محمد بن سلمان.. من اللامستحيل إلى هندسة الطمأنينة – د. ياسين علي محمد عزي

في القرن الحادي والعشرين، لم تعد الدول الكبرى تُقاس فقط بما تملكه من ثروة أو نفوذ أو أدوات ردع، بل بقدرتها على صناعة الطمأنينة. ومن هذه الزاوية تحديدًا، تبدو المملكة العربية السعودية اليوم واحدة من أكثر التجارب السياسية فرادة، لا لأنها صعدت سريعًا فحسب، بل لأنها أعادت تعريف معنى القوة ذاته.

حين كتبتُ عن ذكرى البيعة التاسعة بوصفها لحظةً يتجدد فيها المعنى العميق للعلاقة بين القيادة والوطن، ثم توقفتُ لاحقًا عند الأمان في المملكة بوصفه نعمةً تُعاش قبل أن تُقاس، بدا لي أن هذين المعنيين لا ينفصلان عن سؤال أكبر: ما الفلسفة التي جعلت الثقة تتحول إلى مشروع، والمشروع يتحول إلى طمأنينة، والطمأنينة تصبح أحد أهم تعبيرات القوة السعودية الجديدة؟.

فالأمان الذي نعيشه اليوم ليس رقمًا عابرًا في مؤشر دولي، كما أن البيعة ليست مناسبة زمنية تنتهي بانتهاء يومها؛ كلاهما يكشفان عن جوهر أعمق في التجربة السعودية الحديثة: قيادة تعرف إلى أين تمضي، وشعب يثق بالطريق، ورؤية استطاعت أن تنقل الوطن من حدود الممكن التقليدي إلى أفق اللامستحيل.

ومن هنا يأتي هذا المقال امتدادًا طبيعيًا لتلك القراءة؛ لا ليعيد الحديث عن البيعة أو الأمان، بل ليذهب إلى الجذر الذي جمعهما معًا: صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، القائد الذي أطلق رؤية السعودية 2030، وأعاد عبرها تشكيل العلاقة بين الدولة والإنسان والمستقبل، حين جعل الطمأنينة ثمرةً للرؤية، ودليلًا على أن الدول الكبرى لا تُقاس بما تملكه فحسب، بل بما تمنحه للإنسان من ثقة وأمان ويقين بالمستقبل.

لقد ظل العالم طويلًا يقرأ القوة من زواياها المعتادة: الثروة، والسلاح، والنفوذ، والقدرة على فرض الحضور. وكانت الأمم تُقاس غالبًا بما تملك من أدوات الردع، أو بما تستطيع أن تجبر الآخرين على أخذه في الحسبان. غير أن التجربة السعودية الحديثة قدّمت معنى آخر أكثر عمقًا: أن تكون القوة في قدرة الدولة على جعل الإنسان يثق بالغد، وفي تحويل الأمن من ملف إداري إلى شعور يومي، وفي جعل العدالة يقينًا اجتماعيًا لا شعارًا عابرًا.

هنا يحدث الانقلاب الكامل في منطق القوة ذاته. فبدل أن تبني الدولة قوتها أولًا ثم تبحث عبر هذه القوة عن الأمن والاستقرار، بدأت السعودية من الاتجاه المعاكس: صنعت الطمأنينة، ثم جعلت منها أحد أعظم مصادر قوتها الجديدة.

وحين أطلقت رؤية السعودية 2030 قبل ما يقارب عقدًا من الزمن، قرأها كثيرون بوصفها خطة اقتصادية لتقليل الاعتماد على النفط، لكن السنوات اللاحقة كشفت أن الأمر كان أوسع من ذلك بكثير. كان القرار الحقيقي إعلانًا عن بداية بناء اقتصاد أكثر مرونة وتنوعًا، وأقل اعتمادًا على تقلبات المورد الواحد.

ولهذا فإن إعلان التقرير السنوي الأخير للرؤية أن ما يقارب 93 في المائة من مؤشرات الأداء حققت مستهدفاتها أو اقتربت منها، وأن نحو 90 في المائة من المبادرات الوطنية اكتملت أو تسير على مسارها، ليس مجرد نجاح إداري؛ إنه دليل على أن الدولة صنعت ثقافة تنفيذية جديدة، لأن الخطط لا تصنع نهضة ما لم تجد مؤسسات قادرة على تحويلها إلى واقع.

وحين تتجاوز مساهمة الأنشطة غير النفطية نصف الناتج المحلي، وتقفز الإيرادات غير النفطية من نحو 166 مليار ريال إلى ما يقارب 350 مليار ريال، فإن الدولة التي ارتبطت مواردها لعقود بمصدر واحد تكون قد بدأت بناء نموذج أكثر استقلالًا وقدرة على تمويل المستقبل. وفي هذا السياق يبرز دور صندوق الاستثمارات العامة، الذي ضخ نحو 750 مليار ريال في الاقتصاد الوطني خلال سنوات قصيرة، لا بوصفه وعاءً استثماريًا فحسب، بل بوصفه أداة دولة تعيد صناعة مستقبلها قبل أن تضطر الأجيال المقبلة للبحث عنه.

