محافظ الجيزة الأسبق يضع روشتة لإدارة المدن: التخطيط وحده لا يكفي.. والتنفيذ وجودة الحياة كلمة السر

طرح الدكتور خالد زكريا العادلي، محافظ الجيزة الأسبق والأكاديمي والخبير الدولي في العمران، رؤية متكاملة لتطوير الإدارة العمرانية في مصر، مؤكدًا أن أزمة المدن لا ترتبط بالتمويل أو التشريعات فقط، وإنما تحتاج إلى منظومة إدارية قادرة على الربط بين التخطيط واتخاذ القرار والتنفيذ، مع وضع تحسين جودة حياة المواطنين في مقدمة أهداف التنمية.

جاء ذلك خلال محاضرة ألقاها العادلي ضمن فعاليات «البرنامج الوطني لإعداد كوادر المحليات»، الذي ينظمه معهد الوفد للدراسات السياسية والاستراتيجية، تحت رعاية الدكتور السيد البدوي شحاتة، رئيس حزب الوفد، وبإشراف النائبة الدكتورة مارجريت عازر، نائب عميد المعهد، بهدف إعداد كوادر شابة مؤهلة للمشاركة في العمل العام والإدارة المحلية.

وخلال المحاضرة الرابعة للبرنامج، استعرض العادلي عددًا من القضايا المرتبطة بإدارة المدن المصرية، إلى جانب تجارب من واقع عمله التنفيذي، مع تقديم تصور تطبيقي لتطوير مدينة الجيزة وتحسين منظومة النقل والخدمات والمساحات العامة.

واستهل محافظ الجيزة الأسبق حديثه بالتأكيد على أن تقييم المدن لا يجب أن يعتمد فقط على حجم المشروعات المنفذة، وإنما على مدى انعكاسها على حياة المواطنين.

وأوضح أن جودة الحياة ترتبط بسهولة الوصول إلى الخدمات الصحية والتعليمية، وتوفير المساحات الخضراء والمناطق المفتوحة، ووجود خدمات ثقافية وترفيهية، فضلًا عن توفير الأمن والسلامة للمواطنين والمشاة.

وشدد على ضرورة أن يكون تصميم المدن موجهًا لخدمة الإنسان وليس السيارة، مع الحد من مصادر التلوث البيئي والسمعي والبصري.

واستعرض العادلي جانبًا من خبرته الدولية، مشيرًا إلى ترؤسه سابقًا لهيئة «حيوية المدن» في إنجلترا، المعنية بتقييم استدامة وحيوية المدن وفق معايير محددة.

وحدد العادلي ثلاثة محاور رئيسية لرؤيته، تتمثل في تشخيص أسباب الوضع العمراني الراهن، ووضع مفهوم واضح للإدارة العمرانية الفاعلة، ثم الانتقال إلى نموذج تطبيقي لتطوير مدينة الجيزة.

وقال إن المدينة تشبه الكائن الحي؛ فالمباني تحتاج إلى صيانة مستمرة، بينما تمتد دورة حياة المدن لعقود طويلة، ما يجعل إدارتها عملية مستمرة وليست مشروعًا مؤقتًا.

ورأى أن أخطاء المخططات العمرانية والتمويل والتشريعات ليست وحدها أسباب التعثر، مشيرًا إلى أن توافر فكرة واضحة وتمويل أولي يمكن أن يساعد في جذب استثمارات القطاع الخاص، بينما تظل كفاءة الإدارة وقدرتها على تحويل الخطط إلى مشروعات قابلة للتنفيذ عنصرًا حاسمًا.

كما تناول ظاهرة التوسع الحضري المتسارع، وما يصاحبها من ضغوط على شبكات المرافق والطرق والخدمات، مؤكدًا أن الزيادة السكانية يجب أن تقابلها خطط عمرانية تستبق الاحتياجات المستقبلية.

وأكد العادلي أن الإدارة العمرانية الناجحة تقوم على الربط بين الرؤية والقرار والتنفيذ، بداية من تحديد نقاط القوة والضعف والفرص والمخاطر، مرورًا بوضع أهداف قابلة للقياس، وصولًا إلى تقييم النتائج الفعلية للمشروعات.

وأشار إلى أن نجاح المشروع لا يقاس بمجرد إنجازه، وإنما بمدى تحقيقه للهدف المطلوب وكفاءة استخدام الموارد.

وضرب مثالًا بأعمال التشجير التي قد تستهلك كميات كبيرة من المياه دون أن تحقق الظل الكافي للمشاة، مؤكدًا أن معيار التقييم يجب أن يكون الأثر الفعلي للمشروع على المواطن.

كما شدد على أهمية إدارة أصحاب المصلحة، بما يشمل القطاع الخاص والمجتمع المدني وأصحاب الأنشطة التجارية، بدلًا من الاعتماد على الإجراءات الأمنية وحدها في التعامل مع المشكلات العمرانية.

