لا تمضي المملكة إلى المستقبل تاركةً ذاكرتها وراءها. فحين تُخضع أنظمتها العبث بمواقع التراث الثقافي وتشويه مكوناته والإضرار بها للمساءلة، فإنها لا تحمي أثرًا نجا من تقلبات الزمن فحسب، بل تصون حق الإنسان السعودي في أن يعرف حكايته كما صنعتها الأجيال، ثم يضيف إليها وهو واثق بأصله، مدرك لوجهته.
لهذا لم تعد الثقافة في زمن رؤية المملكة 2030 شأنًا يأتي بعد اكتمال العمران، ولا زينة تُضاف إلى التنمية؛ إنها ما يمنح العمران معناه، ويصل التحول بالإنسان الذي يُبنى من أجله. فالوطن لا يزداد حداثة حين يتخفف من ذاكرته، وإنما حين يحسن حملها إلى الغد، ويمنح كل منطقة من مناطقه مجالًا لتروي ما أضافته أرضها وأهلها إلى الهوية السعودية الجامعة.
جازان صورة حية لهذا الامتداد الوطني. هنا لم يغادر الموروث حياة الناس حتى يحتاج إلى استدعاء؛ ما زال حاضرًا في الحقل والبحر، والبيت والمجلس، والأزياء والحرف، والقصائد والأهازيج، وفي طعام لا يحمل نكهته وحدها، بل يستبقي دفء البيوت وذاكرة الأمهات وكرم المجالس. تتبدل الصورة من السهل إلى الجبل، ومن الساحل إلى الجزر، غير أن صلة الإنسان بأرضه تظل الخيط الذي يجمعها.
من قلب هذه الصلة تُقرأ عناية الأمير محمد بن عبدالعزيز بن محمد بن عبدالعزيز، أمير منطقة جازان، بالمشهد الثقافي والتراثي. فقد عرف سموه المنطقة قبل أن يتولى إمارتها، واقترب من محافظاتها وأهلها وتفاصيلها خلال عمله نائبًا لأميرها؛ لذلك لم تكن الجغرافيا لديه حدودًا إدارية أو موارد تنتظر الاستثمار وحدها، بل حياةً صاغت عمارتها وفنونها وحرفها ومواسمها وأصواتها.
هنا يلتقي مفهوما الجغرافيا القيادية والقيادة الثقافية في تجربة واحدة. فالأولى تحسن قراءة ما وهبته الأرض لجازان من فرص، أما الثانية فتصون ما نسجه الإنسان فوقها من قيم وذاكرة وجمال.
توسع إحداهما قدرة المكان على التقدم، وتحفظ له الأخرى روحه وهو يتقدم. وفي اجتماعهما تظهر قيادة لا ترى التنمية أرقامًا ومشروعات فحسب، بل أثرًا ينبغي أن يبقى في الإنسان بعد أن تؤدي الأرقام وظيفتها.
هذا الفهم من صميم النهج الذي تمضي عليه المملكة في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، ورؤية سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، حفظهما الله. فقد عادت الثقافة إلى قلب مشروع بناء الإنسان، وغدا التراث موردًا للهوية، ومجالًا للإبداع والاقتصاد وجودة الحياة. والمملكة، وهي تقدم نفسها إلى العالم، تمنح ما تختزنه مناطقها من تنوع مجالًا أرحب للحضور والتعبير، ليصبح لكل أرض صوتها داخل وطن تتعدد ملامحه وتتحد هويته ووجهته.
في جازان يلامس هذا المعنى تفاصيل الحياة مباشرة. نحن لا نقف خارج الموروث لنصفه، بل نعيش في امتداده ونتجمل به. نسمعه في إيقاع يتغير كلما انتقلنا من السهل إلى الجبل أو اقتربنا من البحر، ونراه في الأزياء المحلية، وفي الحرف التي بقيت خبرتها حية في أيدي أهلها، وفي البيوت والمجالس وتفاصيل الحياة الصغيرة. نتذوقه في أطعمة تختزن حكايات البيوت، ونعيشه في مواسم ما زالت تجمع الناس كما جمعت من سبقهم. لذلك تصبح حمايته وفاءً لجزء حي من الحاضر، كي يعبر إلى الغد محتفظًا بصدقه وصلته بأهله.
جبال جازان وسهولها وسواحلها وجزرها ليست مشاهد متجاورة على خريطة واحدة. لكل بيئة أثر في الإنسان الذي عاشها، وفي البيت الذي بناه، والمهنة التي مارسها، والأغنية التي رددها، والخطوة التي أداها في فرحه. ومن مجموع هذه الصلات تتكون جازان؛ مدينة وقرية، جبلًا وساحلًا، جزيرة وواديًا، وجوهًا متعددة لروح واحدة.
