كشفت ثلاثية ريال مدريد أمام فالنسيا تطوراً في هندسة الهجوم تحت قيادة المدرب جوزيه مورينيو، فأمام دفاعٍ اصطف بخمسة لاعبين لم يبحث مدريد عن اختراق العمق بالقوة، بل وزّع مهاجميه على ممرات مختلفة وأجبر المنافس على الاختيار بين حماية الأطراف وترك مساحات الاستلام في الداخل.
واجه فالنسيا 4-2-3-1 مدريدية مرنة بكتلة 5-3-2، أوكلت إلى ظهيرَي الطرف إغلاق الجناحَين وإلى ثلاثي الوسط حراسة الممر المركزي. يُصعّب هذا التمركز الوصول إلى المنطقة لكنه يختل حين يثبت المنافس لاعباً على الخط وآخر بين الظهير وقلب الدفاع. هذه هي المعادلة التي اشتغل عليها مدريد حيث لم يكن العرض متماثلاً ولا التحرك سهل المراقبة.
لكن تعليمات مورينيو كانت واضحة وصارمة حيث زجَّ بفالفيردي في الجهة اليمنى وطلب منه البقاء أقرب إلى الخط، فيما غادر أردا غولر موقع الجناح نحو نصف المساحة ليتحول إلى صانع لعب إضافي. بذلك منح مورينيو فريقه لاعباً يستقبل بين خط وسط فالنسيا ودفاعه من دون التخلي عن اتساع الملعب، وحين ينشغل غايا باتساع فالفيردي يُصعّب عليه التقدّم لملاحقة غولر؛ وحين يضيق لاعبو الوسط حول التركي يصبح الممر الخارجي مفتوحاً أمام الظهير. وقد تولى تشواميني تأمين العمق وراء الهجمة، بينما ساعد برناردو سيلفا على ربط التمريرة الأولى بالتحرك التالي. أما بيلينغهام فلم يثبت خلف مبابي؛ فقد كان يغيّر ارتفاعه وموقعه ليُربك قرار المدافع فقد المدافع المراقب له، هل يتبعه إلى الوسط أم يتركه يهاجم المنطقة؟
أما في اليسار، فكان تحرك ديوماندي مواجهاً مافيو، مع تحرك كوكوريّا لمساندته من الخلف، بينما اقترب بيلينغهام لخلق خيار ثالث، هذا التوزيع حوّل الجبهة إلى مساحة لاستدراج المراقبة وتفكيكها فإذا خرج أحد لاعبي الوسط لمساعدة مافيو اتسع الفراغ داخله؛ وإذا بقي في مكانه واجه المدافع الهجمات المتكررة على الخط. ولذلك جاء نحو نصف هجمات مدريد من اليسار ولم تعالج الكثافة الدفاعية ولا المخالفات الـ26 مشكلة التفوق المدريدي على الطرف وهدف غولر يختصر المنظومة أكثر من الهدف الأول حيث اندفع بيلينغهام حتى خط النهاية ثم أعاد الكرة إلى الخلف، فظهر التركي خلف حركة المدافعين وأنهى الهجمة من لمسة.
هنا صنع ركض اللاعب الأول الفرصة للثاني، أما تسديدة فالفيردي الافتتاحية فجاءت من كرة مرتدة بعد ركلة حرة سددها مبابي؛ إنها تذكير بأهمية السيطرة على الكرة الثانية لا دليل في ذاتها على اختراق من اللعب المفتوح.
حل إضافي
دفاعياً، لم يكن مدريد فريق استحواذ يتخلى عن الضغط أمام ثنائية صادق ودانجوما، ساعدت حركة برناردو قرب تشواميني على إبقاء خيار تمرير قصير حين يتحرك المهاجمان نحو قلبَي الدفاع بدل تحويل كل خروج بالكرة إلى مواجهة مباشرة. وقد رفع خطوطه بعد الفقدان، واستعاد وجوده خلف الكرة سريعاً عندما حاول فالنسيا التحول فاضطر أصحاب الأرض غالباً إلى الإرسال نحو صادق ودانجوما بدل الخروج بسلسلة تمريرات. لكن صورة السيطرة لم تكن كاملة حيث فقد تشواميني الكرة قرب منطقته ووصل مايول إلى تسديدة خطرة استدعت تصدياً مهماً من كورتوا. تلك اللقطة تكشف الثمن المحتمل لأي بطء في التخلص من الضغط عند البناء.
بعد إخراج دي هاس وإدخال ريوخا، حاول أغيري التقدم لكن المسافة خلف دفاعه اتسعت. وفي الشوط الثاني ظهر الوجه الآخر لحرية غولر فلم يعد اللاعب الذي يصل لينهي الهجمة فقط، بل صار صاحب التمريرة التي تفك آخر خط وبرز ذلك حين استقبل الكرة واستدار ثم أرسل لمبابي خلف الدفاع فسبق الفرنسي الحارس وسجل الثالث. هنا بدا مأزق دفاع الخمسة: إن تقدم المدافع لإغلاق غولر ترك خلفه مسار مبابي؛ وإن تراجع منح التركي وقت الاستدارة والتمرير. هذا الربط بين الاستلام الداخلي والركض في العمق منح الهجوم حلاً إضافياً.
الأرقام تعكس الفجوة: 68% استحواذ و19 تسديدة لمدريد مقابل أربع لفالنسيا. لكن منافساً يصارع في مؤخرة الترتيب لا يكفي للحكم على نضج المنظومة أمام ضغط أعلى. الجديد أن مورينيو منح لاعبيه أدواراً متكاملة. فالفيردي يوسّع، وغولر يدخل، وديوماندي يثبت الظهير، وبيلينغهام يهاجم المساحة المتولدة، وهكذا صار مدريد لا يكتفي بامتلاك الكرة، بل يحدد أين يجب أن تصبح خطرة.