادلة بشأن احتمالات العودة إلى الخيار العسكري؛ تتجه الأنظار إلى نيويورك، حيث تتواصل أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، وسط حضور إيراني رفيع المستوى وتحركات دبلوماسية مكثفة لبحث سبل احتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة جديدة.

وتتزامن اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، مع تحركات دولية متسارعة، من بينها زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى الولايات المتحدة ولقائه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في ظل اتصالات أمريكية-صينية، واهتمام متزايد بالمسارات السياسية الرامية إلى خفض التوترات الإقليمية.

ويأتي ذلك، في وقت تطرح فيه التطورات الراهنة تساؤلات بشأن مستقبل العلاقة بين واشنطن وطهران، ومدى إمكانية انتقال التهديدات المتبادلة إلى مواجهة عسكرية جديدة، فضلًا عن احتمالات اتساع نطاق التصعيد في حال دخول إسرائيل بشكل مباشر، أو امتداده إلى ساحات إقليمية أخرى، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات على أمن الخليج والملاحة الدولية والطاقة واستقرار المنطقة.

وفي المقابل، لا تزال المسارات الدبلوماسية حاضرة، مع وجود الوفد الإيراني رفيع المستوى في نيويورك، وطرح تساؤلات حول إمكانية استغلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة لفتح قنوات تفاوضية غير مباشرة بين واشنطن وطهران، ودور أطراف دولية، وفي مقدمتها الصين، في الدفع باتجاه التهدئة.

وفي هذا السياق، أجرت “صدى البلد” حوارا مع السفير يوسف مصطفى زاده، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، لاستقراء مسارات التصعيد بين واشنطن وطهران، واحتمالات العودة إلى الخيار العسكري، والخيارات المتاحة أمام إيران في حال توجيه ضربة أمريكية، وإمكانية دخول إسرائيل على خط المواجهة، فضلًا عن فرص نجاح الاتصالات الدبلوماسية في احتواء التصعيد.

في ضوء التصعيد المتزايد بين واشنطن وطهران، إلى أي مدى ترون أن المنطقة تقترب بالفعل من جولة جديدة من الضربات العسكرية الأمريكية على إيران؟

أستبعد في الوقت الراهن حدوث مواجهة عسكرية جديدة بين واشنطن وطهران، فهناك مؤشرات عديدة تدفع إلى هذا الاستنتاج، في مقدمتها استمرار اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى جانب زيارة الرئيس الصيني، والتي تأتي في توقيت بالغ الأهمية بالنسبة للتطورات الحالية.

كما أن هناك مؤشرات أخرى تؤكد أن الولايات المتحدة ليست مستعدة في الوقت الحالي لخوض معركة جديدة، رغم التصعيد في الخطاب والتهديدات المتبادلة.

وفي المقابل، فإن التهديدات الإيرانية بتوسيع نطاق المواجهة، بما في ذلك الحديث عن استهداف طرق الملاحة أو التحرك في مناطق مثل باب المندب، تدخل في إطار أدوات الردع والضغط التي تستخدمها طهران لإظهار استعدادها لأي تصعيد محتمل.

وأعتقد أن الرئيس ترامب سيبذل ما في وسعه في المرحلة الحالية للتهدئة مع إيران، ومحاولة الوصول إلى تسوية، وإن كانت طبيعة هذه التسوية وشروطها لا تزال غير واضحة.

لذلك، أستبعد في الوقت الراهن، وعلى الأقل خلال الفترة القريبة، توجيه ضربات عسكرية أمريكية جديدة لإيران.

هل التهديدات الأمريكية الحالية تأتي في إطار الضغط السياسي والتفاوضي، أم أن هناك مؤشرات يمكن قراءتها باعتبارها استعدادًا فعليًا لعمل عسكري واسع؟

أعتقد أن جانبا كبيرا من هذه التهديدات يدخل في إطار المناورات التكتيكية والضغط السياسي والتفاوضي، فالولايات المتحدة تستخدم التهديدات العسكرية باعتبارها إحدى أدوات الضغط على إيران، لكن التجربة أثبتت أن هذه الأدوات لم تحقق حتى الآن النتائج التي كانت واشنطن تسعى إليها.

ومنذ بداية المواجهة، وحتى خلال فترات الهدنة التي جرى التوصل إليها أكثر من مرة، ظل الضغط الأمريكي قائمًا، بينما واصلت إيران تمسكها بمواقفها.

