الحياة الزوجية ليست مصلحة شخصية أو تنازل طرف ما على حساب الطرف الأخر بل هي مشاركة تقوم على الصراحة والاحترام المتبادل واتخاذ القرارات معًا دون أن تكون العلاقة ورقة ضغط على الطرف الآخر.
ومن هذا المنطلق، لم يكن من العدل والإنصاف أن نجلد ذات المرأة لأنها وافقت يومًا ما على قرار زوجها بعدم الإنجاب، كما لا يصح أن نلوم الرجل لمجرد أنه شارك زوجته في قراراته ومنحها مساحة كبيرة من الثقة.. لكن يكمن السؤال الحقيقي في «متى تتحول المشاركة إلى تبعية؟.. ومتى يصبح الحب وسيلة للسيطرة بدلا من أن يكون مصدرا للأمان؟
هذه التساؤلات يفتحها مسلسل «طالع نازل»، للنجمة منى ذكى والفنان المتألق محمد شاهين والفنانة المبدعة مريم الخشت، إذ لاقى المسلسل رواجا كبيرا عبر المنصات المختلفة، بفضل حبكته الدرامية والزاوية التي تناول من خلالها العلاقات الزوجية والخيانة والانتقام.
فقد انقسمت الآراء حول شخصيات العمل؛ فهناك من رأى أن انتقام نورا انقلب عليها وحول حياتها إلى جحيم، ومن طالبها بالرحيل مبكرًا بدلًا من الدخول في دوامة الانتقام، ومن تعاطف مع علي باعتباره ضحية للسيطرة، بينما أعاد البعض النظر في شخصية مي، فانتقلت في نظرهم من صورة المرأة التي تخطف رجلًا متزوجًا إلى صورة سيدة مغلوبة على أمرها.
لكن بعيدًا عن التعاطف والانحياز، يبقى السؤال الأهم: «من الجاني ومن المجني عليه؟.. وهل كان الانتقام هو المشكلة الحقيقية، أم أن جذور الأزمة بدأت منذ بداية العلاقة؟
مع بداية أي زواج، يجب أن تكون القرارات المصيرية مشتركة، وألا يتحول أي قرار إلى ورقة ضغط يستخدمها أحد الطرفين ضد الآخر؛ يجب أن ندرك جيدا أن الحياة الزوجية لا تعني بالضرورة أن يقوم أحد الطرفين بالتنازل عن عقله أو شخصيته لمجرد أنه الأكثر حبًا أو الأكثر تضحية.
وهنا تظهر إشكالية علاقة نورا بعلي؛ فربما لم تكن نورا تحب علي بقدر ما كانت تحب الصورة التي أرادت أن تصنعه عليها؛ إذ حاولت أن ترى فيه نموذجًا معاكسًا تمامًا لصورة والدها، فتدخلت في تفاصيل حياته، وسعت إلى تغيير طباعه وتوجيه قراراته، حتى أصبحت صاحبة التأثير الأكبر في كل ما يتعلق به.
فأخطر أنواع السيطرة داخل العلاقات ليست السيطرة على القلب، وإنما السيطرة على العقل؛ لأن الإنسان عندما يتخلى عن استقلالية تفكيره ويعتاد الرجوع إلى شخص آخر في كل صغيرة وكبيرة، يفقد تدريجيًا قدرته على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية.
وهذا ما فعله على مع نورا، إذ سلم لها مساحة واسعة في إدارة حياته العملية، واستسلم لتوجيهاتها، حتى أصبحت أفكاره مقيدة ولا يبدي حتى رأيه، فمن الجميل أن يعترف الإنسان بدور زوجته في نجاحه، وأن يقدر دعمها ومساندتها، لكن ذلك لا يعني أن يتخلى عن شخصيته أو يلغي عقله في أمور حياته العملية؛ فالمشاركة الحقيقية تعني أن يكون لكل طرف رأيه وقراره وقدرته على تحمل المسؤولية.
وهنا يُطرح سؤال هل يمكن أن نصف «على» بأنه شخص اعتمادي Dependent Personality، في الواقع أن الاعتمادية هي عدم تحمل المسؤولية وترك القرار التام للطرف الأكثر سيطرة، وهذا ما طرحه المسلسل في شخصية على.
ليس خطًأ أن تكون الزوجة صديقة لزوجها ومستشارته وأقرب الناس إليه، لكن الخطأ أن تتحول الصداقة إلى قيود، وأن تصبح المشاركة تدخلًا في كل تفاصيل حياته، خصوصًا العمل، فالرجل يحتاج في عمله لمساحة من الإبداع والتألق.
نورا في البداية كان هدفها الأساسي «على» وتنازلها عن الإنجاب، اعتقدت أنه وسيلة للحفاظ على علاقتها بعلي وتشكيله حسب رؤيتها، لذا يجب أن نميز بين قرار يتخذه الزوجان عن اقتناع مشترك، وتنازل يقدمه أحدهما على حساب رغباته الحقيقية.