غير أن عبقرية هذا التحول لا تكمن في الاقتصاد وحده؛ فالدولة الحديثة لا تُقاس بحجم أموالها، بل بما تصنعه هذه الأموال في حياة الناس. لذلك فإن انخفاض البطالة بين السعوديين من 12.3 في المائة إلى نحو 7.2 في المائة، وارتفاع مشاركة المرأة في سوق العمل إلى ما يتجاوز 36 في المائة، وصعود نسبة تملك الأسر السعودية للمساكن إلى 66.24 في المائة، ليست أرقامًا متجاورة في تقرير، بل ملامح إعادة تشكيل عميقة لعلاقة الإنسان السعودي بفكرة المستقبل.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم المشروعات الكبرى: نيوم، والبحر الأحمر، والقدية، والدرعية، والعلا، وروشن. ليست مجرد مشاريع عمرانية أو استثمارية، بل إعلان أن المملكة قررت بناء المستقبل قبل أن يصل إليها. ولم يكن من المصادفة أن تفوز باستضافة إكسبو 2030 وكأس العالم 2034؛ فالعالم بدأ يرى السعودية لا كدولة تتطور تدريجيًا، بل كمشروع حضاري يعيد تعريف موقع المنطقة على الخريطة العالمية.

حتى التحولات الثقافية والاجتماعية لا يمكن اختزالها في الترفيه والسينما والفعاليات. الأعمق من ذلك أن المملكة تعيد بناء معنى جودة الحياة، وتقدّم هوية وطنية واثقة من جذورها، ولذلك لا تخشى الانفتاح. ومن هنا تتجلى قيمة الدرعية والعلا، لا بوصفهما مشروعين سياحيين فحسب، بل شاهدين على أن المستقبل الحقيقي لا يُبنى بقطع جذورنا مع التاريخ، بل بالتكامل معه واقعًا.

ومع ذلك، فإن الاقتصادات الكبرى والتحولات التنموية الكبرى لا تصنع وحدها أمة استثنائية ما لم يشعر الإنسان العادي أن التحول يتحرك من أجله. وهنا تظهر إحدى أكثر الزوايا عمقًا في التجربة السعودية: أن الأمير محمد بن سلمان لم يكن يقود مشروع تحول اقتصادي فحسب، بل كان يؤسس لفلسفة حكم ترى أن التنمية الحقيقية لا تبدأ من الأرقام، بل من الإنسان نفسه.

لذلك يمكن قراءة برنامج حساب المواطن لا بوصفه دعمًا ماليًا مباشرًا فقط، بل رسالة تقول إن الدولة تمضي نحو المستقبل، لكنها لا تترك الإنسان يدفع وحده تكلفة العبور. وكذلك كانت مكافحة الفساد أكثر من حملة قانونية؛ كانت إعادة بناء للثقة، لأن أخطر ما يصيب أي مجتمع ليس الفساد وحده، بل شعور الناس أن القانون لا يطبق على الجميع.

وجاء تطوير منظومة القضاء، من الأنظمة العدلية الجديدة إلى منظومة الأحوال الشخصية والمعاملات المدنية، ليجعل العدالة أكثر وضوحًا وقابلية للتنبؤ. أما العلاقة اليومية بين المواطن والدولة فقد تغيرت جذريًا مع الهوية الرقمية والخدمات الذكية، حتى أصبحت المعاملات التي كانت تستنزف أيامًا تُنجز خلال دقائق. وهنا لا تختصر التقنية الوقت فقط، بل تختصر المسافة النفسية بين الإنسان ومؤسساته.

ولعل جائحة كورونا كانت الاختبار الأوضح لهذه الفلسفة. ففي ذروة الأزمة، حين ارتبكت دول كبرى ودخلت مجتمعات في حالة ذعر غير مسبوقة، قدمت السعودية نموذجًا مختلفًا: امتدت الرعاية الصحية للمواطن والمقيم، بل وحتى للمخالفين لأنظمة الإقامة دون تبعات قانونية. لم يكن ذلك قرارًا صحيًا فحسب، بل رؤية أخلاقية عنوانها أن قيمة الإنسان تسبق كل الاعتبارات الأخرى.

ومن هذا الفهم يمكن قراءة ارتفاع متوسط العمر المتوقع إلى ما يقارب 79.7 سنة، وتراجع معدلات الأمية إلى مستويات تاريخية غير مسبوقة، وتراجع وفيات حوادث الطرق من 28.8 إلى نحو 13.5 حالة لكل مائة ألف نسمة. بل إن الأمن المجتمعي نفسه بلغ مبلغًا جعل نحو 97.7 في المائة من السكان يشعرون بالأمان أثناء السير منفردين ليلًا، حتى صار الأمن في المملكة أسلوب حياة لا مجرد غياب للجريمة.