الحوثيون يوسعون دائرة الاعتداءات.. ومجلس الأمن يواجه امتحان الردع الدولي منذ أن تحولت الأزمة اليمنية إلى نزاع مسلح واسع النطاق، أصبح مجلس الأمن الدولي أحد الأطراف المؤسسية الرئيسية المعنية بتحديد الإطار القانوني والسياسي للتعامل مع تطوراتها، بما يمتلكه من صلاحيات بموجب ميثاق الأمم المتحدة لحفظ السلم والأمن الدوليين، وإصدار القرارات الملزمة، وفرض العقوبات، وإنشاء آليات الرقابة، ودعم جهود الوساطة السياسية. وقد اكتسب هذا الدور أهمية متزايدة مع اتساع نطاق العمليات العسكرية، وامتداد الهجمات إلى أراضي المملكة، وتصاعد التهديدات التي تستهدف الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، لتصبح الأزمة اليمنية قضية تتصل بأمن الدول المجاورة واستقرار الاقتصاد العالمي وحماية طرق التجارة والطاقة. ويستند تدخل المجلس في الملف اليمني إلى سلسلة من القرارات التي تناولت العملية السياسية، والعقوبات على الأفراد والكيانات، وحظر توريد الأسلحة إلى الجهات المشمولة بالتدابير، إلى جانب القرارات المرتبطة بحماية الملاحة الدولية. ويبرز القرار 2216 الصادر عام 2015 بوصفه أحد أهم المرجعيات القانونية في هذا الملف، إذ فرض تدابير تتعلق بحظر الأسلحة على أشخاص وكيانات محددة، وطالب الحوثيين باتخاذ خطوات من بينها وقف استخدام العنف والانسحاب من المناطق التي استولوا عليها، في إطار جهود إعادة العملية السياسية. وتضع هذه التطورات مجلس الأمن أمام مسؤولية تحويل القرارات والإدانات إلى إجراءات فاعلة تحد من الاعتداءات، وتكفل حماية المدنيين، وتسهم في إعادة الأطراف إلى مسار التسوية السياسية، بما يعزز دوره في حفظ السلم والأمن الدوليين. ويكتسب موقف مجلس الأمن من الاعتداءات على المملكة أهمية سياسية وقانونية تتصل بمسؤولية المجتمع الدولي عن حماية السيادة الوطنية والأمن الإقليمي، إذ يرتبط بحق الدولة في حماية سيادتها وسكانها، وبالمسؤولية الدولية عن منع امتداد النزاعات المسلحة إلى الدول المجاورة. كما يثير استمرار التهديدات الحوثية للملاحة الدولية تساؤلات بشأن فعالية العقوبات وحظر الأسلحة وآليات الرقابة الدولية، ومدى قدرتها على الحد من وصول المعدات والتقنيات المستخدمة في الهجمات. ومن هنا تبرز أهمية تقييم الدور الذي اضطلع به مجلس الأمن عبر قراراته المتعاقبة، وتحليل أدواته القانونية والسياسية، والوقوف على حدود سلطته في تنفيذ قراراته، واستشراف ما يمكن أن يقدمه لمعالجة الأزمة اليمنية وحماية الأمن الإقليمي والدولي. حفظ السلم والأمن في اليمن يستمد مجلس الأمن الدولي صلاحياته من ميثاق الأمم المتحدة، الذي أسند إليه المسؤولية الرئيسية عن حفظ السلم والأمن الدوليين، ومنحه سلطة اتخاذ تدابير تتدرج من الدعوة إلى التسوية السلمية وفرض العقوبات إلى إجازة إجراءات أكثر صرامة وفق الشروط التي يحددها الميثاق. ويتكون المجلس من خمسة عشر عضوًا، بينهم خمسة أعضاء دائمون يمتلكون حق النقض، وهو ما يجعل القرارات المتعلقة بالنزاعات الدولية مرتبطة بالتوافقات السياسية بين القوى الكبرى، إلى جانب الاعتبارات القانونية والإنسانية التي تحكم عمل المنظمة الدولية. وفي اليمن، بدأ الدور المؤسسي للمجلس قبل اتساع الحرب عام 2015، عندما