محمد الدميني لـ”المجلة”: أمضي في خط دائري يعيدني نحو الطفولة
محمد الدميني لـ"المجلة": أمضي في خط دائري يعيدني نحو الطفولة layout Wed, 06/03/2026 - 07:37 ثقافة ومجتمع تنفتح تجربة الشاعر السعودي محمد الدميني على أسئلة الوجود والحرية واللغة، مع وعي عميق بتحولات المجتمع والثقافة، إذ تشكلت قصيدته في تماس مباشر مع اليومي والهامشي، ومع قلق الإنسان وهو يعبر زمن التحولات الكبرى. أصدر عددا من الدواوين التي رسخت حضوره في المشهد الشعري العربي، وجاء ديوانه الجديد "طائر تخطئه الطلقات" امتدادا لهذا المسار، ومحصلة لتجربة طويلة في التأمل والكتابة. في هذا الحوار نقترب من العالم الداخلي للشاعر، ونسائله حول اللغة والحب والعزلة، وعلاقة الشعر بالزمن الرقمي. يشكل عنوان ديوانك الجديد "طائر تخطئه الطلقات" عتبة شعرية كثيفة ومفتوحة على التأويل، ما الذي مثله هذا الطائر بالنسبة إليك؟ كل عنوان يحاول اختطاف الحياة أو بعضها في كلمة. ‏أظن أن الكائن الإنساني يعبر الحياة كلها وهو يتوجس من المخافات التي تختبئ في طريقه. وهي مخاوف تبدأ من لحظات المنزل الأول وتمضي عبر المدرسة والجامعة والمسجد والشارع وسرب من السلطات التي يجاهد المرء لكي يتقيها. لكن العنوان يبقى لحظة باهرة او إشراقة ما تقنع الشاعر أن هذا الكتاب خلاصة من الحمائم والطلقات وما بينهما. تلمس المفقودات في قصائد الديوان حضور واضح للفقد والعزلة والتعب، لكنها تتقاطع مع إشراقات غبطة خفية. كيف تعمل على تحقيق هذا التوازن في قصائدك؟ الشاعر حين يمضي به العمر سيبدأ في تلمس مفقوداته، وحين لا يجدها فإنه يذهب إلى رثائها. لست شاعرا طازجا تتكون لغته وهواجسه من مرحلة التغيرات الحيوية التي يعيشها مجتمعنا الآن، بل شاعر مخضرم، عاش فترة القحط الثقافي والاجتماعي التي خلفت آلاما وأعطابا لا تمحى، وتركت بعض ثيمات الفقد والعزلة في حياة جيلي، ‏لذا فإن ظلالها ووشومها ستبقى عالقة في قصيدتي، وفي ما بقي لي من حياة. عماد الدين موسى الثمانينات كانت مسرحا لتفتح قنوات الشعر الجديد محمد الحرز لـ"المجلة": الشعر السعودي لم يحظ بقراءة نقدية جادة محمد الحرز لـ"المجلة": الشعر السعودي لم يحظ بقراءة نقدية جادة ينتمي الشاعر محمد الحرز إلى جيل التسعينات في الشعر السعودي،... غلاف كتاب "أنطلوجيا الشعر السعودي المعاصر" أنطولوجيا الشعر السعودي المعاصر... نشيد متعدد الأصوات ترسم أنطولوجيا "أناشيد الصحراء" صورة كثيفة للمشهد الشعري... غلاف ديوان "على بعد قميص" "على بعد قميص" لإبراهيم الحسين ومسار الصوت الهادئ تشكل صوت الشاعر إبراهيم الحسين بهدوء داخل المشهد الشعري... الشعر السعودية الذاكرة 01 يونيو , 2026 Region الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لم تكن الحداثة الأدبية شاغلنا الأوحد بل الحداثة الكلية الفكرية والمؤسساتية والأكاديمية وحريات القول والتعبير كانت هناك عتمة حقيقية تتلبس المكان والزمان، ووسطها