محمد النفيـسة.. المُخلص الصادق

عندما عدت بالذاكرة إبان تعلقي بالكتاب والقراءة ولزوم محراب المكتبات العامة، وخصوصاً مكتبة معهد الرياض العلمي ومكتبة الرياض السعودية اللتان هما مصدر معلوماتي وثقافتي والتعرف على عوالم الكتب بجميع فنونها ومعارفها، هذا فضلاً لارتيادي المكتبات التجارية بمدينة الرياض ومنها مكتبة الرياض الحديثة ومكتبة الحرمين ومكتبة المعارف ومكتبة الخاني، ولا أنسى تلك المكتبة الصغيرة بسوق المعيقلية القديم هي صغيرة المساحة قليلة الكتب إلاّ أنه يملؤها رجل من ذوي العلم والمعرفة، ومن هنا تجلت شخصيته الوقورة المهذبة الخلوقة المستقيمة المتدينة يُخيّم عليها السكينة والطمأنينة، إنه الأديب المعلم والمربي الواعظ الداعية محمد بن عبدالرحمن الخطيب بن علي بن حسين النفيسة -رحمه الله-، كان سوق المعيقلية القديم يعج بالمشترين والباعة، وفيها تباع «القرطاسية»، ولها موسم زاخر وذلك في بدايات العام الدراسي، حيث يزدحم هذا السوق بالمشترين والمربيين والمعلمين والدعاة، وشخصيتنا اتخذ هذا الدكان لبيع «القرطاسيات»، لكن مما يمتاز به عن غيره من جيرانه أنه يعرض بعضاً من الكتب الدينية والأدبية، وهذا أيضاً أمر طبيعي، لكن الذي يلفت النظر ويجذب الانتباه ويأخذ بالعجب والإنبهار أن هذه الشخصية لا تتكلم في البيع والشراء مع أنه مكانهما، بل أغلب حديثه مع الناس الوعظ والإرشاد والنصح، سارداً الأشعار من الحكم، والزهديات، فلا تخلو كلماته الأنيقة وجمله المتناسقة وحديثه المرتب المنظم من أبيات الحكمة والمثل. هذا ما رأيته منه -رحمه الله- عندما قابلته لأول مرة حيث كانت الأجواء تجارية بحتة، ومع ذلك بسحر حديثه ينقلك من هذه الأجواء الصاخبة إلى ندوة مصغرة، بل حديقة غناء تبعث في نفسك البهجة والسرور، كان النفيسة يتميّز بدماثة الأخلاق والسلوك الراقي والمعاملة الطيبة، بل إن مفرداته وجملة بليغة فصيحة ورقيقة تدخل في قلوب سامعيها بدون استئذان، وتستطيع أن تعد حديثه بل تكتبه وهو لا يمانع بل يسر إذا رأى منك الاهتمام والإصغاء. بعد وفاته بتسعة أعوام أصدرت اللجنة العلمية في ديار نجد للنشر والتوزيع كتاب الدرر والمواعظ النفيسة لمحمد بن نفيسة وأهداه إليّ ابنه عبدالرحمن، وسوف نلقي الضوء على هذا الكتاب؛ لأنه الأثر الكبير لشخصيتنا، أقصد من حيث التأليف، ولقد استفدت من هذا الكتاب في تدوين بعض المعلومات عن سيرة شخصيتنا الوظيفية. ميلاده ونشأته ومحمد النفيسة من مواليد 1333هـ في ضرماء ووالده عبدالرحمن النفيسة -رحمه الله- من طلبة العلم الملقب بالخطيب، لهذا تعلم على يده، وأخذ عنه، بعد ذلك درس في كتاتيب ضرماء، وكانت لديه حافظة بطيئة النسيان، وحفظ القرآن الكريم، ومتعلمّ مبادئ العلوم الشرعية، وكان لوالده تأثير عليه من حيث التعليم والتلقي والتثقيف، وأسرة النفيسة أسرة فاضلة وكريمة خرج منها علماء وأدباء وقياديين، كذلك لم تفته مدرسة المفتي الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ -رحمه