في مشهد يجسد التحول الذي يشهده القطاع الزراعي السعودي، نجح المزارع محمد مفرج المالكي من بني مالك جنوب محافظة الطائف في تحويل تجربة زراعية محدودة بدأت بخمس شجرات بن فقط إلى مشروع واعد يضم اليوم أكثر من ثلاثة آلاف شجرة، مستفيداً من المقومات الطبيعية للمنطقة والدعم الذي يحظى به قطاع البن السعودي. وتأتي هذه التجربة بالتزامن مع جهود وزارة البيئة والمياه والزراعة لتعزيز زراعة البن بوصفه أحد المحاصيل الزراعية الواعدة ذات الأهمية الاقتصادية، بما يسهم في تحقيق التنمية الريفية المستدامة وتنويع مصادر الدخل للمزارعين. وتعود بداية رحلة المالكي إلى عام 2019م، عندما بدأ البحث عن أفضل أصناف البن الملائمة للمنطقة، حيث زار ما يقارب 90% من مزارع البن الرائدة للاستفادة من خبراتها وتجاربها. وبعد دراسة مستفيضة، استقر اختياره على صنف البن المعروف علمياً باسم «الأرابيكا»، والمسمى محلياً بـ«البن الصالبي الشدوي»، نظراً لما يتمتع به من جودة عالية وتوافق مع الظروف المناخية والبيئية في المنطقة. وبدأت التجربة بزراعة خمس شجرات فقط على سبيل الاختبار، خضعت للمتابعة والعناية لمدة عام ونصف، قبل أن تثبت نجاحها وقدرتها على الإنتاج. ومع النتائج الإيجابية التي حققتها التجربة، انتقل المالكي إلى مرحلة التوسع، حيث جهز المزرعة في نهاية عام 2020م وزرع ألف شتلة بن حققت نتائج مميزة من حيث النمو والإنتاج. ومع استمرار النجاح، تمكن من إنتاج شتلات جديدة من الصنف ذاته داخل المزرعة، ليضيف ألفي شتلة أخرى، ويرتفع إجمالي عدد الأشجار إلى أكثر من ثلاثة آلاف شجرة، فيما يواصل العمل لتحقيق مستهدفه المستقبلي بتجاوز حاجز خمسة آلاف شجرة. ويؤكد أن الإنتاج الحالي يتميز بجودة عالية ومواصفات تنافسية أسهمت في زيادة الطلب على المنتج في الأسواق. وأوضح المالكي أن عدة عوامل شجعته على دخول هذا المجال، من أبرزها الارتباط التاريخي لمنطقة مكة المكرمة بزراعة البن والقهوة العربية، إلى جانب ما يحظى به قطاع البن من اهتمام ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030، والدعم الذي تقدمه وزارة البيئة والمياه والزراعة للمزارعين. وأشار إلى أن القهوة العربية تمثل جزءاً أصيلاً من الهوية الوطنية والثقافة السعودية، الأمر الذي منحه دافعاً إضافياً للاستثمار في هذا المنتج الوطني، مؤكداً أن زراعة البن تمثل فرصة اقتصادية واعدة تسهم في دعم التنمية الزراعية وتعزيز الأمن الغذائي. وعن أبرز التحديات، أكد المالكي أن الإصرار والعزيمة، إلى جانب الدعم الحكومي، أسهما في تجاوز مختلف الصعوبات، مشيراً إلى أن برنامج التنمية الريفية الزراعية المستدامة «ريف» وفر دعماً مهماً لمزارعي البن في منطقة مكة المكرمة، مما انعكس إيجاباً على زيادة الإنتاج وتحسين جودة المحصول. وفي جانب التسويق، أوضح أن جودة المنتج كانت العامل الأبرز في كسب ثقة المستهلكين، إلى جانب الاستفادة من منصات التواصل الاجتماعي للتعريف بالمنتج وتسويقه، الأمر الذي أسهم في توسيع قاعدة العملاء وتعزيز حضور المنتج في الأسواق. من جانبه، أكد مكتب وزارة البيئة والمياه والزراعة بمحافظة الطائف مواصلة جهوده لتطوير زراعة البن السعودي بوصفه أحد المحاصيل الواعدة ذات الأهمية الاقتصادية، لما يمثله من رافد مهم للتنمية الريفية المستدامة وتعزيز الفرص الاستثمارية في القطاع الزراعي. وأوضح المكتب أن الوزارة تنفذ حزمة من البرامج الإرشادية والتدريبية الموجهة لمزارعي البن، تشمل ورش العمل والزيارات الحقلية والاستشارات الفنية، بهدف رفع كفاءة الإنتاج وتحسين جودة المحصول، وتمكين المزارعين من تطبيق أحدث الممارسات الزراعية التي تسهم في زيادة الإنتاجية وتحقيق الاستدامة. وأشار إلى أن إدراج البن ضمن المزايا النسبية لمنطقة مكة المكرمة يعكس ما تتمتع به المنطقة من مقومات طبيعية ومناخية ملائمة لزراعته، الأمر الذي يعزز مكانتها كإحدى المناطق الواعدة في إنتاج البن السعودي، ويدعم مستهدفات رؤية المملكة 2030 الرامية إلى تنمية القطاع الزراعي وتعظيم الاستفادة من المزايا التنافسية للمناطق. وبيّن المكتب أن برنامج التنمية الريفية الزراعية المستدامة «ريف» أسهم بشكل فاعل في تمكين مزارعي البن من خلال برامج الدعم المتنوعة التي شجعت على التوسع في زراعته ورفعت الجدوى الاقتصادية للمحصول، ما انعكس إيجاباً على نمو القطاع وزيادة الإقبال على الاستثمار فيه. وكشفت الإحصائيات أن محافظتي الطائف وميسان تحتضنان نحو 5800 شجرة بن مزروعة في المواقع الجبلية، بإنتاج سنوي يقدر بنحو 20 طناً من البن السعودي. كما تستهدف خطط التوسع المستقبلية زراعة أكثر من 6000 شتلة جديدة، في خطوة من شأنها تعزيز نمو القطاع وترسيخ مكانة المنطقة كأحد أبرز مواقع إنتاج البن السعودي في المملكة. وتجسد تجربة محمد المالكي نموذجاً ملهماً لما يمكن أن يحققه المزارع السعودي من نجاح وتميز من خلال الاستفادة من المقومات الطبيعية والدعم الحكومي، كما تعكس الحراك المتنامي الذي يشهده قطاع البن السعودي بوصفه أحد القطاعات الزراعية الواعدة التي تسهم في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030