ليس الخطأ في أن يتفق الزوجان على عدم الإنجاب، فذلك قرار شخصي يخصهما وحدهما، وإنما المشكلة في أن يتخذ أحدهما قرارا مصيريا دون أن يكون صادقًا مع نفسه بشأن دوافعه ورغباته.
وهنا تظهر قاعدة مهمة «لا ينبغي أن يتحول التنازل الذي نقدمه عن حب إلى دين نطالب الطرف الآخر بسداده طوال العمر» ومن قرر التضحية وهو بكامل إرادته لا يحمل شريكه المسؤولية فيما بعد.
مع مرور السنوات وكثرة النجاحات المشتركة بينهما، دخلت العلاقة بين نورا وعلي في حالة من الرتابة، وربما اعتاد علي وجود نورا في حياته باعتبارها صديقته ومديرة أعماله، أكثر من كونها زوجته التي تجمعه بها علاقة عاطفية قائمة على الاحتواء والاهتمام.
ومع ظهور مي، وجد علي فرصة للتجديد والخروج من نمط الحياة التي اعتادها، ولم يتردد في اتخاذ قرار الزواج سرا منها.
مي كانت تعرف أن علي رجل متزوج، ومع ذلك قبلت الدخول في علاقة معه، بل اختارت أن تتزوج به سرًا، واستمرت في هذا الوضع لمدة عامين دون أن تعلم زوجته بالأمر، في حين كانت تحرص هي الأخرى على إخفاء زواجها عن طليقها.
وبذلك لم تكن مي مجرد امرأة وقعت في الحب، بل كانت طرفًا اتخذ قراراته وفق مصالحه الخاصة، دون أن يضع في اعتباره ما قد يترتب عليها من أذى للآخرين، فهي مدركة ما كانت تفعله جيدا ولكنها اعتقدت أن الحب وحدة كافِ لنجاح العلاقة.
وهنا تظهر المفارقة بين الشخصيات الثلاث؛ فنورا ربما أرادت رجلًا تستطيع توجيهه وتشكيل اختياراته، بينما اعتاد علي وجود امرأة تتولى التفكير واتخاذ القرارات عنه، في حين مي كانت تبحث عن رجل مستقل يستطيع تحمل مسؤولية اختياراته؛ لكن علي لم يستطع التخلص من نمطه السابق بمجرد انتقاله من علاقة إلى أخرى، فظلت المشكلة قائمة، وإن اختلفت المرأة الموجودة في حياته.
من أكثر اللحظات دلالة في العمل أن علي عندما علم بحمل مي، كانت نورا أول من حاول إخبارها بالأمر، وكأنها الشخص الذي يجب أن يشاركه تفاصيل حياته، لا الزوجة التي ينبغي أن يضع مشاعرها وحقوقها في اعتباره.
وهنا تكمن المشكلة؛ فعلي لم يكن يتعامل مع نورا باعتبارها زوجته بالمعنى العاطفي والإنساني الكامل، بل كأنها والدته أو مديرة أعماله، الشخص الذي اعتاد أن يلجأ إليه في كل شيء، دون أن يدرك أن لهذه المرأة مشاعر وحقوقا لا يمكن تجاوزها.
وهنا جاء رد فعل نورا، فكان من الطبيعي أن تغادر فورا بعد اكتشاف زواج علي من مي، لكن يبدو أنها لم تستطع تقبل فكرة خروجه من دائرة سيطرتها بهذه السهولة، نعم ليس بغرض الحب والغيرة، فقد اعتادت أن تكون صاحبة التأثير الأكبر في حياته، وأن يكون علي خاضعًا لتوجيهاتها، ولذلك جاء قرار الانتقام وكأنه محاولة لاستعادة السيطرة التي فقدتها وبدأت خطتها في تدمير كل ما قامت ببناءه دون إدراك عواقبه.
قد وقعت نورا في خطأ ثالث لا يقل خطورة عن أخطائها السابقة، فالأول أنها ساهمت في تجريد علي من استقلالية تفكيره، والثاني أنها تنازلت عن رغبتها في الإنجاب دون أن تحسم موقفها الحقيقي من هذا القرار، أما الثالث فكان اختيار الانتقام بدلًا من الانسحاب.
فالجرح الذي سببه علي بزواجه من أخرى كان كافيًا لأن تغادر نورا العلاقة بهدوء، دون أن تدخل في حرب هدفها تدمير الطرف الآخر، فالمرأة التي تتعرض لصدمة في زوجها ترحل في صمت تام، لأن الحفاظ على النفس والكرامة أهم من استنزاف العمر في معركة مع شخص لم يعد يستحق البقاء معه.
ولكن نورا لم ترحل بل قررت رأت الموقف من منظور «بنيتك وههدمك وادمرك»، فهذا لا يعبر عن الحب بقدر ما يكشف عن رغبة في السيطرة والانتقام.
إذا من الضحية الحقيقية؟ نورا أم علي أم مي؟