الله- التي كان طلبة العلم من مبتدئين وكبار يتوافدون عليها فكانت هذه المدرسة منارة العلم والعلماء، ونال شخصيتنا جملة من العلوم والمعارف على يد المفتي من فقه وتوحيد ونحو ذلك، ولعله سكن البيت المخصص للدراسين على يد المفتي، وهذا في الخمسينات الهجرية تقريباً، وقد أدرك الطبقة الأولى من تلاميذ المفتي أمثال العالم العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله-، وكانت له به صداقة، وقد سافرا إلى الحج، وكانا يرشدان في الحج، وأثناء عبور الطريق من الحجاج وأثناء مناسك الحج كما ذكر لي ابنه سعد، فشخصيتنا طالب علم ذو إدراك جيد، وقويم للنصوص الشرعية من الكتاب والسنة وكان يكثر من قراءة صحيح البخاري ومسلم. وذكر عبدالرحمن النفيسة -نجل شخصيتنا- أن أول بدايات والده الوظيفية مع العمالة، وهم العاملون على الزكاة، الذين يجبون زكاة بهيمة الأنعام من البادية، حيث كان يتم تكليفهم من قبل الدولة يجوبون في جميع أنحاء المملكة وهذه أول وظيفة عمل بها. إمام مسجد وكان محمد النفيسة -رحمه الله- طالب علم، ومن أبجديات طالب العلم حفظ القرآن الكريم والذي يحفظ القرآن الكريم أن يكون مؤهلاً لأن يؤم الناس لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله»، وقد عُين شخصيتنا إماما لمسجد مبنى السيارات التابعة للملك سعود -رحمه الله- مدة من الزمن، وبعدها عيّن إماماً في مسجد السويلم بمدينة الرياض، وبعدها سكن في أم سليم وأصبح إماماً في هذا الحي حتى عام 1400هـ، وقبل ذلك كان إماماً ومرشداً وواعظاً للواء الثالث المجاهدين، ثم في بحرة، وأم السلم بالمنطقة الغربية، فكان يدرك مسؤولية إمامة المساجد متيقناً أنها ليست فقط في إمامة المصلين في الفروض الخمسة ثم ينتهي الواجب، لهذا كان قد اتخذ برنامجاً لجماعة المسجد بدرس يومياً بعد صلاة العصر وبعد صلاة العشاء، فكان منارة إرشاد ونصح لجماعة المسجد، منتهزاً المواسم في رمضان والحج مع التركيز على المحافظة على الصلوات الخمس مع جماعة المسجد، والحرص على اصطحاب الأبناء للصلاة مع آباءهم في المسجد، ومتابعة الأولاد وتعهدهم بالنصح والتوجيه ومصاحبة الأخيار. خشوع الجوارح ومن المقالات التي كتبها محمد النفيسة -رحمه الله- ولعله حدّث بها جماعة المسجد وهي بعنوان «فوائد المساجد»: من فوائد المسجد أنه ينظم أهل الحي كل يوم خمس مرات، تتلاصق فيها الأبدان، وتتعارف فيها الوجوه، وتتصافح فيها الأيادي، وتتناجى فيها الأنفس، وتتآلف فيها القلوب، فيلتقون على وحدة الغاية والوسيلة، فأي وحدة أعمق وأبلغ من وحدة المصلين؟