من مشكاة الحكمة المتوارثة، ومن قلب الجزيرة العربية التي أدبتها التضاريس فصارت تصبر صبر الجمال وتثب وثوب المهاجم، تتدفق العقيدة السياسية للمملكة العربية السعودية.
لم تكن الكلمات الخالدة للمؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - طيب الله ثراه - حين قال: «إني جعلت سنتي ومبدأي ألا أبدأ أحداً بالعدوان؛ بل أصبر عليه وأطيل الصبر.. حتى إذا لم يبق للصبر مكان ضربت ضربتي فكانت القاضية»، ليس مجرد خطاب حماسي عابر، بل كانت ديباجة مرسومة بدم الوفاء، ودستوراً شعرياً وسياسياً صاغ شخصية الدولة وورثته أجيال القيادة كابراً عن كابر.
وفي العصر الحديث، تجلت هذه الروح في أبهى صورها البلاغية والعملية، حيث أعاد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وعضده المتين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظهما الله-كتابة هذا النص التاريخي بمداد من نور ونار في فضاء الملف اليمني؛ فكانت سياستهما تجسيداً عبقرياً لمدرسة «الصبر والحزم».
تمثلت القيادة السعودية في مستهل الأزمة اليمنية صورة الحليم الذي يرى الشرر فيمنحه دمع الحكمة ليطفئه، مستمسكة بعهد الجد ألا تبدأ بالعدوان، وأن تدفع بالحسنى ما وجدت إلى ذلك سبيلاً.
كانت الرياض في تلك السنين العجاف واحة السلام التي تفيض خيراً على اليمن الشقيق؛ فصاغت المبادرة الخليجية لتكون طوق النجاة لبلد يوشك أن يغرق في لجة الفوضى، وفتحت قاعات قصورها لـحوار وطني شامل يجمع شتات الإخوة ويرأب الصدع. حتى والرياح العاتية تهب من خلف الحدود، والانقلاب الأسود يقتحم العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014 مهدداً هوية بلد عربي عريق، كانت القيادة السعودية تتجرع الصبر إستراتيجيةً، وتمد حبال الدبلوماسية نداءً وراء نداء، طمعاً في رشاد يؤوب إليه الواهمون، وترفعاً عن لغة الحرب التي لا تلجأ إليها إلا بعد إقامة الحجة كاملة.
لكن الصبر في قاموس العزة السعودية ليس عجزاً، والأناة ليست ضعفاً؛ إنما هو تمادٍ في الصبر حتى ينبلج الحق ويسقط القناع عن المعتدي. وحين ظن البغاة أن الحلم السعودي وهن، وأشرعوا حرابهم نحو صدور اليمنيين ونحو حدود المملكة الطاهرة، مهددين أمن العروبة والعالم، انبلج الصبح عن قرار تاريخي هزّ أركان السكون.
في السادس والعشرين من مارس لعام 2015، تلا الزمان نص مقولة «معزي» بلسان الملك سلمان بن عبدالعزيز، وصدر الأمر السامي بإطلاق «عاصفة الحزم». لقد كانت تلك اللحظة هي التطبيق المهيب لعبارة: «ضربت ضربتي فكانت القاضية». انقضت نسور الجو تمزق غيوم الغدر، وتبتر يد التدخل الأجنبي التي أرادت العبث بخاصرة العرب. تحول الصبر الطويل في لمح البصر إلى عاصفة لاهبة أعادت للشرعية اليمنية هيبتها، وحررت الأرض، ونفضت عن جبين الأمة غبار التردد، لتثبت للعالم أن للبيت رباً يحميه، وأن للمملكة قيادة إذا قالت فعلت، وإذا ضربت أوجعت.
وفي غمرة البارود، لم تغب عين القيادة عن أفق السلام؛ فالقوة عند حفيد عبدالعزيز ليست غاية بل وسيلة لفرض العدل. وهنا برزت العبقرية السياسية لملهم الرؤية الأمير محمد بن سلمان، الذي أدار الجبهات بروح الفارس الشجاع، ورتب البيوت بروح السياسي الحكيم.
لقد حمل سمو ولي العهد في يده اليمنى غمد الحزم الصارم، وفي يده اليسرى غصن الزيتون، مؤمناً بأن اليمن السعيد يستحق أن يستعيد سعادته. هندس سموه اتفاق الرياض ورعى ولادة مجلس القيادة الرئاسي ليكون عقداً ناظماً للشمل اليمني المتناثر.
