حذّر المحامي والمستشار القانوني ناصر بن فاهد الشهراني من خطورة إهمال توثيق التعاملات المالية، موضحًا أن قضايا غسل الأموال تقوم على قرائن مثل ضخامة التحويلات والعلاقة بجريمة أصلية، ما يقلب عبء الإثبات على المتهم لإثبات مشروعية أمواله، في ظل عقوبات تصل إلى 15 سنة سجن و7 ملايين ريال ومصادرة الأموال.
يتعامل الكثيرون مع الأموال يوميًا، دون إدراك أنهم قد يواجهون اتهامات غسل الأموال في المستقبل، ليس لأنهم ارتكبوا جريمة، ولكن لأنهم لم يستطيعوا إثبات براءتهم.
وشرح المحامي والمستشار القانوني ناصر بن فاهد الشهراني، كيف يمكن أن تتطور الأمور، قائلًا: "رجل أعمال يدير نشاطًا تجاريًا حقيقيًا، يقوم بتحويلات تصل إلى مئات الآلاف شهريًا، ولديه عقود وفواتير وسجلات منتظمة، لكن إذا وُجد أن أحد شركائه أو عملائه متورط في جريمة مالية، فإن تلك التحويلات قد تتحول إلى قرائن تستخدم ضده في ملف جزائي."
تحدد المادة الثانية من نظام مكافحة غسل الأموال مجموعة من الأفعال التي تُعتبر جريمة، منها:
تحويل الأموال مع العلم بأنها متحصلات جريمة.
اكتساب الأموال أو حيازتها مع العلم بذلك.
إخفاء طبيعة الأموال أو مصدرها مع العلم بأنها متحصلات.
الكلمة المفتاحية في جميع هذه الأفعال هي: "مع علمه".
وفي الجرائم الجزائية العادية، يقع عبء الإثبات على جهة الادعاء، ولكن في قضايا غسل الأموال يكون العكس.
قال الشهراني: "النيابة العامة تبني قضيتها من خلال مجموعة من القرائن، منها حجم تحويلات غير معتاد، أو وجود علاقة بين أحد الأطراف وجريمة أصلية، أو تزامن الحركة المالية مع الجريمة الأصلية."
عندما تتوفر هذه القرائن، يصبح المتهم مطالبًا بإثبات مشروعية أمواله، وليس كافيًا أن يقول “لم أكن أعلم”، بل يجب أن يثبت أنه غير مدرك.
عند الدفاع عن المتهم، يجب التركيز على ثلاثة محاور رئيسية:
إثبات مشروعية النشاط التجاري: من خلال تقديم عقود موثقة، فواتير، سجلات ضريبية، وتاريخ تعاملات سابقة مع الطرف المشتبه به.
نفي الصلة بالجريمة الأصلية: غسل الأموال جريمة تبعية تتطلب وجود جريمة أصلية، فإذا لم يُثبت ارتباط المتهم بها، تُعتَبر الإدانة غير قائمة.
مواجهة قرينة التوقيت: حيث يُستخدم تزامن التحويلات مع الجريمة الأصلية كدليل، ويجب إثبات أن النشاط المالي نفسه كان قائمًا قبل وقوع الجريمة بفترة طويلة لتقويض هذه القرينة.
وأشار الشهراني إلى أن العقوبات في هذه القضايا أشد مما يتخيل العديدون، إذ قد تصل العقوبة إلى السجن لمدد تصل إلى عشر سنوات، وغرامات تصل إلى خمسة ملايين ريال، وفي ظروف مشددة قد تصل العقوبة إلى خمس عشرة سنة مع غرامة تصل إلى سبعة ملايين ريال.
يُضاف إلى ذلك إمكانية مصادرة الأموال المرتبطة بالجريمة حتى لو كانت بحيازة طرف ثالث، حيث يمكن أن تحكم المحكمة بمصادرة أموال بديلة تعادل قيمة المتحصلات إذا تعذرت مصادرة أموال الجريمة مباشرة.
إن الخط الفاصل بين رجل الأعمال والمتهم ليس في حجم التحويلات، ولكن في القدرة على إثبات أن تلك الحركة المالية كانت لمشروع قانوني. ومن لا يملك توثيقًا واضحًا لتعاملاته قد يجد نفسه أمام المحكمة الجزائية عُرضة للإدانة، مما يستدعي ضرورة التوثيق كوسيلة أساسية لحماية أنفسهم.