ومن ثم، فإن التصعيد في الخطاب لا يعني بالضرورة أن قرار الحرب قد اتُخذ، وإنما يمكن أن يكون جزءًا من عملية تفاوضية أوسع، خاصة أن هناك اتصالات لا يتم الإعلان عن جميع تفاصيلها بين الأطراف المعنية.

كيف تقرأون الجمع بين استمرار التهديد العسكري الأمريكي ووجود اتصالات غير مباشرة بين واشنطن وطهران في نيويورك؟

أعتقد أن وجود الوفد الإيراني في نيويورك في هذا التوقيت يحمل أهمية كبيرة، خصوصًا في ظل الحديث عن اتصالات ومباحثات غير مباشرة.

وهناك اتصالات لا يتم الإعلان عنها بالكامل، إذ عادة ما يتم الكشف فقط عن النقاط التي يتفق الطرفان على إعلانها، بينما تظل بعض التفاصيل طي الكتمان إلى حين التوصل إلى نتائج يمكن الإعلان عنها.

كما أن طبيعة وجود الوفد الإيراني رفيع المستوى في نيويورك، بالتزامن مع اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، تفتح المجال أمام تحركات دبلوماسية قد لا تظهر تفاصيلها بشكل كامل في الوقت الحالي.

لذلك، لا أستبعد وجود قنوات تفاوضية أو اتصالات سرية بين واشنطن وطهران، وقد يتم الكشف عن نتائجها في الوقت المناسب.

ما الذي يمكن أن يدفع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الانتقال من التهديد والضغط إلى قرار توجيه ضربة عسكرية جديدة لإيران؟

رغم كل ما يقال عن التصعيد، ما زلت أستبعد في الوقت الراهن أن يكون ترامب راغبا في الدخول في مواجهة عسكرية جديدة مع إيران، وأعتقد أن لديه مصلحة في العودة إلى مسار التسوية.

لكن هناك ملفات عديدة معقدة ترتبط بهذا الأمر، وليس فقط أزمة مضيق هرمز، فهناك أيضًا باب المندب، وأمن الملاحة الدولية، والعلاقات الأمريكية الصينية، إلى جانب ما يثار بشأن الإمدادات والدعم الذي يصل إلى إيران والحوثيين.

كل هذه الملفات يمكن أن تكون جزءا من مباحثات أوسع تجري بعيدًا عن الأضواء، سواء بين الولايات المتحدة وإيران أو بين واشنطن وبكين.

ومن ثم، فإن قرار توجيه ضربة عسكرية جديدة لإيران لن يكون مرتبطا بملف واحد، وإنما بمجموعة من الحسابات السياسية والاستراتيجية، وفي مقدمتها التحركات الأمريكية والعلاقات مع الصين والتطورات الإقليمية.

في حال قررت واشنطن استئناف الضربات ما الخيارات المتاحة أمام إيران؟ وهل تتوقعون ردًا إيرانيًا مباشرًا أم عبر ساحات إقليمية متعددة؟

في هذه الحالة ستكون الخيارات الإيرانية متعددة، وأعتقد أن إيران تستعد بالفعل لمثل هذا السيناريو.

قد تدخل المنطقة في ما يمكن وصفه بـ«معركة المضائق»، بحيث لا يقتصر الأمر على مضيق هرمز، وإنما قد يمتد إلى باب المندب، فضلًا عن التهديدات الإيرانية بتوسيع نطاق المواجهة إلى مناطق أخرى.

كما أن طهران تتحدث عن سياسة النفس الطويل والصمود في مواجهة قوة كبرى مثل الولايات المتحدة، وبالتالي فإن أي ضربة أمريكية لن تمر دون رد إيراني.

وأعتقد أن طهران لديها بالفعل خيارات وخطط للرد، وقد جرى إعدادها تحسبًا لأي ضربة أمريكية محتملة.

إذا قررت واشنطن توجيه ضربة جديدة لإيران.. هل تتوقعون دخول إسرائيل مباشرة في العمليات العسكرية؟ وإذا حدث ذلك، إلى أي مدى يمكن أن تتسع المواجهة إقليمياً؟

دخول إسرائيل على خط المواجهة سيشكل بالتأكيد عاملا مهما في تحديد طبيعة ومدى التصعيد، لأن أي مشاركة إسرائيلية مباشرة قد تدفع إلى توسيع نطاق المواجهة بدلًا من حصرها في إطار أمريكي-إيراني.