كنا نحاول صناعة الضوء، وكان ضوءا شحيحا، لكنه يكفي لمواصلة الأمل. كانت الحداثة بكل أشكالها بروقا على الطريق، ولم تكن الحداثة الأدبية شاغلنا الأوحد بل الحداثة الكلية الفكرية والمؤسساتية والأكاديمية وحريات القول والتعبير. كانت هناك غبطة تختلط بحماسة شبابية، لكن كانت هناك أنقاض أيضا. يبدو الطائر في الديوان كائنا يتكرر في صور متعددة، مرة رمزا للحب، ومرة للحرية، ومرة للنجاة. هل كان حضور هذا الرمز مقصودا منذ البداية؟ علاقتي بالطيور بدأت منذ فُتحت عيناي على الدنيا في إحدى قرى الجنوب. لن أقول إنها علاقة ملائكية وحلمية دائما، ولكنها كانت تفتح مخيلتي على الفضاء المطلق الذي تعوم فيه الطيور وتغني وتتآلف. كنا ننصب المصائد للطيور ككل الصبية، لكننا كنا نطلقها لنشعر برفيف أجنحتها وهي تذهب إلى الحرية. هذا المناخ الحلمي يتناقض مع حياة الإنسان على الأرض، وأقصد العيش المقيد بالشروط والواجبات الصارمة. أشعارنا القديمة تحفل بصور شتى للطيور، فقد طلب امرؤ القيس مرة أن يستعير جناح طائر ليبلغ ديار محبوبته، وكتب أدغار آلان بو قصيدة شهيرة عن الغراب، والنماذج كثيرة. ليت هناك من يقدم على دراسة العلاقة بين الشعراء وكائنات الطير ماضيا وحاضرا. أرى أن استعارة حياة الطائر بكثافة في هذه المجموعة، قد تسربت من تأملات فرضتها أيام "كورونا" القاسية، حين حرمنا لأشهر من مغادرة منازلنا، وكانت الطيور وربما القطط هي الكائنات الحية التي نطالعها بحسرة من وراء الشبابيك الموصدة. إذن، حضور الطائر لم يكن مخططا له، بل أن الضرورات الحياتية جعلت منه بطلا في عدد من القصائد. غلاف "طائر تخطئه الطلقات" تعود في هذا العمل إلى ثيمات الطفولة والذاكرة والبيت، وهي عناصر حاضرة في دواوينك السابقة أيضا. كيف ترى علاقة الشاعر بذاكرته في كل مرحلة من تجربته؟ لا منجى من الطفولة والبيت الأول ومخازن الذاكرة. أحيانا ما أرى العيش كحلقة دائرية، إذ كلما تقدم بي العمر، وجدت نفسي أمضي رويدا لأحوم وأغترف من البئر الأولى، بتعبير جبرا إبراهيم جبرا. الشعر تحرر كثيرا من كل ضريبة أيديولوجية أو خطابية مباشرة، سوى قلة تسوق المدائح من منبر إلى منبر كل شيء تسجله الذاكرة وتخفيه، أحداث ووجوه وقصص واندهاشات، ولعل براعتها في أن كل مكنوناتها تتخمر على مهل فلا تبقى الأشياء على حالها، بل تتفاعل كأي مركبات كيميائية، وحين يستدعيها الشاعر فإنه يعثر على عصارة الأحداث والأمكنة والوجوه وقد ارتدت حلة جديدة، ويبقى على الشاعر صهر تلك العصارة عبر لغته وانحيازه الجمالي. حاولت في هذا الكتاب استرجاع بعض أحداث الطفولة، إحياء وجوه غابت عني لعقود، ومحاولة اقتناص لحظة نادرة من امرئ القيس مثلا، واستعادة بعض مفردات الطبيعة التي طالما استبد بي الحنين إليها، وتمنيت أن أغرق فيها. تأملات وذكريات في نصوص الديوان ملمح تأملي وجودي، يجاور اليومي البسيط ويحوله إلى مساحة للمعنى. هل ترى أن الشعر لا يزال قادرا على مساءلة الوجود في زمن يغلب عليه الاستهلاك والسرعة ؟ نعرف اليوم أن الشعر تحرر كثيرا من كل ضريبة أيديولوجية أو خطابية مباشرة، سوى قلة تسوق المدائح من منبر إلى منبر. لكن الشعر في طبيعته كائن تأملي في الوجود الإنساني وفي تقلباته وفي عثراته. إيقاعات الحياة اليومية ومفرداتها ينبغي أن يلتفت إليها الشاعر ويصنع منها مادة شعرية قابلة للحياة. يومياتنا لا تعني الحيثيات المادية لكنها تعني الأفكار والتأملات والذكريات التي تبثها عناصر حيوية أو صامتة في المنزل أو في الذاكرة أو في هوامش الحياة. وهذا لا يعني الانفصال عن مقاربة الأحداث الساخنة التي تعصف بحياة البشر وطمأنينتهم، ولكن بأدوات جديدة وبحساسية مختلفة. على أنني أتفق أن مهمة الشعر أمام الزمن الاستهلاكي والتقني الساحق ستزداد شراسة، إذ لا يمكن القصيدة أن تعيش بين الأطلال فيما تتغير معطيات الحياة بوتيرة لا يمكن الإمساك بها أو تأملها. مبان تقليدية في قرية رجال ألمع التاريخية في جبال جنوب السعودية، 2016 يظهر في الديوان وعي بالجسد بوصفه مساحة للمعاناة والمقاومة معا. ما الدور الذي يلعبه الجسد في صوغ رؤيتكم الشعرية؟ في زحام الحياة والأعمال، قليلا ما نلتفت إلى أجسادنا، وما تعلنه من صرخات واحتجاجات. ندوب الجسد تبقى على ظاهر الجلد وباطن الأعضاء، ويبقى تأثيرها مختبئا في الجهاز العصبي والنفسي، وهي تتسرب تلقائيا إلى اللغة والمشاعر. مخاطبة الجسد وتقلباته في شعرنا الحديث لا تزال ضعيفة، مقارنة بالشعر الغربي هل ينجو الشاعر من جسده؟ لا أظن. حاولت دون قصدية واضحة أن تكون بعض أعضاء الجسد شاهدة أو شريكة في أفقي الشعري، أو أن تزيح المكبوتات عن جسدي، لكنني حقا لا أعرف إلى أي مدى وصلت. أرى أن مخاطبة الجسد وتقلباته في شعرنا الحديث لا تزال ضعيفة، مقارنة بالشعر الغربي بخاصة، فالجسد هناك مطلق العنان، تجده مجسدا في الكاتدرائيات، في أعمال فناني عصر النهضة، في الميادين والمتاحف، وفي الكتب نثرا وشعرا، ولن تجد شراكا اجتماعية تكبله، أما نحن فنعيش فقرا جسديا عارما، حتى وإن فاضت المنصات والشاشات بالأجساد المصورة. جيل الثمانينات جيل الثمانينات الذي تنتمي إليه ترك بصمة واضحة في المشهد الشعري السعودي. كيف تنظر اليوم إلى تجربة هذا الجيل بعد مرور أربعة عقود؟ كل جيل يصنع أدبه وفنونه ومغامراته الجمالية. هذا مبدأ راسخ. الخصلة التي ميزت ذلك الجيل، أنه كان جيلا صاخبا ومغامرا، ولم يختف وراء نصوصه الحديثة في غالبيتها عن حراك المجتمع وتوقه إلى التغيير، ومقارعة الهيمنة الصحوية التي كانت كابوسا حياتيا يوميا. غلاف "أيام لم يدخرها أحد" أرض الثمانينات كانت مسرحا لتفتح قنوات الشعر الجديد، بما فيها قصيدة النثر، والقصة والرواية الجديدة، ومدارس النقد الجديد، وفن التشكيل، ولعل الفنون المشهدية ك المسرح والموسيقى والغناء كانت الأكثر تضررا لأن هناك حجرا على جمهور هذه الفنون، ولذا كانوا يسافرون لسماع أصوات نجومهم. كانت