مجموعة قصصية… مقطع في مخ رجل مجنون

إلى صوت الماضي، وأنين الحاضر، وعذابات المستقبل، دعوة كي ننتحب سويًا على عقد اللؤلؤ، الذي انفرط وذاب في العليين.

المؤلف

و أو ».. لم يكن مجرد حرف، بل شفرةً سرية تختزل المسافات بين الأمر وتنفيذه. كان عهدًا مبرمًا بالثقة؛ فما إن أسكب تفاصيل مهامي في أذنه حتى يحيلها واقعًا بدقةٍ متناهية، وكأنما جُبلت طينته لتطويع الصعاب واستدراج المستحيل إلى حيز الممكن.

لكن الأقدار لا تستأذن أحدًا؛ ففي غفلةٍ من الزمن رحل، مخلّفًا وراءه فراغًا موحشًا لم أدرك شساعته إلا حين استبدّ بي الغياب. لم يكن مجرد جنديٍّ في محرابي، بل كان الرئة التي تتنفس بها الإدارة برمتها، يفيض بنبله على الصغير والكبير بروحٍ سمحة لا تعرف الكلل. ومع ذلك، كان يسيّج جهده بكبرياءٍ خفي، يمارس حريته المطلقة في اختيار من يهبهم عصارة تفانيه، متحدثًا بلغةٍ فطرية تلامس شغاف القلوب بعيدًا عن تقعر المتفلسفين. فلسفته في الحياة كانت ناصعة: «أنا حرٌ في منح ولائي لمن أحب».

كان رجلًا يسكن جلباب البساطة؛ لا تطاول أحلامه عنان السماء كبرًا، بل تنغرس جذورها في تربة بيته. كل طموحه أن يرى أبناءه الستة في ذرى المراتب، وأن يظل خادمًا أمينًا لمن استوطنوا قلبه. ويا له من طموحٍ باذخ حين يكون الحب هو المحرك والغاية.

اذكر ذات ليلة حين كان «و أو » يرتكن إلى مقعده الخشبي العتيق أمام باب المكتب، غارقًا في طقوس وفائه الخاصة. كان يخط بريشة الحنين صورة امرأة بسيطة الملامح، ينمّق ثيابها ويجدل ضفائرها بتركيزٍ صوفيّ، كأنما يجدف بمجاديف التبتل في ملكوت ذكرياته.

وقفتُ أرقب ذلك الالتحام الروحي المهيب، ولم يشعر بوجودي إلا حين فرغ من تجسيد طيفه. عندها قبّل الورقة باشتياق مكلوم هدّه البعاد، وطفرت من عينيه دمعتان اختصرتا حكاية حنينٍ لا ينقضي.

لملم أوراقه في ارتباكٍ مهيب، دافنًا صورة محبوبته في طيات ثيابه كمن يوارى سرًا مقدسًا. مسح براحته ما ترقرق من وجعه، ليدخر ما تبقى من تلك الدموع في حصالة عمره المكتظة بصبرٍ أيوبيّ لا ينفد. وحين رآني انتفض واقفًا، وقد صبغت حمرة الخجل وجنتيه، رسم ابتسامةً شاحبة وقال بعينيه دون كلمات: «إياك أن تخدش صمتي بالبوح، أو تخرج أسراري من مكمنها".

حين غلبني الفضول وحاولتُ مداعبته باستلاب الصورة من بين أنامله المرتجفة وفاءً، انتفض في استماتةٍ وجودية كمن يدافع عن رمقه الأخير. وأمام إصراري، آثر الانسحاب والتواري، فاختفى من أمامي للمرة الأولى في تاريخ خدمته دون استئذان، منزويًا عن العالم أجمع في عزلةٍ اختيارية، تاركًا إياي وحيدًا أعافر لوغاريتمات تلك الملامح الغامضة المرسومة في مخيلتي.

وفي قلب وسط المدينة، حيث ينهش زحام الرصيف أفئدة الجموع، وجدتني غارقًا في لجةٍ من البشر. فجأةً اندلعت مشاجرة ضارية أمام إحدى الحانات العتيقة التي تفوح منها رائحة النسيان، تلك التي اشتهرت بقدمها وبخمرها الذي يغتال العقول.

كانت المشاهد سريالية؛ الأكف تتلاطم على الوجوه في جنون، وقبضات الأيدي تهشم زجاج ملامح البشر وكأنها تكسر مرايا أرواحهم. ومن قلب هذا الجحيم المستعر، قُذف بـ «و أو » من خلف الحشود؛ كان ثملًا يترنح بين الوجود والعدم. ارتمى في حضني، فالتقطته بين ذراعي كمن يلتقط بقايا وطنٍ محطم، وحين تلاقت عيناي بعينيه، رأيت فيهما نظرة سقوطٍ مريعة، توسلًا خفيًا يرجو الانتهاء والفرار من هذا العبث.