تابع عملية الانتقال السياسي التي أعقبت المبادرة الخليجية، وأصدر قرارات تدعم الحوار الوطني وتحذر من الإجراءات التي تهدد الاستقرار. ثم انتقل إلى فرض تدابير عقابية على الأفراد والكيانات التي تعرقل العملية السياسية، في محاولة لاستخدام أدوات القانون الدولي للحد من العنف وحماية المؤسسات اليمنية. ومع توسع سيطرة الحوثيين على مناطق يمنية ودخول البلاد مرحلة جديدة من المواجهة المسلحة، أصدر المجلس القرار 2216 في الرابع عشر من أبريل 2015، الذي أصبح من أبرز المرجعيات الدولية في التعامل مع الأزمة. وقد تضمن القرار مطالب تتعلق بوقف العنف والانسحاب من المناطق التي سيطر عليها الحوثيون، وتسليم الأسلحة التي استولوا عليها من المؤسسات العسكرية والأمنية، إلى جانب تدابير حظر الأسلحة على الجهات والأشخاص المشمولين بالعقوبات. وتنبع أهمية القرار من كونه صادرًا بموجب الفصل السابع من الميثاق، الذي يتيح للمجلس اتخاذ تدابير ملزمة لمعالجة التهديدات التي تمس السلم والأمن الدوليين. ومع ذلك، فإن صدور قرار تحت الفصل السابع لا يعني تلقائيًا تفويضًا باستخدام القوة العسكرية، إذ يتطلب ذلك نصًا واضحًا يحدد طبيعة الإجراءات المأذون بها ونطاقها. وقد استمر المجلس في متابعة النزاع عبر الإحاطات الدورية التي يقدمها المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، وتقارير فريق الخبراء المعني بالعقوبات، والمداولات المتعلقة بالأوضاع الإنسانية والأمنية. وتسمح هذه الآليات بتكوين صورة عن تطورات النزاع، ومدى الالتزام بالقرارات، والتهديدات التي تواجه السكان والمنشآت، لكنها تعتمد في فعاليتها على تعاون الدول والأطراف المعنية وتنفيذ الالتزامات الدولية. وفي التاسع من أكتوبر 2026، قدم المبعوث الأممي هانس غروندبرغ إحاطة إلى مجلس الأمن، حذر فيها من عودة اليمن إلى حرب واسعة النطاق، مع امتداد الأعمال القتالية إلى جبهات متعددة، واستمرار المواجهات في مناطق غرب وجنوب تعز ولحج، والتطورات العسكرية المرتبطة بساحل البحر الأحمر وباب المندب. وتعكس هذه الإحاطة حجم التحديات التي تواجه جهود الوساطة، في ظل استمرار المواجهات العسكرية وتعقيد فرص العودة إلى تسوية سياسية شاملة. وتثير هذه التطورات مسألة جوهرية تتعلق بحدود الدور الأممي، إذ يمتلك المجلس سلطة إصدار القرارات وتحديد الالتزامات الدولية، فيما يعتمد تنفيذها على تعاون الدول الأعضاء، وقدرة آليات الرقابة على كشف الانتهاكات، واستعداد الأطراف المعنية للالتزام بالحلول السياسية. ولذلك فإن تقييم دوره في اليمن يستدعي النظر إلى ما حققته قراراته من إطار قانوني ودبلوماسي، وما بقي منها دون تنفيذ كامل على الأرض. الإطار القانوني للتعامل مع الحوثيين تمثل قرارات مجلس الأمن المتعاقبة بشأن اليمن سجلًا قانونيًا لتطور الأزمة، إذ انتقلت من دعم العملية السياسية إلى فرض العقوبات وحظر الأسلحة، ثم معالجة التهديدات التي طالت الملاحة الدولية والمنشآت المدنية. وقد ارتبط كل قرار بمرحلة من مراحل النزاع، وبطبيعة المخاطر التي رآها المجلس تهديدًا للسلم والأمن الدوليين. وفي عام 2014، أصدر المجلس القرار 2140، الذي أنشأ نظامًا للعقوبات يستهدف الأفراد والكيانات التي تهدد السلام والأمن والاستقرار