مدير المدرسة..لماذا لا نراه في قلب العملية التعليمية؟ – د.شريف بن محمد الأتربي

كل التجارب التعليمية التي مررت بها وعاصرتها كانت تجعل مدير المدرسة على قمة هرم الاهتمام للمعلمين والإداريين، فهو الُمقيم، والمقدر لجهود العاملين، بتوقيع منه يبقى المعلم وربما يتم ترقية وزيادة راتبه وحوافزه، ونفس التوقيع يمكن أن يجعل العامل في حيرة من أمره، مشتتا غير قادر على استكمال رحلته التعليمية.

هكذا كان المدير وأعتقد أنه لا زال الكثيرون منهم يمارسون نفس السلطوية في التعامل مع العاملين. على الجانب الأخر - الجانب التعليمي- لم نكن نشاهدهم حيث يجب أن يكونوا متواجدين، فهم يلقون المسؤولية كاملة على العاملين سواء الإخفاق التعليمي، أو الإداري. لقد اعتدنا أن يكون مدير المدرسة حاضرًا في كل شيء تقريبًا، إلا في المكان الذي ينبغي أن يكون فيه أثره أعمق من غيره: قلب العملية التعليمية.

نجده يتابع الحضور والانصراف، والغياب والتأخر، والجداول، والمراسلات، والمباني، والمناسبات، والأنظمة، والتقارير، والعديد من التفاصيل اليومية التي لا يمكن للمدرسة أن تستغني عنها. وكل ذلك مهم، ولا يمكن لأي مدرسة أن تعمل بكفاءة من دون إدارة تضبط عملياتها وتحافظ على انتظامها.

لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف أمامه هو: كم من وقت مدير المدرسة يذهب إلى إدارة المدرسة، وكم منه يذهب إلى قيادة التعلم فيها؟ خاصة بعد أن غيرت لائحة تقييم أداء شاغلي الوظائف التعليمية من نسب تقييم المعلمين والإداريين، فأصبحت كلها تقريبا في يده هو وحده. وإن لم تكن راضيا فتظلم عبر الوسائل الرسمية.

فالمشكلة ليست في كثرة ما يفعله مدير المدرسة، بل في موقع ما يفعله من تعلم الطلاب.

إذا كانت المدرسة تعمل بكفاءة إدارية، لكننا لا نعرف بوضوح هل تحسن تعلم الطلاب أم لا، وأين يتعثرون، وما الذي يحتاجه المعلمون، وما التدخلات التي أحدثت أثرًا حقيقيًا، فإننا قد نكون أمام مدرسة تُدار جيدًا، لكنها لا تُقاد بالقدر الكافي نحو التعلم.

هناك فرق كبير بين أن يدير الإنسان مدرسة، وأن يقودها.

المدير يستطيع أن يتأكد من تنفيذ التعليمات، وانضباط الجداول، واكتمال الملفات، وانتظام العمل. أما القائد فيذهب إلى السؤال الأصعب: ماذا يحدث فعلًا داخل الصف؟ خاصة إذا كانت خبرته التعليمية هي محك اختياره، فهو يسأل نفسه:

ما الممارسات التعليمية التي تحقق نتائج أفضل؟

وكيف يمكن نقل هذه الممارسات من معلم إلى آخر؟

وأين يجب أن تتدخل المدرسة قبل أن يتحول التعثر إلى فجوة يصعب علاجها؟

هنا تنتقل القيادة المدرسية من إدارة العمليات إلى قيادة التعلم.

وهذا لا يعني أن يتخلى مدير المدرسة عن الجانب الإداري، بل يعني أن يعيد ترتيب الأولويات: فالإدارة ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لتهيئة البيئة التي تجعل التعليم أكثر جودة، وتجعل المعلم أكثر قدرة، والطالب أكثر تقدمًا.

اختيار قائد المدرسة هو أول قرار في بناء مدرسة ناجحة.

ولهذا فإن تطوير المدرسة يبدأ، قبل أي برنامج أو مبادرة، من السؤال: من نختار لقيادة المدرسة؟

لم يعد كافيًا أن نعتمد في الاختيار على سنوات الخبرة، أو النجاح في أداء مهام وظيفية سابقة، أو القدرة على إدارة الإجراءات اليومية. فنجاح الموظف في موقعه السابق لا يعني بالضرورة نجاحه في موقع قيادي جديد؛ لأن القيادة وظيفة مختلفة، لها متطلباتها وقدراتها وأثرها.

