محمد الحمادي: السينما طوق النجاة لأدب الرعب الخليجي

يُعد الكاتب محمد الحمادي أحد المؤلفين الإماراتيين الذين خاضوا تجربة الكتابة البوليسية وفي مجال الرعب عبر أكثر من خمسة أعمال، كان أشهرها رواية «قاتل في ضواحي المدينة». وهو في هذه المساحة يتناول واقع تحديات أدب الجريمة والرعب، وكيفية التعامل معه من قبل الجمهور والنقاد.عن واقع هذه الكتابات في الوقت الراهن خليجياً وإماراتياً، ذكر الحمادي أن الرواية البوليسية قد ظهرت في الإمارات منذ وقت مبكر، وتحديداً في حقبة السبعينيات من القرن الماضي مع رواية «عنق يبحث عن عقد»، للكاتب الراحل عبدالله محمد عيسى الناوري العلي، وهو روائي وضابط شرطة إماراتي نشر روايته تلك عام 1978م. ورغم تلك البداية المبكرة، فإن هذا الأدب لا يزال في بداياته، ليس خليجياً فحسب، بل في العالم العربي بأكمله. ومع ذلك، فهو يحظى بجمهور واسع لا يقتصر على اليافعين فقط، بالتزامن مع انتشار كبير لأفلام «الزومبي» والغموض.قلقيتعمق الحمادي في هذه النقطة موضحاً أن جمهور القراء في العالم العربي يفضل الروايات والأفلام ذات الحبكة الدرامية على الأعمال البوليسية والمخيفة، أو حتى الخيال العلمي، إذ يميل القراء إلى الأعمال الأكثر واقعية المرتبطة بقضايا المجتمع والواقع اليومي، والروايات المحتشدة بأسئلة الوجود والهوية والفلسفة، أو الواقعية الاجتماعية والسياسية المعقدة. بناءً على ذلك، لا يلتفت إلى مؤلفات الفانتازيا التي تحلق في عوالم الغموض والخيال، أو حكايات الرعب والقصص الخرافية، إلا قلة من جمهور محدد، لا سيما في أوساط اليافعين. ومع ذلك، قد يقود التراكم الإبداعي لهذه المؤلفات إلى واقع جديد يستوعب أهمية هذه الكتابات، خاصة في عصرنا الحالي الذي يسوده القلق وعدم الاستقرار.عصر الصورةيقدم الحمادي سبباً يبدو مثيراً للاهتمام حول عدم انتشار أدب الجريمة والرعب في أوساط القراء، إذ يشترط تحول الأعمال الروائية إلى أفلام، كون العصر الحالي هو عصر الصورة المتحركة. فحتى الأعمال العالمية، مثل سلسلة «هاري بوتر»، تضاعف الالتفات إليها كروايات بعد تحولها إلى أفلام سينمائية. بناءً على ذلك، إذا أُريد لمؤلفات الجريمة والرعب النجاح في الخليج أو العالم العربي ككل، فلا بد من وجود إنتاج سينمائي يحتضنها ويهتم بها.وحول ما إذا كان هناك دخلاء على هذا النوع الأدبي قادوا إلى ضعف المحتوى المطروح في السوق، أشار الحمادي إلى أن قلة فقط اجتهدت وحققت نجاحاً حقيقياً. ورغم ذلك، فإن الإنتاج في مجال الروايات البوليسية تحديداً شحيح جداً، على الرغم من وجود دور نشر – في الكويت مثلاً – متخصصة في أدب الرعب والكتابات ذات الطابع البوليسي مثل دار «بلاتينيوم». غير أن ما يجعل هذا النوع من الروايات صعباً هو احتياجه إلى حبكة متقنة ومقنعة، وخيال جامح لا تحده حدود، ما يشير بالفعل إلى أن هناك كتاباً بلا موهبة حقيقية اقتحموا هذا المجال، ولكن في النهاية لن تبقى إلا الأعمال الجيدة، والقارئ دائماً هو الفيصل.وحول عدم تعامل النخب والمثقفين بجدية مع هذا اللون الأدبي، ذكر الحمادي أن المجتمع الثقافي بالفعل لا يفضل روايات الرعب، وحتى الخيال العلمي، فالنقاد لا يتعاملون بجدية مع هذا النمط الإبداعي، على الرغم من أنه يضرب بجذوره في الحكايات التراثية العربية القديمة. فالكثير من أعمال الرعب توظف القصص الخرافية، وتستجيب لروح العصر والمتغيرات الكبيرة التي طرأت على إنسان اليوم. وهذا الأمر يؤكد أن المشكلة ليست في هذا النمط الأدبي بقدر ما هي في النقد نفسه، فالنقد ليس متطوراً في العالم العربي، ويجب أن يواكب حركة السرد والرواية، ويقف على الجديد فيها، إذ إن كثيرين من النقاد يعتبرون التنازل عن الجزالة اللغوية لصالح التشويق دليلاً على ضعف أدبي، بينما هو في الحقيقة خيار فني يناسب طبيعة هذا النوع الإبداعي.ويدفع الحمادي بأن النقاد التقليديين يربطون بين هذا النوع الأدبي وضعف المحتوى، معتبرين أن الانتشار الواسع يعني بالضرورة السطحية. والواقع أن بعض الكتاب يسهمون في تعزيز هذه النظرة السلبية، بسبب غمر السوق بروايات رعب مكررة من دون حبكة حقيقية أو عمق نفسي.تعمقلفت الحمادي إلى نقطة مهمة عندما أشار إلى أن الرعب نفسه تطور إلى «رعب نفسي»، وهو ما يعد خروجاً عن الحكايات والقصص التقليدية في هذا المجال، والتي ما عادت تنال اهتمام القارئ. وفي المقابل، نجحت قلة من المؤلفين في كتابة هذا النوع من «الرعب النفسي»، فجمهور اليوم أصبح ارتباطه وثيقاً بألعاب الفيديو عبر التطبيقات المختلفة التي تحتوي على رعب نفسي، ولذا يصعب على هذه الأجيال الجديدة الاقتناع بالرعب التقليدي. وبناءً على ذلك، لا بد للكاتب من أن يتعمق في قراءة مؤلفات علم النفس الحديث، والفلسفة، والعلم الجنائي، وإلا كان مصيره الفشل.