في اليمن، وتضمن تدابير لتجميد الأصول وحظر السفر. كما أنشأ لجنة للعقوبات وفريقًا من الخبراء لمساعدة المجلس في متابعة التنفيذ وجمع المعلومات المتعلقة بالانتهاكات. وقد جاء هذا القرار في سياق محاولة حماية العملية الانتقالية ومنع تقويض المؤسسات السياسية. وفي أبريل 2015، جاء القرار 2216 ليضيف تدابير تتعلق بحظر الأسلحة على الأشخاص والكيانات المحددة، ويطالب الحوثيين بوقف استخدام العنف والانسحاب من المناطق التي استولوا عليها، والتخلي عن الأسلحة التي سيطروا عليها من المؤسسات العسكرية والأمنية. وأصبح هذا القرار مرجعًا رئيسيًا للمواقف الدولية المتعلقة بالوضع اليمني، رغم تغير الظروف السياسية والعسكرية منذ صدوره. وفي عام 2022، وسع المجلس نطاق الحظر المستهدف ليشمل الحوثيين بوصفهم كيانًا، بموجب القرار 2624، وهو تطور مهم في آلية العقوبات، لأنه نقل التركيز من أفراد محددين إلى الجماعة نفسها فيما يتعلق بحظر توريد الأسلحة. ويعني هذا الإجراء أن الدول الأعضاء مطالبة بالامتثال للقيود التي يفرضها النظام الأممي، وفق نطاقه القانوني والاستثناءات المحددة فيه. وفي يناير 2024، أصدر المجلس القرار 2722 بشأن الهجمات الحوثية على السفن التجارية في البحر الأحمر، وأدان الاعتداءات التي بدأت منذ نوفمبر 2023، وطالب بوقفها فورًا، واحترام حقوق الملاحة وحرياتها كما شدد على الالتزام بحظر الأسلحة ومنع وصول المواد التي تمكن الحوثيين من تنفيذ المزيد من الهجمات. وفي نوفمبر 2025، اعتمد المجلس القرار 2801، الذي جدد نظام العقوبات المتعلق باليمن ومدد ولاية فريق الخبراء حتى الرابع عشر من نوفمبر 2026. وقد أدان القرار الاعتداءات الحوثية العابرة للحدود والهجمات البحرية، وطالب بوقفها، وأكد أهمية العملية السياسية واحترام تطلعات الشعب اليمني. ويمثل تجديد العقوبات استمرارًا لاعتماد المجلس أدوات الضغط والرقابة في مواجهة المخاطر التي يشكلها النزاع. العقوبات وحظر الأسلحة تمثل العقوبات إحدى الأدوات الرئيسية التي يستخدمها مجلس الأمن في التعامل مع النزاعات المسلحة، إذ تتيح فرض قيود مالية ودبلوماسية وعسكرية على الأفراد والكيانات التي تهدد السلم والأمن الدوليين، دون الحاجة إلى اللجوء المباشر إلى القوة العسكرية. وفي الحالة اليمنية، أنشأ المجلس نظامًا للعقوبات عام 2014، ثم وسعه في السنوات اللاحقة لمواجهة التطورات التي شهدها النزاع، وفي مقدمتها استمرار تسليح الحوثيين وامتداد هجماتهم إلى خارج الأراضي اليمنية. وتشمل التدابير الأممية تجميد الأصول وحظر السفر على الأفراد والكيانات المدرجة وفق نطاق العقوبات، إلى جانب حظر توريد الأسلحة إلى الجهات المشمولة بالقرار. وتتولى لجنة العقوبات المنشأة بموجب القرار 2140 متابعة تنفيذ هذه التدابير، ويساعدها فريق خبراء متخصص في الأسلحة والتمويل والجماعات المسلحة والقانون الدولي الإنساني والشؤون الإقليمية. وتتمثل مهمة الفريق في جمع المعلومات والتحقق منها وتقديم التقارير والتوصيات التي تساعد المجلس على تقييم فعالية العقوبات وتحديد الثغرات المتعلقة بتنفيذها. وقد منح القرار 2801 الصادر في نوفمبر 2025 هذه الآليات أهمية إضافية، بعدما دعا الدول الأعضاء إلى تعزيز جهود مكافحة تهريب الأسلحة