في مصر، لا يُقرأ اسم محمد صلاح في صفحات الرياضة وحدها، بل في مساحة أوسع من الذاكرة الشعبية؛ لاعب خرج من طريق طويل وصعب، حتى صار نجمًا عالميًا، ثم عاد بثقله كله ليحمل مع المنتخب حلمًا قديمًا لا يهدأ: أن تكون مصر حاضرة في كأس العالم كما يليق بتاريخها وجمهورها. لم تكن علاقة صلاح بالمونديال عابرة. ففي تصفيات كأس العالم 2018، كان هو صاحب اللحظة التي انتظرها المصريون 28 عامًا. أمام الكونغو، وفي الدقيقة الأخيرة تقريبًا، تقدّم لركلة الجزاء التي حملت أثقل مما تحتمله كرة واحدة؛ فسجّل، وتأهلت مصر إلى كأس العالم للمرة الأولى منذ 1990. في تلك الليلة، لم يكن صلاح لاعبًا يسدد كرة، بل رجلًا يفتح بابًا ظل مغلقًا جيلًا كاملًا. وفي روسيا 2018، دخل صلاح البطولة مثقلًا بإصابته الشهيرة قبل أسابيع قليلة، ومع ذلك سجّل هدفي مصر في المونديال أمام روسيا والسعودية. لم يكن الظهور المصري كما تمنته الجماهير، فقد خرج المنتخب من دور المجموعات، لكن صلاح خرج من البطولة بصورة اللاعب الذي أعاد مصر إلى المسرح العالمي، حتى إن لم تكتمل الحكاية كما أراد. ومع المنتخب، لم يعد صلاح مجرد نجم محترف في أوروبا، بل صار نقطة الثقل في المشروع كله. هو الهداف التاريخي لمصر، متجاوزًا أسماء كبيرة في الذاكرة المصرية، وفي مقدمتها حسام حسن. لكن قيمة صلاح لا تتوقف عند عدد الأهداف؛ فهناك لاعبون يسجلون، وهناك لاعبون يغيّرون إحساس بلد كامل بقدرته على الحلم، وصلاح ينتمي إلى الفئة الثانية. قوته مع مصر لا تأتي فقط من سرعته أو دقة قدمه اليسرى أو هدوئه أمام المرمى، بل من قدرته على جعل المنتخب يبدو ممكنًا حتى في أصعب الظروف. حين يكون حاضرًا، تتغير حسابات الخصوم، ويتغير شعور الجماهير، ويصبح لدى الفريق منفذ دائم نحو الأمل، حتى عندما لا تكون المنظومة في أفضل أحوالها. لكن هذه المكانة نفسها صنعت عبئًا ثقيلًا. فكثيرًا ما بدا المنتخب المصري معتمدًا على صلاح أكثر مما ينبغي، وكأن كل حلم كبير يجب أن يمر من قدمه وحده. وهذه معادلة لا تُنصف اللاعب ولا الفريق؛ فالمونديال لا يذهب إليه نجم بمفرده، بل منتخب يعرف كيف يحوّل موهبة قائده إلى مشروع جماعي. ومع اقتراب كأس العالم 2026 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، تبدو الفرصة مختلفة. فالنسخة المقبلة قد تكون من آخر الفرص الكبرى لصلاح كي يعود إلى المونديال وهو أكثر اكتمالًا وخبرة، لا بوصفه لاعبًا مصابًا يقاوم الظروف كما حدث في 2018، بل قائدًا يريد أن يمنح مصر مشاركة أكثر نضجًا وحضورًا. تنتظر الجماهير المصرية من صلاح ما هو أكبر من هدف أو لقطة؛ تنتظر أن ترى منتخبها يعود إلى المكان الذي غاب عنه طويلًا، وأن تتحول النجومية الفردية إلى قصة وطنية جديدة. وفي هذا الانتظار كثير من الحب، وكثير من القسوة أيضًا؛ لأن الجماهير التي تعلّقت به لا تريد منه أن يكون عظيمًا مع ليفربول فقط، بل أن يترك مع مصر أثرًا يليق بحجم موهبته. لهذا، تبدو حكاية محمد صلاح مع كأس العالم غير مكتملة بعد. لقد فتح الباب مرة، وسجّل في البطولة، وحمل مصر إلى الضوء بعد غياب طويل، لكنه ما يزال يطارد فصلًا أجمل؛ فصلًا لا يكون فيه المونديال مجرد عودة، بل حضورًا حقيقيًا يليق بلاعبٍ من ذهب، وببلدٍ ما زال ينتظر أن يرى حلمه الكبير على أكبر مسرح في كرة القدم.