بدأنا نركض، نهرول سويًا في محاولة يائسة لطوي الأرض تحت أقدامنا والنجاة من ذلك المستنقع. لكن عبثًا حاولنا؛ فكأنما الشجار قد استحال كائنًا أسطوريًا يطاردنا، يلاحق أنفاسنا لأكثر من ساعة دون أن يكلّ أو يتراجع. وفي لحظةٍ مباغتة، وبينما كنت أتشبث بوجوده، ذاب «و أو » فجأةً بين مسامات الجموع، وتلاشى كدخان وسط الزحام، منهيًا الموقف بطريقته الخاصة، تاركًا إياي أعالج غصة الفقد ودهشة الغياب.

في صباح اليوم التالي، جئت أسبق الضوءَ إلى ردهات المكتب، لكنني وقفت مبهوتًا أمام الباب الذي ألفيتُه موصدًا في وجهي. ولأول مرة منذ سنوات طوال، أراه مغلقًا في ساعةٍ كانت تضجُّ فيها مفاصله بالحياة بفضل حضور «و أو ».

ساد الارتباك في المكان، وعجز الجميع عن تفسير هذا الغياب المريب؛ فانطلقت ألسنة الزملاء تلوك التكهنات، يرمون بغيابه في سلة المرض والوعكات الصحية. أما أنا، فكنت أصمُّ أذني عن لغوهم؛ فأنا أرفض أن ينال الوهن من «و أو ». لقد قال لي ذات مرة: «المرض لا يسكن إلا الأجساد الذليلة، وأنا يا سيدي لم ولن أُذلَّ لعلةٍ أبدًا».

كنت أستحضر طيفه وهو يشدو ببعض روائع أم كلثوم، يغني بوجدٍ حتى تذرف عيناه لؤلؤًا غزيرًا. وحين كنت أقتحم خلوتَه بسؤالٍ مباغت:

«أنا عازمك على واحد وأو (قهوة).. إيه رأيك؟».

هرولتُ مدفوعًا بفضولٍ يمزقه الحنين إلى تلك الصورة التي خطّ خطوطها بوجده منذ ليالٍ خلت. أمعنتُ النظر في تقاسيمها، فداهمني شعورٌ مربك بأنني أعرف صاحبة هذه الملامح حق المعرفة؛ فهي تتشابه في رقتها مع أخريات ممن ألفتُ رؤيتهن يترددن على مكتبي، لكن ثمة سرًا في تلك الخطوط لا يدركه سواه. وفي لحظةِ يأسٍ وانكسار، شرعتُ أبواب غرف قلبي الموصدة، فانفجر من أعماقها صراخٌ مكتوم ونداءٌ يمزق الصمت:

لكن نداءاتي ذهبت سدى؛ فقد تبخر 'و أو ' وهام في ملكوتِ عوالمٍ قصية لا أقوى على إدراك كنهها. ذهب وتركني في عراء الوحدة، أحاول عبثًا فك شفرة هذا اللغز الأزلي.. لغز صاحبة الصورة التي أضحت وجهًا لكل النساء، ولا وجه لها في آنٍ واحد.

"جاء ابنه ليحلَّ في مكانه، وكأنَّ 'و أو ' قد دسَّ في جعبة روحه كشفًا بأسماء محبيه، فظل الولدُ مرتبطًا بي، متمسكًا بخدمتي بذات الشغف الذي كان يسكنُ أباه من قبل. حاولتُ، مدفوعًا بفضولٍ ينهشُ صدري، أن أتسلل إلى عوالم 'و أو ' الخفية من خلال هذا الوريث الصغير؛ فأومأتُ إليه أن يزيح الستار عن لغز 'صاحبة الصورة'.

فأشرتُ بسبابةٍ ترتجفُ شوقًا إلى ضلفة دولابي، وأخبرته عن تلك الورقة المطوية بعناية على الرف العلوي. أخرجها الفتى، وشرع يتفحصها بتركيزٍ يحاكي ذهولي، لكن ملامحه لم تسفر إلا عن دهشةٍ بلهاء أصابتني بخيبة أملٍ مريرة. استبدَّ بي الغضبُ، فثارت ثائرتي وسررتُ في وجهه بصفاتٍ قاسية لم أعهد أن أصف بها أحدًا من ذي قبل.

انتفضتُ من خلف مكتبي كالذبيح، وخطفتُ الورقة من بين يديه في اندفاعةٍ يائسة، لأعيد قراءة تلك الملامح التي استوطنت خيالي.. لكن الصدمة كانت صاعقة؛ فالورقةُ التي ظننتُها نُقشت بدم القلب وتفاصيل العشق، لم تكن سوى مساحةٍ بيضاء قاحلة، خالية من أيِّ خطٍّ أو أثر. حينها أدركتُ أن الصورة لم تكن يومًا فوق الورق، بل كانت تجليًا لروح 'و أو ' التي رسمتْ ما لا يُرى، وتركتني أعافرُ الفراغ وحدي."

"تمت هذه المناجاة بقلم:د. حسن علي زين العابدينفي الخامس والعشرين من يناير لعام ألف وتسعمائة وواحد وتسعين،حين كان الغيابُ شاهدًا، والبياضُ أبلغَ من كلِّ حرف."