مجلس الشورى.. مسيرة عطاء متجددة

دعم مسيرة التنمية الحضارية لتحقيق أهداف رؤية 2030 أُسّس عام 1343هـ في عهد الملك عبدالعزيز باسم (المجلس الأهلي) في مكة اهتم جلالة الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- منذ بدايات التأسيس بالشورى، حيث أخذت الشورى في عهد جلالته عدة أشكال، بدايتها المجالس الأهلية والهيئات الاستشارية، والمستشارون لجلالته واللجان المتخصصة وأهل العلم والأعيان ورؤساء العشائر والقبائل، بحيث تم أولًا إنشاء المجلس الأهلي عام 1343هـ وهو مجلس استشاري ضم 12 عضوًا من أهالي مكة كل واحد منهم يمثل أحد حاراتها الاثني عشر، اختارهم الملك بنفسه ليتشاور معهم في شأن تنظيم المواد الأساسية المتعلقة بإدارة البلاد، باستثناء الأعمال العسكرية والخارجية، وفي عام 1344هـ أُلغي وأُحل المجلس الشوري الأهلي مكانه، ولما اتضحت معالم المؤسسات الإدارية في الدولة قرر جلالته دمج هذا الجهاز في عام 1345هـ مع المجلس الاستشاري الذي صدر الأمر بتشكيلة ليكون إلى جانب نائب الملك في مكة فيصل بن عبد العزيز آل سعود، وبعد المزاوجة بين المجلسين بموجب الأمر الملكي في تاريخ 1346 هـ، تحول مسماه من المجلس الشوري الأهلي إلى مجلس الشورى وصار النظر في الأمور التي تعرضها عليه النيابة العامة ورفعها بعد درستها إلى الملك للموافقة عليها من أبرز مسؤولياته، وبات يضم أعضاء متفرغين برئاسة النائب العام للملك وثمانية أعضاء آخرين، وافتتح الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- مجلس الشورى في يوم الأربعاء بتاريخ 14 / 1 / 1346هـ الموافق 13 / 7 / 1927م، وترأس الجلسة الأولى صباح يوم الأحد الموافق 18 / 1 / 1346هـ، وقال فيه: علينا اتباع ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله محمد تنفيذا لأمره سبحانه وتعالى حيث قال: «وشاورهم في الأمر»، ثم قال (ولو لم يكن من مصالح الشورى إلا إقامة السنة وإزالة البدعة لكفت)، وفي عام 1349هـ - 1930م أعيد تكوين مجلس الشورى في دورته الجديدة التي استمرت حتى نهاية 1350هـ - 1931م، وفي عام 1351هـ تكون مجلس الشورى الثاني، واستمر عمل الدورة الأولى، وجدد لأعضائه للفترة الثانية وذلك عام 1353هـ - 1934م، الذي استمر حتى انتهاء دورته الثانية بنهاية عام 1354هـ، وفي غرة شهر محرم لعام 1355هـ أعيد تكوين مجلس الشورى، الذي يضم رئيس المجلس ونائبه والنائب الثاني للمجلس وعشرة أعضاء متفرغين واستمر العمل حتى أعيد تكوين مجلس الشورى في عام 1372هـ والذي يعد آخر مجلس للشورى في عهد الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه-، وقد خرج هذا المجلس بثوب جديد حيث ضم عشرين عضواً بدلا من ثلاثة عشر، واستمر العمل بمجلس الشورى كهيئة استشارية ذات مسؤولية مستقلة حتى صدر نظام مجلس الوزراء السعودي في 1373هـ، الذي اضطلع ببعض من مسؤوليات مجلس الشورى، واستمرت مسيرة الشورى من بعد جلالة الملك عبد العزيز، إذ أكد ذلك الملك فيصل في بيان عام 1382هـ، كما أكد على ذلك الملك خالد عام 1400هـ - عندما أمر بمراجعة نظام مجلس الشورى، ودراسة إصدار نظام أساسي للحكم، ولقد رسخ الملك فهد بن عبد العزيز دعائم الشورى في المملكة، وجاء ذلك في خطابه التاريخي الذي ألقاه يوم 27 / 8 / 1412هـ عن اقامة نظام جديد لمجلس الشورى بمثابة تحديث لما هو قائم وتطوير له، عن طريق تعزيز أطر المجلس ووسائله وأساليبه من الكفاية والتنظيم والحيوية، وبما يتناسب مع التطورات المتلاحقة التي شهدتها البلاد خلال الحقبة الأخيرة في مختلف المجالات، وبما يواكب واقع العصر الذي نعيشه، ويتلاءم مع أوضاعه ومعطياته، حيث قال في كلمته: (ونحن اليوم، إذ نواصل هذا النهج الإسلامي الذي سار عليه الملك عبد العزيز انما نرسخ بذلك دعائم الشورى بأسلوب يقوم على أسس واضحة واختصاصات بينة، منطلقين من مفهومنا العميق لهذا النهج الإسلامي الثابت الذي جاء في كتابه العزيز «لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه»، ومن أهم ملامح نظام مجلس الشورى الحالي - الذي جاء بعد دراسات عميقة استمرت عدة سنوات - أنه يقوم - كما نصت المادة الثانية منه - على الاعتصام بحبل الله، والالتزام بمصادر التشريع الإسلامي، ومهمته إبداء الرأي في السياسات العامة للدولة التي تحال إليه من الملك، وله على وجه الخصوص: مناقشة الخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وإبداء الرأي نحوها، ودراسة الأنظمة واللوائح والمعاهدات والاتفاقيات الدولية والامتيازات واقتراح ما يراه مناسبا، وتفسير الأنظمة، ومناقشة التقارير السنوية التي تقدمها الوزارات والأجهزة الحكومية الأخرى واقتراح ما يراه حيالها، كما يحق لكل عشرة أعضاء في المجلس اقتراح نظام جديد، أو تعديل نظام نافذ وعرضه على رئيس المجلس، الذي يقوم بدوره برفع الاقتراح إلى الملك. وتصدر قرارات المجلس بموافقة أغلبية أعضائه وليس بأغلبية الحاضرين ولا تصح جلسات المجلس إلا بحضور أكثر من ثلثي المجلس، ومدة دورة المجلس أربع سنوات هجرية. «الشورى» الشورى مبدأ إسلامي، يستمد مشروعيته من القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة، وهي منهاج مرتبط بالشريعة الإسلامية، كما هي قاعدة عميقة الجذور، واسعة النطاق في نفوس الأفراد، وفي كيان المجتمع المسلم، وتعرف الشورى بأنها: تبادل الآراء، ووجهات النظر في قضية من القضايا، أو موضوع من الموضوعات، واختبارها من أصحاب الرأي والخبرة، وصولاً إلى الصواب، وأفضل الآراء، من أجل تحقيق أحسن النتائج، فهي آراء تتولد من خلاصة فكر وتجربة، وجهد وبحث، ودراسة، وعلم وخبرة، وذلك في إطار يتمشى مع الشريعة ولا يخالف الكتاب والسنة، والشورى، صورة من صور المشاركة في الحكم، تستمد جذورها من أصول الدين وجذوره، وهي من أهم المبادئ الشرعية التي يقوم عليها النظام السياسي في الإسلام، والشورى في الإسلام ليست خاصة بنظام الحكم ولكنها تطرق كل الميادين والمستويات ولا سيما الاجتماعية منها، وهي سمة من سمات المسلمين، وللشورى أهمية كبرى في أي تنظيم كان، أو أي جماعة من الجماعات، وعليها ترتكز الدولة المسلمة التي تنشد لرعاياها الأمن والاستقرار، وهكذا نجد الشورى من المفاهيم التي رسخت جذورها في المجتمع الإسلامي، وأصبحت تميز نظام الحكم في الإسلام، والمتتبع لتاريخ الحكم في المملكة منذ تأسيسها يجد أنه قام على منهج الشورى ، الذي استمر دون انقطاع منذ عهد المؤسس الراحل جلالة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- حتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله-، وتعد تجربة الشورى في المملكة تجربة ثرية في مراحل تطورها، وفي ممارستها وما شهدته من نقلات تطويرية عبر تاريخها لتتواكب مع مستجدات العصر والمتغيرات الداخلية والخارجية، حيث مرت الشورى بمراحل عدة منذ دخول الملك عبدالعزيز آل سعود -يرحمه الله- مكة المكرمة عام 1343هـ إبان توحيد المملكة، حيث دعا آنذاك إلى الشورى، وجعلها ركيزة أساسية في حكمه، تثبيتاً لأمر المشاورة وفق الأسس الشرعية، وهي أساس لدولة إسلامية، دستورها الكتاب والسنة. «الأعضاء» بلغ عدد أعضاء أول مجلس في 24 / 5 / 1343هـ ، وأطلق عليه: المجلس الأهلي الشورى (12) عضواً، وفي العام 1412هـ (1992م) أعاد الملك فهد بن عبدالعزيز صياغة وتأسيس المجلس بنظامه الجديد الذي ضم 60 عضواً بالإضافة إلى