ومكوناتها عبر الطرق البرية والبحرية، وتطوير تبادل المعلومات، ودراسة المواد ذات الاستخدام المزدوج التي يمكن توظيفها في إنتاج الأسلحة. كما أكد أن إطلاق الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز عبر الحدود، والهجمات على السفن التجارية، قد يدخل ضمن المعايير التي تستوجب فرض العقوبات على المسؤولين عنها. وتبرز أهمية هذه التدابير في أنها تستهدف مصادر القدرة العسكرية والمالية للجماعة، بما يشمل شبكات الإمداد والمكونات التقنية والتمويل والتدريب، وهي عناصر يرتبط استمرار توافرها بقدرة الحوثيين على تنفيذ هجمات متكررة. ومع ذلك، فإن العقوبات تعتمد في تنفيذها على الدول الأعضاء وأجهزتها المختصة، ولا تمتلك لجنة العقوبات قوة تنفيذية مستقلة تستطيع من خلالها ضبط جميع عمليات التهريب أو مصادرة المعدات خارج الإجراءات القانونية للدول. وتثير هذه الطبيعة اللامركزية للتنفيذ تساؤلات بشأن فعالية الرقابة على الموانئ والمعابر والطرق البحرية، وقدرة الدول على تبادل المعلومات الاستخباراتية والجمركية، ومدى تعاون السلطات المعنية في كشف الشبكات التي تنقل المواد المحظورة. ولذلك فإن استمرار تدفق الأسلحة أو المكونات المستخدمة في الهجمات يمثل مؤشرًا يستدعي مراجعة أدوات الرقابة، دون أن يكون وحده دليلًا كافيًا على إخفاق كل التدابير المفروضة. وفي الخامس عشر من أكتوبر 2026، أعاد مجلس الأمن التأكيد على أهمية التنفيذ الكامل للقرار 2216، ودعا إلى تعاون عملي يمنع الحوثيين من الحصول على الأسلحة والمساعدات الفنية والتدريب والتمويل اللازم لتنفيذ اعتداءات جديدة. وجاء هذا الموقف في سياق البيان الرئاسي الذي تناول تصاعد الهجمات على المملكة والتهديدات البحرية، وربط بين منع التسليح وحماية المدنيين والاستقرار الإقليمي. وتبقى حماية السكان اليمنيين من الآثار الإنسانية غير المقصودة للعقوبات جزءًا من مسؤولية المجلس، إذ أكد القرار 2801 أن التدابير المفروضة لا تستهدف عرقلة المساعدات الإنسانية أو الواردات التجارية أو التحويلات المالية المشروعة. كما أشار إلى الاستثناءات الإنسانية والآليات التي تسمح بتيسير عمل المنظمات المختصة، في ظل احتياجات واسعة للسكان المتضررين من النزاع. ومن هنا فإن فعالية العقوبات تحدد بمدى قدرتها على تقييد وصول الأسلحة إلى الجهات المحظورة، مع المحافظة على تدفق الاحتياجات الإنسانية الأساسية، وتعزيز فرص التسوية السياسية. ويحتاج تحقيق هذه الأهداف إلى تعاون دولي مستمر، وآليات تحقق دقيقة، وإجراءات قانونية قابلة للتنفيذ. الاعتداءات على المملكة دخل موقف مجلس الأمن من الاعتداءات الحوثية على المملكة مرحلة جديدة في الخامس عشر من أكتوبر 2026، عندما اعتمد بيانًا رئاسيًا أدان فيه الهجمات المتصاعدة على أراضي المملكة ومنشآتها المدنية، وأكد حقها الأصيل في الدفاع عن نفسها وفق القانون الدولي. وجاء البيان عقب سلسلة من الاعتداءات التي طالت المطارات والبنية التحتية، وأوقعت ضحايا ومصابين، في تطورات جعلت حماية المدنيين والسيادة الوطنية محورًا رئيسيًا في مداولات المجلس. ويكتسب البيان الرئاسي أهمية مؤسسية لأنه يصدر بتوافق أعضاء المجلس الخمسة عشر، ويعبر عن موقف جماعي رسمي، مع اختلاف طبيعته