محمد عبده لا يزال حاضراً.. فأين أنتم؟

في كل مرة يصعد فيها محمد عبده إلى المسرح، لا يكتفي بإحياء حفل غنائي، بل يقدّم درساً جديداً في معنى الاستمرارية. فبعد أكثر من نصف قرن من العطاء، لا يزال اسمه يتصدر المشهد، وأعماله القديمة تُتداول كما لو أنها صدرت بالأمس، فيما تتجدد علاقته بالجمهور مع كل ظهور.هذه الاستمرارية لا تطرح سؤالاً عن سر نجاحه فحسب، بل تفتح باباً آخر أكثر أهمية: أين اختفت بقية الأصوات السعودية التي صنعت ذاكرة الأغنية؟جيل كامل من الفنانين ترك بصمة لا يمكن إنكارها، مثل محمد عمر، وعبدالله رشاد، وعلي عبدالكريم، وغيرهم ممن أسهموا في تشكيل ملامح الأغنية السعودية خلال الثمانينيات والتسعينيات وبدايات الألفية. كانت أصواتهم جزءاً من الذائقة الفنية للجمهور السعودي، ومن المناسبات الاجتماعية، وكانت ألبوماتهم تتصدر أسواق الكاسيت قبل أن يتراجع حضورهم تدريجياً حتى أصبح ظهورهم استثناءً لا قاعدة.ولا يبدو هذا الغياب مرتبطاً بتراجع القيمة الفنية، فالأعمال التي قدمها هؤلاء ما زالت تُستعاد عبر المنصات الرقمية، وتحظى بمعدلات استماع تؤكد أن الجمهور لم ينسهم. لكن صناعة الموسيقى نفسها تغيّرت. فاليوم لم تعد الموهبة وحدها كافية، بل أصبح الفنان مطالباً بالحضور المستمر على المنصات الرقمية وفي الحفلات الغنائية، وإنتاج المحتوى، والتفاعل اليومي مع الجمهور، وهي معادلة لم تكن موجودة في زمن نجومية ذلك الجيل.كما أن التحولات في سوق الإنتاج أسهمت في هذا المشهد. فبعد أن كانت شركات الإنتاج تراهن على بناء الفنان على المدى الطويل، أصبحت الأولوية في كثير من الأحيان للأغنية السريعة، والانتشار اللحظي، والأرقام التي تحققها المنصات، وهو ما قلّص مساحة المشاريع الغنائية الممتدة، وأبعد كثيراً من أصحاب التجارب الهادئة عن دائرة الضوء.في المقابل، أثبت محمد عبده، أن الفنان يستطيع التكيف مع المتغيرات دون أن يتخلى عن هويته. حافظ على جودة اختياراته، وجدّد أدوات حضوره، وترك للأغنية قيمتها الفنية، فظل مرجعاً للأجيال الجديدة، لا منافساً لها.وربما لا تحتاج الساحة الفنية اليوم إلى التساؤل عن أسباب الغياب بقدر حاجتها إلى البحث عن آليات استعادة هذه القامات. فالمهرجانات السعودية طاغية في الحضور، والمواسم الفنية، والمسارح التي باتت تستضيف أكبر نجوم العالم، قادرة أيضاً على إعادة تقديم نجوم الأغنية السعودية الذين صنعوا جزءاً من تاريخها، سواء عبر حفلات خاصة، أو مشاريع توثيقية، أو أعمال جديدة تجمع بين الخبرة وروح العصر.الأغنية السعودية لا تُكتب بتاريخ الحاضر وحده، بل بذاكرة من صنعوا مجدها. وإذا كان محمد عبده قد أثبت أن الزمن لا يهزم الفنان الحقيقي، فإن السؤال الذي يبقى معلقاً هو: هل آن الأوان ليعود الغائبون، أم سيظل الجمهور يلتقي بهم فقط عبر تسجيلات الماضي الجميل؟