نحن بحاجة إلى معايير اختيار تنظر إلى أربعة أبعاد رئيسة على الأقل:

الكفاءة التعليمية: هل يفهم قائد المدرسة عملية التعليم والتعلم؟ وهل يستطيع أن يناقش المعلم في الممارسات التعليمية، ونواتج التعلم، والفروق بين الطلاب؟

الكفاءة القيادية: هل يستطيع بناء فريق، وإدارة التغيير، وتحفيز الآخرين، واتخاذ القرار، وتحمل المسؤولية، وتحويل الرؤية إلى ممارسة؟

الكفاءة التحليلية: هل يستطيع قراءة البيانات وتحويلها إلى قرارات؟ وهل يعرف كيف ينتقل من الرقم إلى تشخيص المشكلة، ثم إلى تدخل يمكن قياس أثره؟

الكفاءة الإنسانية: هل يستطيع بناء الثقة مع المعلمين والطلاب وأولياء الأمور؟ وهل يمتلك القدرة على الاستماع والحوار وفهم اختلاف الشخصيات والدوافع؟

من يمتلك القدرة على قيادة مدرسة نحو نتائج تعليمية أفضل؟

فالمطلوب ليس اختيار شخص يستطيع المحافظة على المدرسة كما هي، وإنما قائد يستطيع أن يجعلها أفضل مما كانت عليه.

ومن الأخطاء التي قد تقع فيها القيادة المدرسية أن يُنظر إلى مدير المدرسة باعتباره المسؤول الوحيد عن كل شيء.

المدرسة منظومة، ونجاحها يحتاج إلى منظومة قيادة ودعم متكاملة.

وهنا تبرز أهمية العلاقة بين قائد المدرسة والمشرف التربوي والمشرف الإداري، بحيث لا تكون العلاقة قائمة على التفتيش أو انتظار الأخطاء، وإنما على التكامل من أجل نجاح المدرسة.

المشرف التربوي يدعم جودة التعليم والتعلم.

المشرف الإداري يمكّن المدرسة من العمل بكفاءة.

وحين تتكامل هذه الأدوار، يصبح المشرف التربوي شريكًا في تحسين الممارسات الصفية، ودعم المعلمين، وقراءة نتائج الطلاب، والمساعدة في بناء التدخلات المناسبة، بينما يساعد المشرف الإداري المدرسة على معالجة الجوانب التنظيمية والإجرائية التي قد تعيق قدرتها على أداء مهمتها.

وهنا لا ينبغي أن تكون زيارة المشرف حدثًا تنتظره المدرسة لتقديم الملفات، بل فرصة للحوار حول السؤال الأهم: كيف نجعل هذه المدرسة أفضل؟ هي زيارة من أجل شراكة ناجحة تسهم في تحقيق أهداف الدولة المستقبلية في التعليم.

إذا أردنا أن نعرف ما إذا كان مدير المدرسة قائدًا للتعلم فعلًا، فلننظر إلى علاقته بالفصل الدراسي، وكيف يمارس مهامه:

هل يناقش المعلمين في طرق التدريس، لا في اكتمال السجلات فقط؟

وهل يستطيع أن يلاحظ مشكلة تعليمية مبكرًا، قبل أن تظهر في نتائج الاختبارات النهائية؟

لا يعني ذلك أن يتحول مدير المدرسة إلى مشرف تربوي بديل، وإنما أن يكون قائدًا يرى ما يحدث في المكان الذي تُنتج فيه النتائج التعليمية.

وقد يكون السؤال الذي ينبغي أن يسمعه المعلم من قائده أحيانًا: كيف يمكنني أن أساعدك لتصبح أفضل؟

بدلًا من أن يكون السؤال الدائم: هل نفذت المطلوب منك؟

الفرق بين السؤالين ليس لغويًا، بل يعكس فلسفة مختلفة في القيادة.

القائد التعليمي لا يكتفي بامتلاك البيانات، وإنما يحولها إلى قرارات.

ولنفترض، مثلًا، أن نتائج طلاب الصف الثالث أظهرت انخفاضًا ملحوظًا في مهارات القراءة.

القيادة التقليدية قد تكتفي بتسجيل النتيجة ورفع التقرير.