القانونية عن القرارات التي تتضمن تدابير ملزمة. وقد جاء بيان أكتوبر بعد بيانين صحفيين سابقين في أغسطس وسبتمبر، طالبا بوقف التصعيد العسكري والاعتداءات التي تطال المدنيين والأعيان المدنية. وقد تضمن البيان إدانة الهجمات التي استهدفت مطار الملك خالد الدولي في العاشر والحادي عشر من أكتوبر، إلى جانب الاعتداءات على مطارات ومنشآت طاقة أخرى، وأعرب عن التضامن مع المملكة وتعازي المجلس لأسر الضحايا وتمنياته للمصابين بالشفاء. كما أكد حق المملكة في الدفاع عن نفسها، وهو حق يستند إلى المادة الحادية والخمسين من ميثاق الأمم المتحدة، ويخضع للشروط والقيود التي يقررها القانون الدولي. ويمنح هذا الموقف قضية الاعتداءات العابرة للحدود بعدًا قانونيًا ودبلوماسيًا واضحًا، إذ يضع الهجمات ضمن مسؤولية المجلس عن حماية السلم والأمن الدوليين، ويؤكد أن آثار النزاع اليمني لم تعد محصورة داخل الأراضي اليمنية. كما يوفر سندًا سياسيًا دوليًا للمطالبة بوقف الاعتداءات وتعزيز التعاون في تنفيذ حظر الأسلحة، دون أن يشكل البيان في ذاته تفويضًا جديدًا باستخدام القوة. الحق الأصيل في الدفاع عن السيادة ومن الناحية القانونية، تنص المادة 51 على الحق الطبيعي للدول في الدفاع الفردي أو الجماعي عن النفس إذا وقع هجوم مسلح، إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليين. وتبقى ممارسة هذا الحق خاضعة لمتطلبات الضرورة والتناسب والقواعد الأخرى ذات الصلة، كما يظل احترام القانون الدولي الإنساني واجبًا عند تنفيذ العمليات العسكرية. وفي هذا السياق، يشكل البيان الرئاسي الصادر في أكتوبر إضافة إلى المواقف الدولية المتعلقة بأمن المملكة، لأنه جمع بين إدانة الاعتداءات، وتأكيد الحق في الدفاع عن النفس، والدعوة إلى تنفيذ قرارات حظر الأسلحة، ودعم الحل السياسي للأزمة اليمنية. وقد رحبت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا بالبيان، مؤكدة أهمية التعاون الدولي لمنع وصول الأسلحة والدعم العسكري إلى الحوثيين. غير أن الأثر العملي للبيان سيظل مرتبطًا بالإجراءات التي تتخذها الدول الأعضاء لتنفيذ التزاماتها، ومدى نجاح آليات الرقابة في الحد من التسليح والتمويل المحظورين، واستجابة الأطراف المعنية للدعوات إلى وقف التصعيد. ولذلك فإن أهميته السياسية لا تلغي الحاجة إلى متابعة ما يترتب عليه من خطوات تنفيذية. تهديدات البحر الأحمر اكتسب النزاع اليمني بعدًا دوليًا أوسع مع تصاعد الهجمات الحوثية على السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب، وهما من أهم الممرات البحرية التي تربط الأسواق الآسيوية والأوروبية عبر قناة السويس. وقد جعلت هذه الاعتداءات قضية أمن الملاحة جزءًا رئيسيًا من جدول أعمال مجلس الأمن، بسبب ارتباطها بحرية التجارة وسلامة أطقم السفن واستقرار سلاسل الإمداد العالمية. وفي يناير 2024، أصدر المجلس القرار 2722 الذي أدان ما لا يقل عن أربع وعشرين هجمة حوثية على السفن التجارية منذ التاسع عشر من نوفمبر 2023، وطالب بوقف هذه الاعتداءات فورًا، واحترام حقوق الملاحة وحرياتها. كما أكد أهمية التزام الدول بحظر الأسلحة المستهدف، وتعزيز التعاون لمنع وصول المعدات التي تستخدم في تنفيذ الهجمات. وتبرز أهمية