وعبر مبادرات سلام شجاعة ودبلوماسية إقليمية رفيعة المستوى، فتح آفاق التهدئة، واضعاً الأزمة على مسارات الحل السياسي الشامل، ليبرهن للعالم أن من يملك شجاعة الحرب يملك بالضرورة نبل السلام وبناء المستقبل.
ولأن الحرب السعودية في اليمن كانت حرباً من أجل الإنسان لا عليه، فقد تلازمت طلقات المدافع مع قوافل الإغاثة؛ فبينما كانت القوة تردع الظالم، كانت الرحمة السعودية تضمد جراح المظلوم، فغدت أروقة مركز الملك سلمان للإغاثة شرياناً يتدفق بالحياة والمدد لقلب كل طفل وامرأة في اليمن.
وتحولت قفار الحرب عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن إلى ورش عمل تبني المدارس، وتضيء المدن، وتؤهل المستشفيات. وانبرى أبطال مشروع «مسام» ينتزعون ألغام الموت من الدروب، ليزرعوا مكانها زهور الأمل والطمأنينة.
ومن رحم هذه التضحيات الجسيمة، ومن خلف غيوم الصراع المعتمة، بزغ الغيث الذي طال انتظاره؛ وتجلت التبشيرات الأولى لـ»فجر اليمن» الجديد. لم يكن هذا الفجر مجرد أمنية حالمة، بل استحقاقاً تاريخياً صاغته حنكة القيادة السعودية التي أبت إلا أن يستعيد اليمن هويته العربية الخالصة وعافيته السياسية. إن يداً تبني ويداً تحمي قد نجحتا معاً في قيادة هذا البلد الشقيق نحو شاطئ الأمان، مبرهنتين على أن الرعاية السعودية كانت وما زالت الرهان الأصدق لنهضة اليمن واستقراره.
إن الملحمة السعودية في اليمن هي قصيدة مجد تُقرأ بلسان الفخر؛ بدأت بالحلم والصبر، وتجلت بالحزم والعزم، وأثمرت بالبناء والسلام. لقد أثبت الملك سلمان وعضده الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله- أن الخصال التي شاد بها الملك الموحِّد أركان دولته ما زالت حية نابضة في عروق أحفاده.
ستبقى المملكة العربية السعودية دائماً كما أرادها قادتها: بحراً من الطيبة والسلم لمن أراد مسالمتها، وبركاناً من الحسم والبطش لمن تسول له نفسه المساس بأمنها أو خيانة جيرتها، يرتل التاريخ في علياء مجدها أبد الدهر: «إذا لم يبق للصبر مكان.. كانت الضربة القاضية».
من مشكاة الحكمة المتوارثة، ومن قلب الجزيرة العربية التي أدبتها التضاريس فصارت تصبر صبر الجمال وتثب وثوب المهاجم، تتدفق العقيدة السياسية للمملكة العربية السعودية.
لم تكن الكلمات الخالدة للمؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - طيب الله ثراه - حين قال: «إني جعلت سنتي ومبدأي ألا أبدأ أحداً بالعدوان؛ بل أصبر عليه وأطيل الصبر.. حتى إذا لم يبق للصبر مكان ضربت ضربتي فكانت القاضية»، ليس مجرد خطاب حماسي عابر، بل كانت ديباجة مرسومة بدم الوفاء، ودستوراً شعرياً وسياسياً صاغ شخصية الدولة وورثته أجيال القيادة كابراً عن كابر.
وفي العصر الحديث، تجلت هذه الروح في أبهى صورها البلاغية والعملية، حيث أعاد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وعضده المتين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظهما الله-كتابة هذا النص التاريخي بمداد من نور ونار في فضاء الملف اليمني؛ فكانت سياستهما تجسيداً عبقرياً لمدرسة «الصبر والحزم».
تمثلت القيادة السعودية في مستهل الأزمة اليمنية صورة الحليم الذي يرى الشرر فيمنحه دمع الحكمة ليطفئه، مستمسكة بعهد الجد ألا تبدأ بالعدوان، وأن تدفع بالحسنى ما وجدت إلى ذلك سبيلاً.