«معطرًا بالنعناع» هو العمل الأول لمخرجه محمد حمدي، الذي بدأ حياته العملية كمدير تصوير لعدة أفلام تسجيلية شهيرة حصدت جوائز، من بينها «أولمو وطائر النورس» لبيترا كوستا، و«الميدان» لجيهان نجيم الذي حصل على جائزة إيمي لأفضل تصوير، بالإضافة إلى عدة أفلام أخرى. عُرِض «معطرًا بالنعناع» في أسبوع النقاد بمهرجان فينيسيا الدولي 2024، ثم توجه إلى مهرجان تورنتو في قسم Wavelengths وعدة مهرجانات أخرى، كما حصل على جائزة لجنة التحكيم في مهرجان جاكرتا السينمائي الدولي.عُرِض الفيلم يوليو الماضي على منصة «أفلامنا»، كما يُعرض هذا الشهر ضمن أسبوع آفاق السينمائي في بيروت. خاض «معطرًا بالنعناع» رحلة طويلة جدًا، سواء في عملية الكتابة أو التنفيذ، وأخذ الكثير من المنعطفات الفنية، وعانى من أزمة التمويل مثل معظم جيلنا السينمائي، ليحاول الوصول إلى شكل فني يرى مخرجه أن «نيته» تسكنه. وأعتقد أن هناك أهمية في تأمل خبرة الأفلام التي لا تتبع الطرق الكلاسيكية في صناعتها، خاصة خلال هذه اللحظة في مصر، والتي يمكن أن تساعد آخرين وتلهمهم تجاه التفكير في مشروعاتهم. لهذا قابلت مخرج الفيلم، محمد حمدي، وحاولت المشي معه خطوة خطوة في حوار مفصل، بأسئلة تتبع رحلة تفكيره في العملية الفنية نفسها وكيف تفاوض مع الواقع ليحاول تحقيقها. كيف رأى فيلمه كائنًا حيًا يتطوّر، وحشد خياله وحساسيته الفنية وخبراته العملية للإجابة عن سؤال أرّقه: كيف يمكننا تخيل ما بعد الكارثة؟ نبدأ بالسؤال الافتتاحي المعتاد: فكرة الفيلم نفسها جَت منين وتطورت إزاي؟ اللي فاكره إني كنت واصل لدرجة من عدم الرضا عن حياتي، فكان عندي رغبة إني أعمل فيلم، لأني كنت بشتغل مصور في أفلام تسجيلية، فيلم واحد بس اللي صورته اللي ما كانش تسجيلي. بعد فيلم «الميدان» بقى يجيلي نفس الشغل من نفس النوع، فدخلت شوية في اكتئاب. حالتي النفسية هي اللي زقتني أفكر في فيلم أعمله، لأني محتاج أثبت لنفسي -مش لأي حد تاني- إني ممكن أعمل السينما اللي بتمناها. زيادة على إني طبعًا كنت خارج من «الميدان» عليا ديون كتير، فكنت مضطر أقبل شغل كتير عشان يسدد ديوني. فبعد كده السنين كلتني، سنتين تلاتة في الموال ده، قلت: لا، لازم أقف وقفة، يا إما كده هتسرق. فاللي ممكن أقوله إني كنت خارج من كارثة، والبلد كلها خارجة من كارثة، وفضلنا محبوسين في الكارثة دي كتير. تفكيري كان مشغول بالكارثة وصداها، وده كنت بشوفه في كل الناس اللي أعرفها. كنت مهموم بفكرة إزاي ممكن أخش أفكر حوالين الكارثة دي؟ بس الكلام عن الكارثة نفسها ما بقاش ينفع، بقيت بكلم نفسي أكتر. أبص لفكرة إن إزاي الكارثة دي لغت مستقبل معين كانت الناس بتتخيله، وإن إحنا هنفضل محلك سر في نفس النقطة دي لفترة طويلة، هو ده اللي ابتدا يخليني أتحرك. لما اكتأبت كده نقلت الصعيد. وهناك كان فيه شخصية معينة لما الناس خسرتها، كانت كل ما تحاول تفتكرها بتشير إليها بـ«معطرًا بالنعناع». يعني يقولوا اسمه ويزودوا وراه «معطرًا بالنعناع»، ففي اللحظة دي في العزاء بتاعه، وبمجرد ما سمعت الكلمة دي، ما أعرفش عملت كهرباء في دماغي. إدتني النقطة اللي كنت محتاج أبتدي منها. فنقدر نقول إن الفيلم بيتحرك ناحية ما بعد الكارثة اللي مش شايفين وراها مستقبل.. أكيد، خصوصًا إن بحكم شغلي وسفري الكتير، بقيت أشوف إن الكارثة شيء مش واقف على مصر بس، بقت ظاهرة في العالم كله. فكرة المستقبل بقت فكرة غريبة جدًا. أصلًا مجرد التفكير فيها. فأنا ما كنتش مهموم بتخيل المستقبل نفسه، على قد ما مهتم أكتر بفكرة: إزاي تقدر تعيش من غير ما تبقى بتفكر في المستقبل؟ وبدأت تطور الفكرة إزاي؟ من البداية كان واضح جدًا إني هروح في الخيال، لأني مش محتاج الواقع في شيء. يعني أنا ساكن في عابدين، فأنا عايش الواقع بحذافيره. كنت محتاج الخيال أكتر، حسيت إنه مساحة ممكن نتقابل فيها، خصوصًا إن في الواقع الكلام بقى صعب. أنا مهووس شوية بفكرة الأساطير عمومًا، لأن في الخيال أنت ما عندكش الحدود بتاعت الواقع؛ في مساحة مطاطة أكتر، مطاوعة أكتر إنك تتحرك فيها وتناقش فيها اللي عايز تناقشه. وهل في رأيك ده بيفتح مجال للتفكير في إن الفيلم أصلًا يبقى عنده مساحات طرح مختلفة، لأنه مش بالضرورة قايم على واقع ما، لازم الناس تبقى مدركاه؟ ده سؤال مهم جدًا. بس هي الفكرة أكتر في أنت لما بتيجي تعمل فيلم بتبقى جايب قالب فني، زي ما بيسموه «فورم»، والفورم اللي رايح تشتغل بيه عندك انطباع عنه، لأنه ليه تاريخ وأنت ليك تاريخ معاه. فأنت في الآخر بتروح تشتغل بالسينما كقالب فني بانطباع عنها وعندك تصورات عنها، وده جاي سواء من دراستك أو اهتمامك أو اطلاعك أو الأفلام اللي اتفرجت عليها، أنت بتروح بالانطباع للقالب ده. فأنا عشان أول مرة أبقى مخرج، كنت أول مرة آخد بالي من الصدمة دي؛ إن اللي بتصورهم دول برضه ليهم تاريخ، هما ليهم قالب برضه مُشكَّل، مش أنا اللي جاي أشكلهم. ففي علاقة كده غريبة جدًا دخلت ما بين السينما كقالب جاي يشكل ناس، ولا إن الناس دي ليها قالب فهو المفروض يشكل السينما؟ ففي الصراع بين الاتنين دول شيء ملهم جدًا، لأن في الصراع ده أنت بتبقى نفسك تسكّن نواياك جوه الصراع نفسه. يعني إمتى السينما ترجع ورا وهما يطلعوا قدام؟ وإمتى هما يرجعوا ورا والسينما هي اللي تطلع قدام؟ ودي مسألة مرهقة جدًا وغريبة جدًا عليّا، لأن أنا أول مرة أعمل فيلم. فالعلاقة الديالكتيكية (الجدلية) اللي بين الاتنين دول كانت مثيرة جدًا بالنسبة لي، وهي وصلتني لبناء الفيلم. هي علاقة أكتر بمين اللي المفروض يكون مين في اللحظة دي؟ ابتديت أتعامل مع الفيلم إنه برضه محتاج يكون مطاط، وفكرة إن هو يبقى عنده يقين في معناه برضه شيء شفته مزيف. يعني إزاي بتعمل فيلم عن كارثة والفيلم ماسك نفسه بالظبط وأبعادها كلها مفهومة تمامًا، وهي أصلًا مش مفهومة؟ يعني أنت لو جبت أربعة أو خمسة تقعد معاهم تتفقوا على مفهوم الكارثة وشكلها عامل إزاي هتختلفوا، فإزاي أعمل فيلم شديد اليقينية عن شكل الكارثة ومعناها، وفي نفس الوقت الكارثة دي مش بتاعتي لوحدي برضه، ولا بتاعت انطباعي لوحدي، فأنا حاولت أحافظ على غموض الكارثة ده، وإن هو أخطَر ما فيها. فتطور الشخصيات نفسها جه كمان من الشغل اللي مع الممثلين، اللي دخلوا معاك في الفيلم، بمراحله المختلفة؟ أكيد، لأن اختيار الشخصيات عندي مش مختلف عن نمط إنتاج الفيلم، لأني من البداية لما بعمل فيلم بالنوع ده اللي بعمله، ده مش نوع جذاب للناس اللي بتشتغل باحتراف في السينما، فأنا مضطر أميل لناس مش مهتمة بالاحتراف السينمائي، على قد ما هي مهتمة بأنها تدوَّر على معنى جوه الكارثة اللي هي مرت بيها. الاختيار ده ما أدانيش تحكم كامل عليهم. دي ناس مش بتمثل ومش عايزة تمثل، وفي منهم ناس عمرها ما شافت فيلمين في حياتها، يعني مش فارق معاهم السينما أصلًا، فبالتالي الناس دي جاية هنا لهدف تاني. ده خد مني وقت، عشان أفهم بالظبط الناس دي بتشتغل معايا ليه؟ أنا عارف أنا بشتغل معاهم ليه؛ يعني مهدي مثلًا كان سهل بالنسبة لي أفهمه، لأن هو راجل بيحب السينما وبيشتغل في السينما، إنما واحد زي علاء ده كان صعب جدًا عليا أفهم بيشتغل معايا ليه؟ لأن أنا برضه إنسان ما عنديش وفرة في رأس المال، إني أديله مبالغ مغرية مثلًا. فمحاولة فِهمي علاء عايز من الفيلم إيه، أمر دخل في إعادة تشكيل الفيلم تالت ورابع وخامس. لأن برضه أنا بشتغل مع شخصيات مش هينفع دايمًا أقول لها «قول كذا» هيقول لي «حاضر»، عادي هيقول لي «مش عايز أقول كده»، وصعب تقنعه بـ«أصل أنا مخرج وأنت ممثل وكده». هل بتشوف إن فيه شخصيات اشتغلت في الفيلم حست إن الفيلم بيمثلها أو بيعكس تجربتها في الحقيقة؟ ما أظنش إنه تمثيل ليهم، على قد ما هو بالنسبة لهم إن إحنا دخلنا المجاز. ففي المجاز الدنيا أمان، لأننا في الخيال. إحنا في ناس بيطلع من جسمها نعناع! فهو مش شايف نفسه بيطلع منه نعناع. بس فيه مجاز معين ممكن يخليني أفهم شيء عن اللي حصلي. طب وشايف إزاي نقطة الالتقاء بين المجاز أو الخيال وبين تأثّره بالواقع وشخصياته؟ الإنسان في حد ذاته ابن ظروفه، فخياله ده جزء من ذاته برضه، ما هو ما يقدرش يتخيل شيء ما يعرفوش، فهو هنا مش بيمثل حياته بالمنطق التوصيلي. ممكن أكتر يكون بيمثل ألمه. ألمي هنا في الفيلم ده. ممكن أنا شخصيًا ما أبقاش كما أتمنى أن أكون جوه الفيلم، بس ألمي من جوه الفيلم، وده كان بالنسبة لهم كفاية. كلمني عن العمود الفقري لاختياراتك في الفورم البصري وشكل الحكي. حاجات من دي كتير اتكسرت جوه صناعة الفيلم نفسه، لأن مجرد إنك تاخد الفكرة من العقل وتمر بيها في الواقع لمرحلة إنتاجية فهي بتتعرض لتنازلات كتيرة جدًا، وبتحاول تعمل ترويض وإدارة للقدر الأدنى من التنازلات، اللي الفكرة دي بتتعرضله، بسبب إن في بشر تانيين بيخشوا، بسبب إن في فلوس بتخش، بسبب إن في مهرجانات بتخش، وهكذا. الكتابة نفسها عملية وحيدة تمامًا، بس مش كل اللي بتلاقيه لوحدك بتروح تنفذه زي ما هو، فأنت على طول في إدارة دائمة لعملية التنازل دي. إيه اللحظة اللي أدركت فيها إن خلاص ده بقى الفيلم؟ أنا عمري ما فهمت الفيلم بالظبط إيه لغاية ما صورته! أنا بشتغل مع ناس هتشتغل معايا من غير ورقة، مقتنعين باللي أنا بعمله. في البداية كتبت اللي عايزه بالظبط ما لقيتش فلوس. فاتعلمت إني أكتب اللي الفلوس عايزاه، فكتبت اللي الفلوس عايزاه، ورجعت عملت اللي أنا عايزه. وده خد مني مرحلة طويلة جدًا من الوقت. وبعدين لقيت الفلوس خلاص مش راضية توصل للرقم اللي كنت بتمناه. وصلت لنص الرقم اللي حددته. فالفيلم كله رجع اتَهدّ تاني واتبنى على الرقم اللي لقيته. الفيلم ده كائن حي. وأنا بصوره حصلت لي حاجات ما مشيتش زي ما أنا بتمنى، أنا لازم برضه أتأقلم مع الظروف دي كلها، لغاية ما ألاقي الفيلم. فأنت بتدير تنازلات، أنت مش في وضع مريح عشان تصور اللي أنت عايزه. فبالنسبالك، الحاجتين الثابتين في اللحظة دي هما تخيلاتك عن الفورم، وتخيلاتك عن الخلفية التاريخية للشخصيات، وإن بيجمعكم نفس الشيء بتتحركوا ناحيته؟ شكل المشروع ده هو مرحلة بنت التطور، وبنت المناقشة، وبنت الجدل، وبنت الظروف. فالشيء اللي الفيلم مسنود عليه إنه يرجع يبقى عارف هو بينفذ إيه؛ لأن لما بتشتغل بناس قليلة وأنت عارفهم، الكلام بينكم بيبقى سهل. يعني ما فيش أي علاقات احترافية داخل الفيلم، فبالتالي سهل جدًا إنك تقول: «اقفوا كده خمس دقايق يا جماعة عايزين نتكلم»، كأني براجع إحنا بنعمل إيه. فيه مساحة من التضامنية بتحصل جوه الفيلم. هل تعتقد أنها ظروف خاصة بالمشروع ده، ولا ده أسلوب هتحب تعمله طول الوقت؟ ده ما يرجعش للفيلم، قد ما يرجع أكتر إنت حواليك مين. ممكن فيه فكرة ما، تلاقي نفسك مثلًا محتاج إنك تصور في بلد أجنبي، فأنت مش هتشتغل مع ناس تقدر توصل معاهم أصلًا للعلاقة دي. فأنا مش ميال لقفل التجارب، بس لو بتمنى شيء، طبعًا هتمنى أكون بشتغل بشكل تضامني أكتر ما أكون بشتغل بشكل احترافي. هل حصلت تغييرات أثناء التنفيذ نفسه؟ طبعًا، في مشاهد اتشالت وإحنا داخلين نصورها، وفي مشاهد اتكتبت وإحنا بنصور. بناءً على ظرف إنتاجي ولا اختيار فني ولا اللوكيشن ولا على إن فيه فكرة فرضت نفسها فجأة؟ طبعًا كل اللي قلته ده سليم، بس الأهم إن فيه فكرة قدرت تفرض نفسها بأن ده توقيتها السليم. صَوَّر الفكرة دي، راهن عليها، غامر وراها شوية. لأنك لما بتتخيل وبتمشي ورا خيط فترة طويلة، وبعدها تلاقي فكرة فبتضطر تثق في اللي بتلاقيه، لأنك عارف إن وراه زمن طويل. دي مش طرقعة لحظة تجلي يعني، دي جاية من ممارسة طويلة في التكثيف حوالين فكرة معينة، فده بيخليك واثق في المفاجأة، وأن لو حاجة ظهرت تمشي وراها. ولو الظروف التانية الأكتر عملية -الفلوس والنموذج الإنتاجي- سمحت لك إن عملية التخيل تطول عن كده، هتفضل تطور مساحات التجارب؟ ما أعرفش، لأني ما أعرفش الراحة دي؛ يعني أنا عمري ما مارست السينما في ظرف مريح، فما أعرفش أصلًا الراحة دي معناها إيه، فلو اتكلمت عنها هبقى تقريبًا بخرف. فالفيلم كمان ابن ظرفه الإنتاجي مش ابن الشطحات الفنية بس؟ أكيد، أنت في الآخر بتدير شطحة فنية، في الوحدة، في الصالة، في بيتكم؛ بس لما تيجي تنفذ بتتعامل مع أمور شديدة المادية. أظن ده الفرق بين التنفيذ والكتابة، يعني مثلًا في الشعر بورخيس بيقول: «إن القصيدة لا تنتهي بل تُهمَل»، ممكن تبقى عمل لا نهائي، ينفع تطول لغاية ما يقرر يسيبها. بورخيس مش محتاج عملية إنتاجية، ممكن يقوللك: «تبًا للعالم»، المخرج مش هينفع يقول: «تبًا للعالم». فـ«فورم» السينما نفسه بيفرض إنك تكون أكثر عملية: أنت جوه الفورم ده. زي ما قولتلك في البداية، أنت جايب فورم ليه تاريخ وليه تعقيداته وليه سياسته الاقتصادية، وجاي تتعامل مع ناس برضه ليها سياسة وليها تاريخ وليها اقتصاد، ففيه صراع حقيقي، وأنت جوه الصراع ده بيشدك جامد، وأنت مش عايز تتوه عن نيتك؛ إن في الآخر هدفك الأساسي إن نيتك دي تسكن الفيلم. هو أنت رايح للسينما ليه أصلًا؟ عشان اقتناع إن السينما دي فيها مكان لنيتي. طب وبناءً عليه الاختيارات الفنية شبه طريقة التصوير، شكل السينماتوجرافي نفسه، بتصور الأماكن دي إزاي؟ بالنسبالي أنا شخصيًا دي قراءات سياسية، يعني أنا ما بذاكرش الألوان كما يدرسها مثلًا التشكيليون، أنا الألوان بالنسبالي معرفة بالمكان اللي عايش فيه. لو أنا في المنطقة الفلانية الناس هيبقى ألوان بيوتها عاملة كده. فأنا معرفتي بالألوان وبالتقنيات دي كلها، هي ترجمة لقراءات سياسية واجتماعية، ملاحظها ومدونها لفترة طويلة. الخيال ما حرركش من ده؟ العكس هو السؤال. إزاي تاخد السياسة دي كلها؛ سياسة الاقتصاد، وسياسة الألوان، وسياسة النور، وتروح بيها للخيال. بالظبط، كده الفرق بين اللي بيعملوا Sci-Fi بإنتاجات ضخمة اللي هما يعرفوا يخلقوا العالم زي ما هو، وأنت بتاخد العالم ده وبتتخيله؟ بالظبط، زي ما بتتعامل مع أمور كتيرة روحانية مثلًا. هل أنت لما بتشوف إنسان روحاني بتقف قدام لبسه أو شكل ممارسته؟ ولا بتتخيل الموتور اللي محرّك البني آدم ده في الاتجاه ده؟ هو ده الخيال. أو على الأقل اللي نفسي فيه، إني أتخيل محركات الأشياء دي مش شكلها. منطقي لأن كل الأفكار الدينية في كل المعتقدات المختلفة بيميلوا لتوحيد الشكل واللبس، فهي إلغاء لقشرة الأمر، وإنك تشوف اللي وراها. إنك تتخيل وراها ده هو المستحيل نفسه. فإنك تصور المستحيل وأنت عارف من الأول إنك مش عارف تشكّل المستحيل ده، فهو بالنسبالي بيديني مساحة من الخيال شديدة المتعة. هو موجود، بس هو مستحيل تشكيله أو تعريفه بالمعنى المادي، فعشان كده ما ينفعش تتعامل معاه إلا بالخيال. اختيار مواقع التصوير بالنسبالك كان بيقف على إيه؟ بتقف على إن أنت عندك تصوُّر إنك عايز توحد العالم ده عشان يسيب انطباع. فهو اللي بيحدد لك الحيطة دي تنفع ولا لأ، قبل ما يقول لك اللوكيشن ينفع ولا لأ. لأني عارف من الأول إني ما عنديش وسائل الإبهار اللي عند سينما كتير، بس أنا ممكن ألاقي حيطة تبقى هي عنصر الإبهار، هي لوحدها الحيطة دي كفاية إنها تبقى مبهرة، وتدي خصوصية للحظة اللي إحنا واقفين بنصورها. يعني اختيار اللوكيشن بالنسبة لك حاجة زي ما بيقولوا بتيجي من المعدة؟ إنك تحس إن المكان ده هيديك الانطباع اللي عايزه لخلق العالم ده؟ آه، وبيجي منها برضه أمور عملية تانية؛ لأن أنت برضه بتلاقي حيطة في منطقة، وحيطة في محافظة تانية، وما معكش فلوس، فبتقوم عاملها في بيتكم. بس في الآخر أنت فيه خط ماشي وراه، الخط ده نفسه -زي ما أنت قلت كده- حاجة جاية من البطن، بس تنفيذه لازم يصطدم بالواقع في لحظة. هو هيتنفذ إزاي؟ هيتلون إزاي؟ الشرخ ده هتجيبه من هنا إزاي؟ الديكور بالنسبة لي، إني كنت بروح للأماكن اللي نفسي أصور فيها ومش قادر أصور فيها، وأفكر إزاي يسرق لي الأماكن دي يحطهالي في حتة أقدر أصورها؛ لأن ما عنديش الفلوس اللي تخليني أصورها في الحقيقة، فأنا عايز آخد منها الشيطان اللي فيها اللي هو واقف ساحرني، وعايز آخده معايا وأروح أعمله في حتة تانية. الفيلم نفسه بيقوم بشكل من الأشكال على رحلة؛ إن الشخصيات ساعات بتقرر تروح لحاجة، وفي لحظات تانية بتُجبر تترك المكان اللي هي فيه؟ آه، بس هي العلاقة -الطرْد والحركة- جاية أكتر من فكرة الذاكرة. بمعنى إن الفيلم في جوهره في الأساس هو عن الذاكرة بشكل من الأشكال، وبيحاول يخش حوالين سؤال معين: إن الإنسان ما عندوش رفاهية إنه يتذكر ما يريد وينسى ما يريد، كانت الحياة تبقى أسهل كتير. فقانون الفيلم نفسه بيقول إن حين تُذكَر ذكريات معينة، مجرد تذكرها بيعرضك للخطر، فالحركة هنا إلزامية؛ إلزامية من الذاكرة قبل ما تكون إلزامية من الخطر. وده بشكل من الأشكال بيوصّل مع اللاوعي أو مع الخيال؟ أظن إن الخيال مكان مناسب جدًا للتعامل مع الذاكرة، لأن هي برضه الذاكرة مش شيء مدروس وخطّي، والسبب والنتيجة أمر واضح فيه، فأنا مش هقدر أتعامل معاه بمنطق سببي خطي. وبناءً عليه تخيلت إيه تبقى نهاية الرحلة؟ الرحلة ما بتنتهيش، لأن هي مش رحلة أكتر منها مساحة، هي ذاكرة بتطارد ناس. فهي دايرة بيلفوا فيها؟ إنهم بيعيدوا زيارة الأماكن في نفس المكان، فعشان كده أنا مختلف معاك في فكرة رحلة. الفيلم بيتحرك إنهم بيروحوا أماكن وبيرجعوا نفس الأماكن تاني، ويرجعوا يلفوا تاني. فهي فكرة أبدية المطاردة دي أو أبدية الظرف الإنساني ده، هي المستقبل الملغي. أنت في لحظة أبدية؛ لا بتوصل ولا بتنتهي، فهو ده برضه الخيال اللي جه مع الشكل في الفيلم؛ من النور، للحيطان، للألوان، لكل شيء، إن ده هي وظيفة الشكل في الفيلم: إن يقولك إن ده مكان فقد القدرة على الانهيار الكامل وفقد القدرة على أن يصبح ما يتمنى، فهو في حالة أبدية من السكون. إزاي ده بيعادل شكل الفيلم بصريًا: النور، المساحات، السواد الكتير، الضلمة الكتير، التباين العالي High Contrast؟ هو جاي من المنطق النظري بتاع عدم الوصول أو عدم الوضوح؛ أنت بتتعامل إنهم بيصارعوا لكي يبقوا. فأنت لما تيجي تفكر في النور، النور برضه لازم يصارع عشان يخش الأماكن، هو النور نفسه بيعاني زي ما هما بيعانوا، الحيطان اللي واقفين حواليها برضه بتعاني، بتحاول تفضل واقفة، لا عارفة تقع ولا عارفة تطور، وهكذا. * فكان في قرار إن النور تقريبًا في معظم الفيلم جاي من بره الأماكن مش نور من جوه؟ في مواقف فيها نور جوه المكان، بس هي الفكرة أنا ما كنتش بفكر في بره وجوه، بس في الآخر في لحظة بتشوفها بتقتنع بشيء أنت برضه بتجيبه من بطنك، مش بتجيبه من الورق أو القلم. خصوصًا إن الفيلم نفسه مش طارح سياق زمني معين، وهو فكرة إن الزمن هنا مات، وقف. فإيه جدوى إن السياق ده ييجي هنا أو ما ييجيش هنا؟ لغاية ما بتخش قصيدة في آخر الفيلم تديك نبذة عن سياق التاريخ؛ أنت بتتفرج على الفيلم مش قادر تفهم بالظبط إيه التاريخ، بس طبعًا إن هم بيُلاحَقوا.. ده معناه إن في تاريخ، بس أنت مش قادر تمسك التاريخ. فده شيء غريب جدًا؛ إن أنت في لحظة بتتكلم على قصيدة مكتوبة من 50-60 سنة، لسه شباب بيشوفوا فيها قصص حياتهم اليومية. خلينا نرجع لممارستك الفنية المختلفة في الفيلم ده. ده أول فيلم ليك كمخرج بعد تاريخ كمدير تصوير، إزاي خدت قرار إنك تشتغل الدورين مع بعض؟ ده قرار إنتاجي بحت، لأن ما عنديش فلوس أجيب حد يصور. آه، فأنت لو كان عندك ما يسمح ما كنتش خدت قرار إنك تبقى مخرج ومدير تصوير في الفيلم نفسه؟ أكيد طبعًا، بس أنا في نفس الوقت كنت محظوظ؛ لأني لقيت مصور زي مهاب جمال، هو اللي كان بيـ operate الكاميرا، ومهاب ساعدني كتير، رفع عني أزمة كبيرة، خلاني أتخيل كتير وهو شال قرف كتير جدًا. فوجود مهاب سمح لي أحل أزمة كبيرة. بس برضه ما كنتش قادر أدي الفيلم لإنسان يتخيل صُوره ويرجع يتناقش معايا؛ لأن ده كان إجهاد كبير، زيادة عن إني مش قد الفلوس دي أصلًا. وزيادة على إن الناس اللي واقفة قدام الكاميرا في الفيلم ده ناس بتشتغل في كل شيء، يعني مهدي وعبده وعلاء دول مش ممثلين، دي ناس كانت موجودة في كل لحظة إنتاجية؛ مهدي ده مثلًا كان راجل بيقعد يعمل الـ «Shot list»، كان هو اللي بيقعد يفرغ الكادرات اللي هنشتغل عليها، ينظم العملية الإنتاجية دي كلها، كان موجود في كل لحظة. التكافلية والتضامنية اللي بينا دي ساعدتني كتير؛ الممثلين دول كانوا أوقات كثيرة جدًا ما بيبقاش معايا إنتاج مثلًا، كانوا بيشيلوا معايا المعدات ويروحوا بيها مكان التصوير، لأن إحنا علاقتنا بقت زي الحديد. فهم بقوا شركاء في الفيلم، ومهدي عمل ده معايا كتير، قال لي: «خد بالك، الفكرة اللي بتفكر فيها دلوقتي دي غلط». وبعيدًا عن العملية الفنية، على أرض الواقع نفسه، التحايل أو التفاوض في القرارات الفنية والإنتاجية كنت بتقرره إزاي؟ هو مش تحايل على قد ما هي رهانات، وأنت في الآخر بتلعب مع العملية الإنتاجية دي جيم طويل من الشطرنج؛ فمستحيل إنسان يقعد يلعب شطرنج ومتخيل إن كل قطع الشطرنج مش هيخسرها. فلسفة التحايل نفسها جاية من كده، إن أنت مستحيل تكسب كل حاجة، المهم لو أنت ذكي كفاية تبقى عارف تخسر إيه. أنا عارف إني هشتغل مع الناس دي أربع، خمس، ست سنين، ممكن عشرة، فعلى الأقل أكون هستمتع بالعشر سنين دول مش بس هستمتع بالمنتج النهائي. لما تبقى واقف في اللوكيشن وتبقى واثق من القرار -أو يعني على الأقل في اللحظة دي، وممكن بعد كده تكتشف إنه كان صح ولا غلط ده موضوع تاني- بس قصدي إن هو ده بيتبني من التحضير والبروفات والمعاينات. أنا بشتغل مع عمّار في أماكن عمّار راحها لوحده وقال لي: «تمام، هتنفع، هتشتغل»، وأنا ما رحتش شفتها. الثقة بينكم وبين بعض دي هتيجي منين غير من الزمن؟ وأنت في رأيك العملية الإنتاجية -اللي خلينا نقولها مجازًا «احترافية» بمنطق سوق العمل يعني- ما فيهاش ده؟ العلاقة الاحترافية مبنية على نتائج مدرَكة مسبقًا، إن أنا باجيب الإنسان ده أنا متوقع منه إنه يعمل كده، وهيعمل كده. وده شيء مش عندي، ما أعرفوش. يعني أعرفه لما بشتغل كمصور، وعشان يبقى ليا دَخل وأعيش في الحياة بشتغل مصور. فأنا عارف كويس جدًا إن في اللوكيشن ده أنا واقف هنا عشان أعمل شيء المخرج أو المخرجة دي عايزينه، مش واقف هنا أقول رأيي، وبقبل الوضع ده. بس لما باجي أعمل فيلمي، مش عايز أشتغل كده حتى لو معايا رفاهية الفلوس. الأولوية بالنسبة لي أنا شخصيًا يعني إن أستمتع بحياتي، أظن إن ما فيش منطق إنك تعمل فيلم إن ما كنتش مستمتع بصناعته. لو قلنا بقى عملية تمويل الفيلم بالنسبالك كانت عاملة إزاي؟ دي علاقة شديدة الإرهاق -عملية تمويل الفيلم- بس ده أمر بيمر بيه كل المخرجين، فكل المخرجين فاهمينه وعارفينه وشايفينه كويس قوي، وأنت برضه شخصيًا فاهمه. في رأيك التجارب المختلفة في صناعة الأفلام -لو قلنا لفظ السينما المستقلة في مصر يعني- قادرة إنها تبني على تجارب بعض؟ يعني أنا أظن إن كل الناس بتبني على تجارب بعض، ودي سيرورة التاريخ ما فيش انفصال. ما فيش انفصال أبدًا، أنا بقابلك بقوللك عملت إيه وأنت بتقابلني تقوللي عملت إيه، وأنت بتديني نصيحة وأنا بديك نصيحة، ودي طبيعة العلاقة بين الناس. أنا أظن كده لأن كمان بظن إن جزء من أهمية الحوار ده أصلًا إن الناس تشارك تجارب صناعة الأفلام دي، والمنطق والتفكير فيها؛ ما فيش حد كل مرة هيرجع يخترع العجلة. طب وأنت بتشوف ده موقعه إيه من موقعنا، من مخرجين من نفس جيلنا في أماكن تانية في العالم؟ هي ما بتتقاسش برضه كده، لأن كل مكان في العالم ده له الواقع بتاعه، سياقاته وسياساته. ففي الآخر أنت بتعمل إيه؟ أنت الأول بتقرأ منهج في قراءة الواقع بتاعك، وأفكارك كائن حي برضه بتتشكل بالواقع ده، وتبقى عارف أنت فين بقى «هزرجن» وفين مش «هزرجن»، وهكذا… قصدي حتى كتأثيرات فنية. يعني أنت شايف إن كل منطقة ليها سياقات بتشكل اللغة السينمائية بتاعتها؟ والله أنا بالنسبة لي ده أمر في طريقه إلى الزوال، لأن العالم كله خلاص بيتفرج على أفلام بعض وبيشوف شغل بعض، والناس عارفة كلها شغل بعض، فما عادش في أي حاجة يعني. لا، قصدي إن ساعات بحس ده بيتفرض، إن جزء من تصورات الفلوس أو المهرجانات، عن الصورة المتوقعة إنها تطلع من المنطقة دي؟ آه عندك حق، هو أظن ده برضه يرجع للمخرجين، وزي ما أنت قلت: السؤال اللي أنت بتقوله ده حقيقي ومُدرَك. ده يرجع لإرادة المخرجين نفسهم؛ هم لازم يشيلوا مسؤولية أفلامهم، طول ما هم بيقابلوا التوقعات دي، الصورة النمطية دي مش هتتكسر. المخرجين برضه لازم يعملوا شغلهم زي ما النظام بيعمل شغله. سؤال أخير مفتوح شوية، إيه أصعب شيء في صناعة فيلم بالنموذج الإنتاجي ده في مصر في لحظة زي اللي إحنا فيها؟ مش لازم شيء واحد يعني. اتكلمنا عن موضوع الفلوس والنقاش مع الفلوس. وفي الناس، الناس برضه صعبة في الشارع، فيما يخص التصوير في أماكن. بس رأيك إن الناس في الشارع صعبة، جزء منه هو اللي خلقته السينما التجارية بطريقة حلها لكل حاجة بالفلوس؟ آه طبعًا، لأن كل ما تخش مكان بتدفع أرقام كبيرة. تيجي تقول له: «أنا عايز أصور في أي حتة»، يقول لك: «لا ده أنت لازم تدفع كذا، ده أنت لازم تجيب لي كذا». أول ما بيقابلك بيحس إن هو داخل عليه مسلسل، فهو بيتعامل معاك بنفس الندية. وفي رأيك جزء من الصعوبات في بلد زي مصر ممكن ما يبقاش موجود في بلد زي تونس، اللي ما عندهاش صناعة تجارية بالحجم ده؟ ما أعرفش، أنا ما صورتش في تونس، بس أظن إن التاريخ الصناعي الطويل في مصر ده مرهق برضه؛ على قد ما فيه ترسانة تزورها لما تيجي تفكر في أي فكرة، على قد ما أنت بتدفع تمنه. بالنسبالك إنك تشيل كاميرا في مصر ده أمر مُسَعَّر، مش بس من الدولة، من الكشك. الكشك مسعرها، الشارع مسعرها، البيوت مسعراها.. حتى لو أنت مستوفي كل الشروط. القانون بالنسبة للشارع ده لا يعني أي شيء؛ أنت وورقك وقانونك.. مع نفسك يعني.The post محمد حمدي عن «معطرًا بالنعناع»: إزاي نتخيل ما بعد الكارثة؟ first appeared on Mada Masr.