أسدل الفنان المصري مدحت صالح الستار على فعاليات الدورة الرابعة والثلاثين لمهرجان ومؤتمر الموسيقى العربية. وعلى خشبة المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية، وتحت لافتة "كامل العدد"، قدم صالح لجمهوره وجبة دسمة من المشاعر الإنسانية والفنية، تنقلت بسلاسة بين شجن الفقد وفرحة اللقاء.
لم تكن اللحظة التي قرر فيها مدحت صالح تقديم أغنية "يا ريتك معايا" مجرد فقرة فنية عابرة، بل كانت رسالة وداع متأخرة مشبعة بالحنين لصديقه ورفيق دربه، الفنان الراحل هاني شاكر. ففي مشهد إنساني مؤثر، لم يتمالك صالح نفسه، حيث غلبه التأثر وانهارت دموعه على المسرح، ليجد نفسه عاجزاً عن استكمال الكلمات وسط تصفيق حار ودعم عاطفي من الجمهور الذي شاركه غصة الفقد. هذا المقطع المصور الذي انتشر كالنار في الهشيم عبر منصات التواصل الاجتماعي، جسد بصدق قوة الروابط الأخوية في الوسط الفني، وأكد أن إرث هاني شاكر ومكانته الرفيعة لا يزالان ينبضان في قلوب زملائه ومحبيه.
وفي تباين فني يبرز قدرة المطرب المصري على التحكم في إيقاع الحفل ومزاج الجماهير، تحولت الأجواء من الشجن العميق إلى البهجة المطلقة. ففي لقطة تصدرت "الترند" وأثارت تفاعلاً واسعاً، فاجأ صالح الحضور برقصة استعراضية عفوية باستخدام "العصا"، ليلهب حماسة المسرح الكبير ويدفع الجمهور للتفاعل معه بهتافات وتصفيق متواصل، مثبتاً احتفاظه بلياقته الفنية وروحه الشابة التي طالما أحبها جمهوره.
رافق مدحت صالح في هذه الرحلة الموسيقية رفيق دربه الموسيقار عمرو سليم، وبقيادة المايسترو أحمد عامر الذي قاد الفرقة الموسيقية ببراعة. وقد استمتع الجمهور بباقة منتقاة بعناية شملت أبرز أعماله الخاصة، منها: "بأرمي السلام"، "محبتك جنون"، "قلبي إليك ميال"، "لحظة تاريخية"، "المليونيرات"، "وعدي"، و"ابن مصر".ولم تكتمل اللوحة الطربية إلا بلمسة من عبق الماضي؛ حيث أهدى صالح عشاق الطرب الكلاسيكي "ميدلي" ساحراً لأبرز روائع العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، تلاه "ميدلي" آخر لأيقونات كوكب الشرق أم كلثوم. وقد أضفت هذه الوصلات الكلاسيكية بُعداً احتفالياً يليق بهدف مهرجان الموسيقى العربية في حفظ التراث وتجديد تواصل الأجيال مع الفن الأصيل، لتُختتم الدورة الـ34 بصوت أطرب، وأبكى، وأسعد كل من تذوق فنه.