محمد كاظم.. حوارات لونية وفضاء جديد للوحة

بعض الفنانين نجحوا في أن يكونوا مشروعاً فنياً بأسلوبية وبصمة خاصة، وهذا الإبداع تعمق في كثير من المواضيع والمفاهيم، وطرح العديد من الأسئلة حول الإنسان والوجود، فكان أن عبروا عن تلك الرؤى الفكرية بالألوان والريشة والتجهيزات والتكوينات، واستفادوا من التقدم التكنولوجي ليوظفوا الصوت والصورة داخل العمل.الفنان الإماراتي محمد كاظم أحد هؤلاء الفنانين أصحاب البصمة والاتجاه الفني الواضح والمخدوم بالمعرفة والأبعاد الفكرية والتأملية، فهو من رواد الفن المفاهيمي، وتركز أعماله على التفاعل مع البيئة الجغرافية، والتحولات العمرانية المتسارعة، وتحويل الظواهر العابرة كالصوت والضوء إلى أثر مادي مرئي. لا يقتصر إنتاجه الفني على الرسم التقليدي؛ بل يدمج التصوير، والفيديو، والأداء، والتركيب المفاهيمي.ولمحمد كاظم العديد من اللوحات التي تحمل تلك المفاهيم المعاصرة برؤية مغايرة وأسلوب مبتكر، ومن أبرز أعماله الباكرة لوحة المرسم 2، وتنتمي إلى مرحلة مهمة في مسيرة كاظم الإبداعية قبل الانتقال إلى المفاهيمية والتكوينات والتراكيب المعاصرة، لكن المتأمل في هذه اللوحة يرى فيها الجانب التأملي والفلسفي واضحاً.في العمل يرى المشاهد مساحة داخلية لصالة أو مرسم «استوديو»، تظهر اللوحات في تفاصيل المكان مصفوفة على الأرض ومعلقة على الجدران؛ منها المكتمل وأخرى في طور الاكتمال. كما تبدو واضحة تلك الأدوات التي يعتمد عليها الفنان في الرسم، وكذلك زجاجات الألوان المتناثرة، بحيث يبدو المشهد أقرب إلى الفوضى الخلاقة المحرضة على الفعل الإبداعي الجميل، مع هذا اللون الأحمر الذي يغمر المكان.ولئن كان العمل ينتمي إلى حقبة ما قبل المفاهيمية في مسيرة الفنان، فإن المتعمق في اللوحة يجد أنها مكتظة بالأفكار التي تنبئ بانتقال الفنان نحو المفاهيمية، أو أن لحظة رسم هذه اللوحة كانت انتقالية نحو فضاءات جديدة، فالعمل ليس مجرد تصوير عادي من قبل فنان لمرسمه الذي يقضي فيه سحابة يومه، لكنه أكثر عمقاً، بحيث يقدم المرسم كـ«مفهوم»، وفضاء نفسي وعقلي وليس فقط مساحة مكانية.*مقعد خالٍولعل من دلالات الاشتغال الفكري في اللوحة ذلك المقعد الخالي، وهو كرسي الفنان، الذي يرمز لصاحبه الغائب عن مشهد اللوحة، لكنه حاضر في كل تفاصيلها. ولعل تلك اللوحات المصفوفة والمعلقة هي بمثابة رؤية يطرح من خلالها الفنان تساؤلاته: ما اللوحة؟ وما الفن؟ وما هو الإبداع؟ وكأن الفنان يبدو في حيرة من أمر هذا الفن «التشكيل»، وهذا الجمال الذي يأتي من أعماق التاريخ؛ فاللوحات ترمز لكل عمل فني أُنجز في كل الحضارات الإنسانية المتعاقبة.ولئن كانت الأعمال المفاهيمية تحمل فكرة التوثيق والرصد بمعانٍ أشمل وأكبر، فإن اللوحة لا تخلو من لفتة توثق للعملية الإبداعية في مراحلها المختلفة عبر فكرة إظهار اللوحات والأدوات وزجاجات الألوان المتناثرة والمبعثرة في المكان، وكأن الفنان يشرك المشاهد في «كواليس العملية الفنية». وهكذا على مستوى ضربات الفرشاة الخاطفة واللون الأحمر الذي يغمر المشهد، بحيث يعبران عن طاقة وحالة شعورية وسعي نحو تثبيت اللحظة العابرة، وهي ممارسات جمالية وفكرية لما يبذله محمد كاظم في أعماله اللاحقة وتوجهه نحو المفاهيمية، وكأن هذه اللوحة وغيرها من أعماله الباكرة ترصد جذور ذلك الانتقال الإبداعي والفلسفي.*دلالات لونيةسيتوقف المشاهد طويلاً عند طغيان اللون الأحمر؛ العنصر الأكثر تأثيراً وحركية في العمل، ويعج بالدلالات النفسية والفلسفية، فهو لا يبرز فقط كمجرد خيار لوني بقدر ما يعبر عن رؤية جمالية وفكرية معاً. ولعل العمل في تكوينه وأبعاده الواضحة والخفية يخلق حالة من الفعل الحواري مع لوحة «المرسم الأحمر» للفنان الفرنسي هنري ماتيس التي رسمها عام 1911؛ إذ إن الاعتماد على لون واحد كان بمثابة تجاوز للمنظور التقليدي عبر غمر الفضاء بتلك الحمرة التي تدمج محتويات الاستوديو ببعضها، لتظهر اللوحات وكأنها تسبح في فضاء روحي خالص.وربما أن تلك الحوارية قد لجأ إليها الفنان ليؤكد أن الاستوديو ليس مجرد بقعة مكانية بجدران فيزيائية، بقدر ما أنه حالة فكرية وذهنية، كما أن سيادة الأحمر يكشف عن سخونة وحرارة عملية المخاض الإبداعي والعزلة المجيدة التي يعيشها الفنان في ذلك الفضاء المحبب الذي تنبثق فيه الأفكار الإبداعية والرؤى الجمالية.كما أن طغيان الأحمر في العمل هو بمثابة صرخة لونية تصنع ما يشبه الدهشة لدى الناظر، وتدفعه للتفكير واقتحام عوالم الفنان. ولعل الفكرة الأساسية لا تكمن في الأحمر، ولكن في اللون الواحد، لذلك نرى أن الفنان استخدم في أعمال أخرى لوناً واحداً، غير الأحمر، يسيطر على فضاء اللوحة لتختلف معه عملية التأويل والقراءة.لكم تخل اللوحة من ألوان أخرى، اعتمد عليها الفنان لكي تكون نقاط ارتكاز بصري وعلامات فكرية، مثل الرمادي والأبيض كلحظات محايدة، والأصفر والأزرق كومضات خاطفة، وكذلك الأسود من أجل صياغة الظلال والعمق الدرامي للمشهد.**media[8054200]**