القرار في أنه ربط بصورة مباشرة بين الاعتداءات البحرية والسلم والأمن الدوليين، بعدما أصبحت حركة السفن التجارية معرضة لمخاطر تؤثر في شركات النقل والتأمين والموانئ وسلاسل التوريد. وقد دفع ذلك المجلس إلى متابعة التهديدات البحرية بصورة مستقلة ضمن الملف اليمني، وإلى طلب تقارير دورية تساعده في تقييم تطورات الوضع. وفي عام 2026، مدد المجلس بموجب القرار 2812 طلب التقارير المتعلقة بالهجمات الحوثية على السفن التجارية حتى الخامس عشر من يوليو من العام نفسه، في تأكيد لاستمرار اهتمامه بسلامة الملاحة في البحر الأحمر. وتوفر هذه التقارير أساسًا للمداولات الدولية بشأن طبيعة التهديدات وتطورها، وإن كانت لا تعني تلقائيًا اتخاذ إجراءات تنفيذية جديدة. وتتصل هذه التطورات بأهمية باب المندب الاستراتيجية، إذ يمثل الممر الرابط بين البحر الأحمر وخليج عدن، وتعبر من خلاله سفن تحمل بضائع ومواد أولية ومنتجات طاقة إلى أسواق متعددة. ويؤدي اضطراب الملاحة فيه إلى احتمالات ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وتغيير مسارات السفن، وزيادة زمن الرحلات، بما ينعكس على التجارة الدولية. وفي البيان الرئاسي الصادر في الخامس عشر من أكتوبر 2026، جدد مجلس الأمن إدانته للهجمات والتهديدات الحوثية ضد السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب، وشدد على احترام القانون الدولي، بما في ذلك اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار وحقوق الملاحة وحرياتها. كما دعا إلى التعاون العملي لمنع الجماعة من الحصول على المعدات والتمويل الذي يمكنها من تنفيذ هجمات جديدة. وتكشف هذه المواقف عن تحول البحر الأحمر إلى أحد المحاور الرئيسية في التعامل الدولي مع الأزمة اليمنية، حيث ترتبط حماية الملاحة بأمن الدول الساحلية والمصالح الاقتصادية العالمية، وتصبح معالجة التهديدات البحرية جزءًا من الجهود الأوسع لتحقيق الاستقرار في المنطقة. مستقبل الدور الأممي بعد أكثر من عقد من التدخل السياسي والقانوني لمجلس الأمن في الأزمة اليمنية، تتزايد التحديات أمام فاعلية قراراته في ضوء استمرار النزاع وتصاعد الهجمات العابرة للحدود والتهديدات البحرية. فقد أنشأ المجلس نظامًا للعقوبات، وفرض حظرًا مستهدفًا على الأسلحة، وأدان الاعتداءات على المدنيين والسفن التجارية، ودعم جهود المبعوث الأممي للوصول إلى تسوية سياسية، فيما لا تزال التطورات الميدانية تكشف عن صعوبات كبيرة تواجه تنفيذ هذه الالتزامات. إن المسؤولية الأساسية التي أُنشئ من أجلها مجلس الأمن، والمتمثلة في حفظ السلم والأمن الدوليين، تضعه أمام مسؤولية تاريخية في مواجهة التمدد المسلح للجماعات التي تهدد استقرار المنطقة، وفي مقدمتها جماعة الحوثي، إذ إن استمرار الاعتداءات العابرة للحدود، واستهداف المنشآت المدنية والممرات البحرية، رغم القرارات الدولية المتعاقبة، يفتح ملف فاعلية المجلس في الاضطلاع بمسؤولياته، وقدرته على الانتقال من إصدار القرارات والإدانات إلى ضمان تنفيذها. ويمكن قراءة التصعيد الذي تشهده المنطقة بوصفه إحدى النتائج المترتبة على استمرار فجوة التنفيذ والردع، بعدما أتاح غياب المعالجة الدولية الحاسمة للتهديدات المتراكمة فرصًا لتوسع نطاق