تلك الحقبة موسما لتنافس الملاحق والمجلات الثقافية، وصراع الأشكال والمدارس التقليدية مع الحداثية. واللافت أن كثافة المبدعين قد عززت التلاقح والتنافس وحملت أصواتهم إلى الحواضر العربية الأخرى التي كانت متفوقة بتاريخها ورموزها. هناك أصوات أدبية رائدة انطلقت منذ السبعينات مثلا، أذكر هنا محمد العلي وفوزية أبو خالد، لكن أفقها الاجتماعي كان جاحدا، ولم تلق الصدى والانتشار إلا في مطالع الثمانينات بفعل ذاك الحراك وتقاطعاته بين مدن المملكة وجهاتها. جيل الكتابة الآن يتبرم من سرد تلك الوقائع، وربما لا يعنيه أي تاريخ سابق لعصر المنصات المشاعة اليوم. لكن الثمانينات كانت مرحلة أصيلة، والكثير من أسمائها يعملون بحيوية حتى اليوم، حتى ان الغائبين لم ينقطع أثر نصوصهم في الأجيال اللاحقة. تقول: "كان يرمي بنباله في الوادي/ ليصطاد طيف امرأة/ ويتهيأ للحب..."، كيف تتجلى فكرة الحب في شعرك؟ أهي خلاص شخصي أم طريق نحو فهم أعمق للوجود؟ أعتقد أن اللهاث بالحب غريزة إنسانية عميقة، وهي تكتسب لدى الشاعر أبعادا أخرى، منها أن إحساس الإنسان باكتماله يتطلب شعورا بالحب، وأن يدخل في مغامرة مجهولة العواقب نحو الأنثى وتوهماتنا نحوها. الثمانينات كانت مرحلة أصيلة، والكثير من أسمائها يعملون بحيوية حتى اليوم، حتى أن الغائبين لم ينقطع أثر نصوصهم تقول: "كان يرمي بنباله في الوادي/ ليصطاد طيف امرأة/ ويتهيأ للحب..."، كيف تتجلى فكرة الحب في شعرك؟ أهي خلاص شخصي أم طريق نحو فهم أعمق للوجود؟ أعتقد أن اللهاث بالحب غريزة إنسانية عميقة، وهي تكتسب لدى الشاعر أبعادا أخرى، منها أن إحساس الإنسان باكتماله يتطلب شعورا بالحب، وأن يدخل في مغامرة مجهولة العواقب نحو الأنثى وتوهماتنا نحوها. الشعر هو مركب النجاة من شرور العالم لكنه مركب هش لا ينقذ أحدا كثيرا ما أراني أمضي في خط دائري يعيدني نحو الطفولة ومكانها ووجوهها، وأحيانا أعود إلى المناخ الجامعي في مدينة الرياض، واستعادة برهات من أجواء عملي الطويل في أرامكو، وربما التقاطع مع شعراء قدامى أو محدثين يحظون بقدسية ما لدي، لكن كل أشكال هذه العودة تشكل غبطة روحية عميقة، وأظهر فيها متشبثا بتلك البدايات وفتنتها. كيف تنظر إلى العلاقة بين الشعر والنجاة؟ هل يمكن الشعر أن ينقذ العالم، أم يكفي أن ينقذ الشاعر من نفسه؟ الشعر هو مركب النجاة من شرور العالم لكنه مركب هش لا ينقذ أحدا. ماذا صنع الشعر أمام الحروب، أمام الإبادة والفظاعات التي تجتاح العالم، الا إذا اعتبرنا توقيع البيانات المناهضة لغول الحرب والغزو شيئا يعتد به. القصيدة في جوهرها هي هجاء لكل مركبات العنف والقمع والمحو الذي يحفل به عالمنا، لكنها أضعف بكثير من إنقاذه. لا الشعر وحده، فالأدب والفن يعيشان معضلة غياب الأثر وكسب المواقع في عالم يحركه المال والصناعة والتقنية. 03 يونيو , 2026 story cover Off Label No label Promotion Article Off Show on issuepdf page Off