واستعرض محافظ الجيزة الأسبق تجربته في التعامل مع إشغالات الأرصفة في شارع فيصل، موضحًا أن الحل لم يكن في الإزالة فقط، وإنما في النزول إلى الشارع والتواصل مع أصحاب المحال والأكشاك وإقناعهم بأهمية إعادة الأرصفة إلى وظيفتها الأساسية لخدمة المشاة.

وأشار إلى أن تغيير استخدامات الأراضي والأنشطة التجارية ينعكس بصورة مباشرة على حركة المرور وقيم العقارات، وهو ما يتطلب الاعتماد على كوادر فنية متخصصة قادرة على دراسة الآثار المترتبة على القرارات قبل اتخاذها.

واستعرض العادلي مجموعة من الأهداف التي ينبغي أن تعمل الإدارة العمرانية على تحقيقها، من بينها:

وأوضح أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب دورة عمل تبدأ بالتخطيط الاستراتيجي والتفصيلي، ثم التنسيق بين الجهات المختلفة، وتوفير البيانات والموارد، يلي ذلك التنفيذ والتشغيل والصيانة، ثم المتابعة والتقييم.

وشدد على أهمية استخدام قواعد البيانات ونظم المعلومات الجغرافية «GIS» في دعم القرار، محذرًا من الاستعجال في التخطيط بما قد يؤدي إلى أخطاء يصعب علاجها لاحقًا.

وتناول العادلي عددًا من المفاهيم الحديثة في تخطيط المدن، من بينها نموذج «مدينة الـ15 دقيقة»، الذي يقوم على إعادة توزيع الخدمات والأنشطة بما يسمح للمواطن بالوصول إلى احتياجاته الأساسية والمدارس والمتاجر خلال مسافات قصيرة يمكن قطعها سيرًا.

كما دعا إلى تطوير منظومة نقل متكاملة ومتعددة الوسائط تضم الحافلات السريعة «BRT» والمترو والنقل النهري ومسارات الدراجات، بما يقلل الاعتماد على السيارات الخاصة.

وأكد أهمية الحفاظ على الهوية العمرانية والثقافية لكل حي، إلى جانب تعزيز المشاركة المجتمعية والاستفادة من العمالة المحلية.

وانتقل محافظ الجيزة الأسبق إلى الجانب التطبيقي من رؤيته، مستعرضًا مخططًا استثماريًا وعمرانيًا سبق أن طرحه لتطوير المدينة.

وأشار إلى تمكنه خلال فترة توليه المسؤولية من جمع نحو 82 مليون جنيه من متأخرات إيجارات غير محصلة، وتخصيصها لتطوير حديقة الأورمان.

كما تضمن التصور تطوير منظومة النقل من خلال إدخال نظام الحافلات السريعة «BRT»، باعتباره خيارًا يمكن أن يوفر قدرة استيعابية تصل إلى نحو 35 ألف راكب في الساعة، مع تكلفة إنشاء أقل من بعض بدائل النقل الثقيلة.

وتناول المخطط إنشاء محطات تبادلية كبرى تربط بين المترو والقطارات وحافلات «BRT» والنقل النهري، إلى جانب إنشاء جراجات ومراكز خدمية وتجارية مرتبطة بمنظومة النقل.

وتضمن التصور كذلك نقل جزء من حركة السيارات أمام جامعة القاهرة إلى أنفاق تحت الأرض، بما يسمح بإنشاء ساحات مفتوحة للمشاة وربط الجامعة بالمناطق الخضراء المحيطة.

كما تناول العادلي فرص تطوير المناطق المطلة على النيل، والاستفادة من الأراضي والمواقع ذات القيمة الاقتصادية في توفير موارد جديدة يمكن توجيهها إلى تطوير الخدمات والمرافق.

وتطرق العادلي إلى عدد من التحديات التي تواجه الإدارة المحلية، من بينها ضخامة عدد السكان الذين تخدمهم بعض الأحياء، وانشغال رؤساء الأحياء بصورة مستمرة بالتعامل مع المشكلات اليومية، على حساب التخطيط طويل الأجل.

كما أشار إلى نقص المكاتب الفنية المتخصصة التي تقدم الدعم الفني لصانع القرار، وضعف الحماية القانونية للمتخصصين، معتبرًا أن هذه العوامل قد تؤدي إلى حالة من التردد في اتخاذ القرارات.

ودعا إلى الاستعانة بتكنوقراط متخصصين، وإنشاء مكاتب فنية قوية داخل المحافظات، مع الفصل الواضح بين الدور السياسي والتنفيذي للمسؤول والدور الفني القائم على الدراسات والبيانات.