الاعتداءات وتعاظم آثارها الأمنية والاقتصادية والإنسانية. ومن هنا تتجاوز مسؤولية مجلس الأمن حدود التعامل مع تداعيات الأزمات بعد وقوعها، لتشمل اتخاذ التدابير الكفيلة بمنع تفاقمها، وحماية سيادة الدول وسلامة أراضيها، وضمان ألا تتحول القرارات الدولية إلى التزامات قانونية تفتقر إلى الأثر الفعلي على الأرض. وفي التاسع من أكتوبر 2026، حذر المبعوث الأممي هانس غروندبرغ من عودة اليمن إلى حرب واسعة النطاق، مع استمرار المواجهات في جبهات متعددة. وتعكس هذه الإحاطة تعقيد المشهد اليمني، إذ تتداخل فيه التحديات العسكرية والسياسية والاقتصادية والإنسانية، وتتطلب معالجته تعاون الأطراف اليمنية والدول الإقليمية والمجتمع الدولي. وفي البيان الرئاسي الصادر في أكتوبر 2026، جدد المجلس دعمه للحكومة اليمنية، والتزامه بوحدة اليمن وسيادته واستقلاله وسلامة أراضيه، وأكد أن السلام المستدام لا يمكن تحقيقه عبر العنف أو الإكراه أو استخدام القوة، مع استمرار دعم جهود المبعوث الأممي للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة يقودها اليمنيون. ويشير هذا الموقف إلى أن المجلس يتعامل مع الأزمة عبر مسارين متوازيين: الأول يتعلق بالضغط على الجهات التي تنفذ الاعتداءات أو تخالف قرارات العقوبات، والثاني يرتبط بإبقاء العملية السياسية مفتوحة أمام الأطراف اليمنية. ويتطلب نجاح المسارين وجود آليات تنفيذ فعالة، واستعداد سياسي للتفاوض، وضمانات تساعد في الحد من تجدد الأعمال القتالية. كما تبرز الحاجة إلى تطوير التعاون الدولي في مكافحة تهريب الأسلحة والمكونات التقنية، وتعزيز قدرات الجهات المعنية بالمراقبة والتفتيش وفق القانون الدولي، مع المحافظة على وصول المساعدات الإنسانية إلى السكان. وتكتسب هذه الأولويات أهمية خاصة في ظل استمرار التهديدات البحرية والهجمات العابرة للحدود، وما تفرضه من مخاطر على أمن المنطقة واستقرارها الاقتصادي. ومن منظور استشرافي، يمكن أن يتجه دور مجلس الأمن إلى مزيد من التركيز على تنفيذ العقوبات القائمة وتطوير آليات الرقابة، إلى جانب دعم ترتيبات وقف التصعيد وإحياء المفاوضات السياسية. غير أن هذه المسارات ستظل مرتبطة بمواقف الدول الأعضاء، والتوافق بين القوى الكبرى، والتطورات الميدانية داخل اليمن، ومدى التزام الأطراف المعنية بالقرارات الدولية. وتبقى القضية الأساسية أمام المجلس هي تحويل المرجعيات القانونية والمواقف السياسية إلى نتائج ملموسة تحمي المدنيين وتحد من الاعتداءات وتدعم استقرار اليمن والمنطقة. فقرارات مجلس الأمن توفر إطارًا دوليًا للمساءلة والتعاون، بينما يعتمد تحقيق أهدافها على التنفيذ الفعلي والرقابة المستمرة والعمل الدبلوماسي. يقف مجلس الأمن اليوم أمام مسؤولية متجددة تتصل بحماية السلم والأمن الدوليين، في وقت أصبحت فيه الحرب اليمنية مرتبطة بأمن المملكة ودول المنطقة والملاحة البحرية والتجارة العالمية. وبين القرارات الصادرة منذ عام 2014 والبيان الرئاسي في أكتوبر 2026، يتضح أن الملف اليمني ظل حاضرًا في أولويات المجلس، وأن التحدي الرئيسي يتمثل في تطبيق القرارات والحد من الاعتداءات وتهيئة الظروف لتسوية سياسية تحفظ وحدة اليمن وسيادته، وتحقق الأمن والاستقرار لشعبه وجيرانه.