مرثيّةُ الرّابعِ من آب

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

ستُّ سنينَ…ولم يهرم الوجعُ،كأنّ الزمانوقف عند ذلك المساء،ثمّ ترك عقاربهُتدورُ فوق الجرحولا تمضي.يقولون:مرّت ستُّ سنين.وكأنّ الأعوامتُقاسُ بالأرقام،لا بالقبور،ولا بالأمهاتاللواتي ما زلنيضعن صحوناًلمن لن يعود.في ذلك المساء،لم ينفجر المرفأُ وحده،انفجر العمرُفي صدور مدينة،وتناثرت الأحلامُكزجاج النوافذ،وصار الهواءُيحملُ أسماء الراحلينبدلاً من رائحة البحر.أيُّها الرابعُ من آب،ما كنت يوماً…بل كنت قدراًألقى على لبنانثوباً من الحداد،فما استطاعَأن يخلعهُإلى اليوم.ستُّ سنين،ولا تزالُ البيوتُتعرفُ أصحابهاأكثر من المقابر.على الطاولاتأكوابٌ بردتبانتظار يدٍلن تمتدَّ إليها،وفي الأدراجمفاتيحُتبحثُ عن أبوابٍأغلقها الغياب،وفي الزواياضحكاتٌ صغيرة،كلَّما مررنا بهاسمعناها…ثمَّ أدركناأنّ الصمتصار أعلى من الأصوات.ما أقسىأن يشيخ الأطفالُوهم يحملونذكرى لا تخصُّ أعمارهم.وما أقسىأن يكبر وطنٌوهو عاجزٌعن دفن يومٍ واحد.قالوا:الوقتُ يداوي.وكذب الوقتُ.فالوقتُلا يداوي جرحاًكلّما أطلّ آبُنزف من جديد.الندبةُ لا تؤلمُلأنّها في الجسد،بل لأنّهافي الذاكرة.والذاكرةُ…إذا سكنها الظلمُ،لا تنام.ستُّ سنين،ولا سؤال وجد جواباً،ولا دمعةًوجدت عدلاً،ولا قلباًأقنعوهُأنّ الذين رحلواقد رحلوا حقّاً.فالذين نحبُّهملا يغيبون دفعةً واحدة،بل يرحلونكلّ يوم.في الكرسيِّ الفارغ،وفي الرقمالذي لم يعد يجيب،وفي العطرالذي ما زاليسكنُ الخزانة،وفي صورةٍيبتسمُ صاحبُها،كأنّه لا يعرفُأنَّ الزمنتوقّفَ بعدَها.يا رابعَ آب،أيُّ لعنةٍجعلتك تعودُكلّ عام،لا كتاريخ،بل كسكّينٍيعرفُ الطريقإلى القلوب.نمضي…ليس لأنَّنا نسينا،بل لأنّ الحياةتُجبرُ المنكسرينعلى السير.غير أنّ في داخل كلّ واحدٍ منّامدينةًما زالتتحت الأنقاض.وستبقىستُّ سنين،أو ستّون،أو عمراً كاملاً…ولا يُقالُ عن الجرحإنّهُ قديم،ما دام العدلُلم يولد بعد.