، فالجماعة يصلون وراء رجل واحد، ويعبدون رباً واحداً وهو الله، ويتلون كتاباً واحداً وهو القرآن، ويتجهون إلى قبلة واحدة وهي الكعبة، قال المرزباني -رحمه الله-: يحتاج المصلي إلى أربع خصال حتى ترفع صلاته: أولاً حضور القلب، وثانياً شهود العقل، وثالثاً خضوع الأركان، ورابعاً خشوع الجوارح، حتى قال: من صلى بلا حضور قلب فهو مصل لاهٍ، ومن صلى بلا شهود فهو مصل ساهٍ، ومن صلى بلا خضوع الأركان فهو مصل جانٍ، ومن صلى بلا خشوع الجوارح فهو مصل خاطئ، ومن صلى بهذه الأركان فهو مصل وافٍ. مخزن الفوائد وتحدث سعد النفيسة عن والده قائلاً: إن حياته كانت كلها للدعوة إلى الله عز وجل، حتى أن شباب الحي آنذاك يقولون: تعلمنا من والدك الشيء الكثير الذي كنا نجهله أو تعلمناه ثم نسيناه، فكان يطرح عليهم الأسئلة مثلاً ما هي شروط الصلاة وواجباتها وأركانها؟، وغيرها من الأسئلة التي تثير في أنفسهم الحماس للعلوم الشرعية التي هي من صميم دينهم، مضيفاً أن حياة والده كلها لتعليم الناس أمور دينهم، حيث تراه في المسجد واعظاً وفي السوق وفي الحفلات التجارية، وإذا مر ببعض الأحياء التي كان يسكنها كان يذهب من حي أم سليم إلى مكتبته بالديرة في سوق المعيقلية ماشياً ويسلم على كل من لاقاه، بل إنه يدخل على المحلات التجارية ويلقي السلام واذا رأى ثمة ملاحظة نصح ووعظ بأسلوب حكيم وموعظة حسنة، فكان محبوباً من الجميع، فيه لطف واحترام، ويتعامل مع جميع طبقات الناس كل حسب حاله ووضعه، ولا يبخل بالفوائد في حديثه وإرشاده فهو مخزن الفوائد والفرائد من الشعر والنثر.. انتهى كلامه بتصرف. رقّة قلب وكان محمد النفيسة -رحمه الله-: الرجل المخلص الصادق الذي تسبق دمعته عباراته ورقة قلبه، تبرز في تعابير وجهه كل كلمة ينطق بها لها معنى عميق ومدلول نبيل وهدف سامي، وكان مباركاً أينما كان في السوق، في الحي، في المسجد، في مجالسه الخاصة والعامة، وليس كل داعية له قبول في قلوب الناس، وكما قيل إذا خرج الكلام من القلب دخل القلب، وإذا خرج من اللسان لم يتجاوز الآذان، ونحسب شخصيتنا كذلك والله حسيبه، فهو شخصية صالحة نقية وتميز رحمه الله وهذه ميزة كبرى وحسنة عظمى هي سلامة الفؤاد وحسن الظن بالناس، فعندما تجالسه وقد جالسته قليلاً تتأثر بسمته ووقاره وأخلاقه العذبة، ثم إذا تحدث كان حديثه السحر الحلال؛ لأنه ينتقي كلماته وجمله انتقاء مذهل ومرتب. علم وتربية ومن الوظائف التي تشرفت بمحمد النفيسة -رحمه الله- مهنة التعليم في منطقة عسير بارق 1374هـ، فهو من رواد التعليم الأوائل، وجمع بين العلم والتربية، مع أنه لم يدرس دراسة نظامية، ولم يتلقى أساليب التربية الحديثة، وهكذا أغلب جيله من الذين مارسوا التعليم، ومع هذا فقد وفقه الله تعالى بأن يكون معلماً ومربياً ناجحاً، حيث كان يغرس في قلوب تلاميذه مراقبة الله عز وجل، وهي أساس التربية الإسلامية، وفوق كل تربية حديثة معاصرة؛ لأن ثمرة مراقبة الله عظيمة وجليلة، فهي الحصن الحصين عن الوقوع في كل رذيلة ومعصية، والحافز لكل بر وإحسان، وهي إصلاح للنفس البشرية، وهي ما يطلق عليها حديثاً المراقبة الذاتية، وقد كان شخصيتنا دائماً في تعليمه يركز على هذا الجانب المهم الحساس، وخصوصاً مع تلاميذه، والتلميذ لا ينسى من درّسه وعلمه الخلق الكريم والدين القويم، وتولى النفيسة كذلك إدارة المدرسة التي درّس فيها، ولم يتغير أسلوبه في التعليم، بل زادت مهامه، فهو مسؤول عن المعلمين والطلبة، ويقوم بدور المعلم والمدير في وقت واحد، وهو الموجه الناصح للمعلمين، ومرشدهم إلى الأساليب الحسنة لتوجيه وتعليم الطلبة. 