رئيس المجلس، وفي دورته الثانية أصبح المجلس مكونا من رئيس وتسعين عضوا، وجاءت الدورة الثالثة من رئيس ومئة وعشرين عضواً، من أهل العلم والخبرة والاختصاص فهو يضم العلماء والمتخصصين في التربية والتعليم والطب والقانون والهندسة، والإعلام، والسياسة، والاقتصاد، والأمن، ورجال الأعمال، وأصحاب مؤهلات عالية متمرسين بأعمال كثيرة، إذ يبلغ حملة شهادة الدكتوراه (64 %) من مجموع الأعضاء، والماجستير (14 %) وبكالوريوس (21 %)، منهم (80 %) من حملة الماجستير والدكتوراه من جامعات غربية، والبقية من المملكة العربية السعودية، وجمهورية مصر العربية، وفي 11 يناير 2013 أصدر الملك عبدالله بن عبدالعزيز أمراً ملكياً بتعديل نظام مجلس الشورى على أن يتكون من 150 عضواً، وأن يكون 20 % منهم على الأقل من النساء. اهتمام.. ورعاية يحظى مجلس الشورى بالمملكة بدعم ومتابعة القيادة، ففي الدورة الثامنة لمجلس الشورى وبتاريخ 14 جمادى الآخرة 1445هـ افتتح صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء نيابة عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله-، أعمال السنة الرابعة من الدورة الثامنة لمجلس الشورى، حيث ألقى سموه نيابة عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظه الله-، الخطاب الملكي السنوي، قال سموه فيه: نيابة عن سيدي خادم الحرمين الشريفين -حفظه الله- بعون الله وتوفيقه نفتتح أعمال السنة الرابعة لمجلس الشورى في دورته الثامنة، ونحمد الله على ما منَّ به علينا من نعمٍ كثيرة، وعلى ما تحقق من إنجازات ضخمة في مختلف الأصعدة، إن بلادكم ماضية في نهضتها التنموية وفق رؤية 2030 وبرامجها الطموحة، التي ستسهم بمشيئة الله في محافظة المملكة على مكانتها المتقدمة عالمياً، وتحقيق المزيد من التطور والازدهار وتوفير سبل الحياة الكريمة للمواطنين، ولقد حققت بلادنا مراكز متقدمة في العديد من المجالات، بما في ذلك تقدمها في أكثر من 50 % من مؤشرات التنمية المستدامة للأمم المتحدة، وتطور الاقتصاد السعودي ليكون الأسرع نمواً، على مستوى دول مجموعة العشرين في عام 2022م، بمعدل 8.7 %، نمواً في الناتج المحلي، وكذلك نمواً في الناتج المحلي غير النفطي بنحو 4.8 %، والوصول ضمن الدول العشرين الأكثر تنافسية في العالم، كما حققت بلادنا في مجال السياحة أداءً تاريخياً، في الربع الأول من عام 2023م نمواً بنسبة 64 %، وسنواصل العمل في مسيرة التحول الاقتصادي وفق مستهدفات الرؤية، وإن ما تحقق من نتائج إيجابية، يبشر بمزيد من النجاحات لتحقيق إصلاحات اقتصادية، وتقوية المركز المالي للمملكة بما يعزز النمو الاقتصادي الشامل لبلادنا، وحرصاً على تيسير أداء مناسك الحج والعمرة، لأكبر عدد ممكن من الحجاج والمعتمرين؛ فقد رحبت المملكة بأكثر من (1,800,000) مليون وثماني مئة ألف حاج أدوا مناسك الحج، وأكثر من (10,000,000) عشرة ملايين معتمر خلال العام الماضي، ويعد ذلك من نتائج برنامج خدمة ضيوف الرحمن أحد برامج رؤية 2030، وانطلاقاً من مكانة المملكة التي تحظى بها على المستويين الإقليمي والدولي، وحضورها المؤثر على جميع الأصعدة عملت المملكة على توثيق علاقاتها البناءة مع الدول الشقيقة والصديقة، حيث استضافت عدداً من القمم الكبرى جمعت أكثر من (100) دولة في العام الماضي، وإن اختيار المملكة لاستضافة معرض إكسبو 2030، يأتي تأكيداً لما تحظى به من مكانة وثقة عالمية، ولتكون واجهة مثالية لاستضافة أبرز المحافل العالمية. المؤسس الراحل اهتم بالشورى منذ البدايات ولي العهد يفتتح أعمال السنة الرابعة من الدورة الثامنة لمجلس الشورى إحدى جلسات مجلس الشورى 1372هـ إعداد: حمود الضويحي