نشرت مجلة «أتلانتك» الأميركية في عددها الأخير مقالاً مطولاً للكاتبة روز هوروفيتش بعنوان «نهاية القراءة»، قالت فيه إن العالم بدأ يدخل مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ»مجتمع ما بعد القراءة». ولا تقصد فيه أن الناس أصبحوا أميين أو عاجزين عن قراءة الكلمات، بل إن القراءة العميقة، وخاصة قراءة الكتب، لم تعد النشاط الأساسي في حياة معظم الناس، وحلت محلها الشاشات والفيديوهات والمحتوى القصير. قالت الكاتبة: إن القراءة لم تكن تاريخياً مجرد وسيلة للحصول على المعلومات، بل كانت التقنية الفكرية التي أعادت تشكيل العقل البشري نفسه. فمن خلال القراءة الطويلة تعلم الإنسان التركيز، وربط الأفكار، وبناء الحجج، والتفكير المجرد، والتأمل النقدي، ولذلك فإن تراجع القراءة لا يعني مجرد تغير في العادات الثقافية، بل يعني تغيراً في طريقة التفكير وفي طبيعة الحضارة نفسها. وأوضحت الكاتبة أن المشكلة لا تتمثل في أن الناس لا يقرؤون أي نصوص، بل إنهم يقرؤون باستمرار رسائل البريد الإلكتروني، ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي، والعناوين السريعة، والتعليقات، والرسائل النصية. لكن هذا النوع من القراءة يختلف جذرياً عن قراءة الكتب. فالقراءة الرقمية غالباً ما تكون متقطعة وسريعة ومجزأة، في حين تتطلب الكتب تركيزاً مستمراً، وقدرة على متابعة الأفكار المعقدة، وبناء فهم متكامل للنص. ولفتت الكاتبة الانتباه إلى ظاهرة بدأت تظهر بوضوح داخل الجامعات الأميركية، إذ أصبح بعض الطلاب ينظرون إلى قراءة الكتب على أنها وسيلة مرهقة وغير ضرورية للحصول على المعرفة. ويرى بعضهم أن الأستاذ يستطيع أن يقدم لهم المعلومات مباشرة في محاضرة أو مقطع فيديو أو ملخص مولد بالذكاء الاصطناعي، فلماذا يضيعون ساعات في قراءة كتاب كامل؟ وتصف هذا التحول بأنه تغير في تصور المعرفة نفسها، إذ لم يعد الهدف هو ممارسة التفكير أثناء القراءة، بل الوصول السريع إلى النتيجة النهائية. وترى هوروفيتش أن هذا التحول يتزامن مع انتشار الهواتف الذكية ومنصات الفيديو القصير وخوارزميات التوصية التي تكافئ المحتوى السريع والمثير. فهذه المنصات لا تنافس الكتاب في المحتوى فقط، بل تنافسه في طريقة عمل الدماغ، إذ تدرب المستخدم على الانتقال المستمر بين المحفزات، وتقلل قدرته على الصبر والتركيز والانغماس في نص طويل. كما أن دخول أدوات الذكاء الاصطناعي إلى العملية التعليمية قد يزيد هذا الاتجاه، لأن كثيراً من الطلاب أصبحوا يعتمدون على الملخصات والإجابات الجاهزة بدلاً من قراءة المصادر الأصلية. ولا تقف آثار هذا التحول عند حدود التعليم، بل تمتد إلى الثقافة والسياسة أيضاً، فالقراءة الطويلة تساعد على فهم القضايا المعقدة، واستيعاب وجهات النظر المختلفة، وتحليل الحجج المتعارضة، أما هيمنة المحتوى القصير فتشجع الاختصار، والانفعال السريع، والشعارات، والصور، والمقاطع القصيرة القادرة على الانتشار الفوري. ولذلك حذرت الكاتبة من أن المجتمع الذي يقل فيه الإقبال على القراءة يصبح أكثر عرضة للخطابات الجماهيرية المنحازة، وللمعلومات المضللة، وللجدالات السريعة التي تعتمد على التأثير العاطفي أكثر من اعتمادها على التفكير المنطقي. ومع ذلك، لا تزعم الكاتبة أن الكتب ستختفي تماماً، بل ترجح أن تتحول القراءة العميقة إلى نشاط تمارسه أقلية صغيرة نسبياً، كما كانت الكتابة والقراءة في بعض العصور القديمة حكراً على فئات محدودة. وإذا تحقق هذا السيناريو، فإن المجتمع سيصبح منقسماً بين أقلية تمتلك مهارات القراءة العميقة والتحليل والتفسير، وأغلبية تعتمد بصورة أساسية على المحتوى المرئي والملخصات والخوارزميات. وترى الكاتبة أن هذا التحول ستكون له آثار بعيدة المدى في التعليم والاقتصاد والثقافة وإنتاج المعرفة وتقدم المجتمع.