19 عاماً وفي عام 1393هـ، أحيل محمد النفيسة -رحمه الله- إلى التقاعد بعد ما خدم في التعليم 19 عاماً، وكانت مرحلة بالغة الأهمية في حياته، وفي تدريسه النشء، والجدير بالذكر أن النفيسة تولى منصب نائب رئيس جماعة تحفيظ القرآن الكريم بالرياض وقبل ذلك كان كاتباً في محكمة الرياض عام 1367هـ. وأعد شخصيتنا كتاباً في المواعظ والرقائق لكن الأجل قد أدلهم عليه ولم ينشره في حياته، ثم في 1426هـ جمع عبدالله -حفيده- وسعد -ابنه- أوراق هذا الكتاب وقاما بتوثيق هذه الأوراق وتنسيقه، وأصدرته اللجنة العلمية في ديار نجد للنشر والتوزيع عام 1426هـ وهو مجموع مفيد وممتع، ومناسبة تأليف هذا الكتاب كما يقول شخصيتنا: فإني لما رأيت كثيراً من إخواني المسلمين في غفلة وإعراض عما خلقوا له، وانشغالهم بهذه الدنيا التي ذمها الله وجعلها دار ممر لا دار إقامة، لذا لابد أن نعلم جميعاً أنه إن غفلنا فليس بمغفول عنا، أخي أنظر إلى قول الشافعي رحمه الله: ومن يذق الدنيا فإني طعمتها وسيق إلى عذابها وعذابها فلم أرها إلا غروراً وباطلاً كما لاح في ظهر الفلاة سرابها وما هي إلاّ جيفة مستحيلة عليها كلاب همهن اجتذابها فإن تجتنبها كانت سلماً لأهلها وإن تجتذبها نازعتك كلابها فطوبى لنفس أولعت قعر دارها مغلقة الأبواب مرخى حجابها فلما تكرر لدي الإمعان في كثرة الغفلة مني أولاً ثم من إخواني المسلمين، وجب علي نصيحتهم وتذكيرهم بما ينفعهم في دنياهم وأخراهم، ولهذا فهذه المواعظ فيها أشواق الترغيب وأشواك الترهيب – انتهى كلامه-. أيادٍ بيضاء وألّف محمد النفيسة -رحمه الله- رسالة في دعاء ختم القرآن الكريم، وأهداني إياها، وأذكر أنني اشتريت ذلك الكتاب النفيس الذي كان يحفظ فيما أعتقد معظمه، وهو (عين الأدب والسياسة في زين الحسب والرياسة) للأديب علي بن هذيل، و(العقيدة الطحاوية وعليها حاشية الشيخ محمد بن مانع)، وكتاب (رسم القلم للسيد أحمد الهاشمي)، ورأيت عنده كتاب (الكنز المدفون والفلك المشحون) المنسوب للسيوطي، ومن ذلك الوقت عرفت هذا الكتاب الفريد القيم وهو ليس للسيوطي بل ليونس المالكي كما أوضح ذلك الأديب القاضي حمد بن إبراهيم الحقيل في نسخته التي أهداها إليّ. وفي الختام، رحم الله الأديب المربي الواعظ الشيخ محمد بن عبدالرحمن الخطيب النفيسة، فهو رجل جعل الله له القبول عند الناس وكانت له أياد بيضاء على الفقراء والمحتاجين، وكانا يتعاهدهم بالمساعدات، ولم يكن أحد يعلم بهذا إلاّ بعد رحيله، حيث أخبروا ذريته إبان العزاء كما أخبرني بذلك سعد -نجل شخصيتنا-، وقد توفي محمد النفيسة بتاريخ 1 / 7 / 1417 هـ. من جالس النفيسة تأثر بسمته ووقاره وأخلاقه العذبة عبدالرحمن بن محمد النفيسة الدُرر والمواعظ النفيسة لمحمد النفيسة من مخطوطات محمد النفيسة «رحمه الله» ولد§ محمد النفيسة في ضرماء 1333هـ إعداد- صلاح الزامل