تعد الحكاية الشعبية أحد أبرز الفنون الشفوية التي توارثتها الأجيال، وظلت على امتداد الزمن جزءاً أصيلاً من الذاكرة والوعي الجمعي، بما تحمله من قيم وحِكم ومبادئ، إلى جانب بعدها الترفيهي. ومع انتقالها إلى المنصات الرقمية الحديثة واتساع دوائر حضورها، يظل السؤال يتردد: هل خسرت الحكاية دفء الراوي وسحر المجلس؟ في هذا الحوار مع «الخليج»، تتحدث الكاتبة والباحثة في التراث مريم سلطان المزروعي عن حضور الحكاية الشعبية في الزمن الرقمي، وحدود التغيير، وفرص إعادة إحيائها من جديد.تؤكد مريم المزروعي أن الحكاية الشعبية، على الرغم من التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم الرقمي، لا تزال تمتلك قدرة استثنائية على الاستمرار والتجدد، معتبرة أن انتقالها إلى المنصات الرقمية لا يمثل قطيعة مع ماضيها، بقدر ما يعكس امتداداً طبيعياً لمسيرتها التاريخية بوصفها فناً شفهياً ظل عبر العصور يتكيف مع البيئات والمتغيرات الثقافية والاجتماعية.وأوضحت المزروعي أن الحكاية الشعبية لم تكن في أي مرحلة من مراحل تطورها نصاً جامداً أو قالباً مغلقاً، وأنما حافظت دوماً على إعادة التشكل باستمرار من خلال الراوي والمتلقي والبيئة التي يولد فيها، لذلك فإن ظهورها في الوسائط الرقمية لا ينبغي النظر إليه، باعتباره تهديداً لهويتها، فالفضاء الرقمي الجديد يمنحها فرصاً أوسع للوصول إلى جمهور متنوع، خاصة من الأجيال الجديدة التي أصبحت تتلقى المعرفة والثقافة عبر وسائل مختلفة عما كان سائداً في الماضي.وبينت أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في الوسيط التقني نفسه، وإنما في الكيفية التي تقدَم بها الحكاية، فإذا اختزلت إلى مادة هدفها الاستهلاك اللحظي، فإنها تفقد كثيراً من عمقها الرمزي والإنساني، أما إذا حافظت على بنيتها السردية، ورموزها، وقيمها، فإن الشكل العصري يمنح التراث فرصة جديدة للحياة والاستمرار.ولعوفي حديثها عن علاقة الأجيال الجديدة بالحكاية الشعبية، رفضت مريم المزروعي الاعتقاد السائد أن الطفل أو الشاب لم يعد قادراً على الإصغاء للحكايات الطويلة كما كان يحدث في السابق، مؤكدة أن الإنسان، مهما تغيرت أدواته ووسائل تواصله، يبقى كائناً مولعاً بالسرد والقصص.وأشارت إلى أن التحول الحقيقي لم يكن في قدرة المتلقي على الإصغاء، وإنما في طبيعة التجربة السردية التي يبحث عنها، فالحكاية التي تمتلك شخصيات وصراعاً إنسانياً، وعناصر تشويق قادرة على إثارة الخيال، واجتذاب الطفل والشاب كما كانت تفعل في الأزمنة الماضية، لافتة إلى أن العصر الرقمي ربما غير سرعة التلقي، لكنه لم يغير حاجة الإنسان الفطرية إلى القصص بوصفها وسيلة لفهم الذات والعالم.وحول الأخطار التي تواجه الحكاية الشعبية في الوقت الراهن، شددت مريم المزروعي على أن التهديد الأكبر لا يأتي من التكنولوجيا كما يعتقد كثيرون، بقدر ما يأتي من فقدان الحكاية لروحها الإنسانية. فالحكاية، بحسب وصفها، هي في جوهرها تجربة اجتماعية وثقافية متكاملة، تنشأ داخل علاقة إنسانية تجمع الراوي بالمستمعين، سواء في جلسات الأجداد مع الأحفاد، أو الأم مع أطفالها، أو في المجالس الشعبية التي شكلت عبر عقود طويلة ذاكرة المجتمع.وأضافت أن هذه العلاقة الإنسانية كانت تمنح الحكاية أبعادها العاطفية والثقافية، وتحمل في تفاصيلها أصوات المكان ولهجاته وتجارب الناس وقيمهم، وهو ما يجعلها أكثر من مجرد نص قابل للنقل، وترى أن الحكاية عندما تتحول إلى محتوى متكرر يخلو من السياق الثقافي والاجتماعي، فإنها تفقد جزءاً مهماً من قيمتها، لأن الحفاظ على الحكاية يحتاج منّا حفظ النصوص، وأيضاً الحفاظ على الإنسان الذي يحملها والطريقة التي يمنحها بها الحياة.قوةفي سياق حديثها عن التحول الرقمي، أوضحت مريم المزروعي أن الوسائط الحديثة أسهمت بالفعل في توسيع دائرة انتشار الحكاية الشعبية، وفتحت أمامها أبواباً للوصول إلى شرائح جديدة من الجمهور، وربما أعادت اكتشافها لدى أجيال لم تعش تجربة المجالس التقليدية التي كانت الحكاية أحد أهم مكوناتها.ورأت أن أدوات العصر، مثل التسجيلات الصوتية، والصورة، والمؤثرات البصرية، ليست في ذاتها عاملاً سلبياً، ويمكن أن تشكل إضافة نوعية إذا جاءت في خدمة السرد ولم تتحول إلى غاية مستقلة عنه. وأكدت أن قوة الحكاية الشعبية تنبع من قدرتها على إثارة الخيال وتحريك المشاعر وإنتاج المعنى، معتبرة أن التقنية تصبح عنصراً إيجابياً عندما تعزز التجربة السردية، لكنها تتحول إلى عبء عندما تطغى على جوهر الحكاية.كما تناولت مريم المزروعي تأثير الألعاب الإلكترونية والمحتوى الرقمي السريع في المشهد الثقافي، مبينة أن تعدد وسائل الترفيه لا يعني بالضرورة تراجع الحكاية الشعبية، وأكدت أن الأصالة لا تعني تجميد الحكاية في صورتها القديمة، وإنما الحفاظ على هويتها وقيمها مع منحها أشكالاً معاصرة تتناسب مع طبيعة الجمهور الحالي.