من هذه البيئات وُلد أكثر من خمسة وثلاثين لونًا أدائيًا وفلكلوريًا. لم تُبتكر تلك الألوان في قاعات التدريب، بل خرجت من مواسم الزراعة، ومهن البحر، والأعياد، والمناسبات الاجتماعية، ومن اللحظات التي احتاج فيها الناس إلى صوت يجمعهم وحركة تعبّر عن فرحهم أو شجاعتهم أو تآزرهم.
الفنون الشعبية في جازان صفحات من تاريخ أهلها الاجتماعي، لا عروض منفصلة عن أصحابها. في إيقاعها أثر العمل، وفي حركتها صورة الجماعة، وفي ألفاظها قيم الناس ونظرتهم إلى الحياة. وحين تؤدى اليوم، لا يعود الماضي ليكرر نفسه، وإنما يحضر شيء من المعنى الذي جمع الأجداد في ساحات القرى وبيوتها ومواسمها.
للسهل إيقاعه، وللجبل نبرته، وللبحر فنون تشبه الصيادين في انتظارهم وعودتهم. ولا تفرق هذه الأصوات جازان، بل تمنحها رحابتها؛ فهي تتحدث بأكثر من لحن مع احتفاظها بملامحها الجامعة وموقعها داخل الهوية الوطنية. الجغرافيا هنا ليست خلفية للفن، بل أحد منابعه الأولى، والفن ليس زينة للمشهد، وإنما لغة حفظت علاقة الإنسان ببيئته، وأعادت روايتها جيلًا بعد جيل.
غير أن ما توارثته القلوب والأيدي لا يستمر بالعاطفة وحدها. يحتاج إلى وعي يصونه من الاختزال، ومؤسسات تعرف الفرق بين تقديمه وتجريده من معناه، ولغة تقرّبه من الجيل الجديد من غير أن تحوله إلى صورة ساكنة. وتلك إحدى مهمات القيادة الثقافية: أن تهيئ بين الماضي والحاضر معرفةً متبادلة؛ فيفهم الجديد أصله، ويجد القديم طريقه إلى زمن مختلف.
علاقة سمو أمير منطقة جازان بهذا العالم لم تبدأ يوم تولى إمارة المنطقة. فقد عرف جازان نائبًا لأميرها، واقترب خلال تلك السنوات من مجتمعها ومحافظاتها وملفاتها ورموزها. وحين يتولى القائد مسؤولية مكان عرفه طويلًا، لا يبدأ من اسمه المكتوب على الخريطة، بل من معرفة صاغتها المشاهدة واللقاء والوقوف على التفاصيل.
من الشواهد المبكرة على هذا القرب استقباله فريق مشروع مسح المواقع الأثرية في واديي مطر وشامي بجزر فرسان، واطلاعه على أعمال البعثة السعودية الفرنسية في البحث والتوثيق، وتأكيده أهمية الآثار في حياة الشعوب. كما زار القرية التراثية بمدينة جيزان، وتنقل بين البيت الجبلي والعشة والبيت التهامي والبيت الفرساني والسوق الشعبية.
لم تكن تلك الجولة انتقالًا بين أجنحة عرض، بل مرورًا على البيئات التي كوّنت جازان: بيت صنعته طبيعة الجبل، وآخر صاغته سهول تهامة، وعمارة فرسانية حملت أثر البحر، وسوق تحتفظ الملابس والحلي والبضائع فيه بشيء من عادات الناس وأذواقهم. وحين تجتمع هذه العناصر، تبدو القرية التراثية صورةً مصغرة للمنطقة، تتجاور فيها أنماط العيش كما تتجاور بيئاتها في الواقع.
لا ترد هذه الوقائع استقصاءً لما رعاه سموه من مناسبات ومبادرات؛ فالمشهد أوسع من أن تحيط به أمثلة محدودة. إنها شواهد على عناية ممتدة، بدأت من أثر مدفون في الأرض، ومرت بالبيت والحرفة والسوق، ثم اتسعت لتشمل الشعراء والمؤسسات والمواسم. لذلك يبدو اهتمام سموه بالتراث وفاءً لعلاقة نمت مع السنوات، وازدادت رسوخًا كلما اتسعت المسؤولية، لا استجابة لاتجاه ثقافي عابر.
خصوصية الأرض لا تُعرف من التقارير وحدها. لا بد من معرفة ما يعنيه البيت الجبلي لأهله، وما تختزنه العشة من ذكريات، ولماذا يصير موسم في البحر جزءًا من هوية جزيرة، وكيف تستطيع قصيدة أن تختصر وجدان منطقة بأكملها. وحين يعرف القائد هذه التفاصيل، تصبح الثقافة جزءًا من طريقته في فهم المكان، لا ملفًا منفصلًا عن تنميته.