لم يعد الحديث عن التعليم اليوم يقتصر على المناهج والاختبارات ونتائج الطلاب، فهناك جانب آخر من المشهد لا يظهر دائماً في التقارير ولا توثقه الإحصاءات بسهولة لكنه يبرز في حديث المعلمين ويُلْمَس في عتب أولياء الأمور ويصل أثره في النهاية إلى الطالب.
المعلم يشتكي من أعباء تتزايد وولي الأمر يواجه مسؤوليات لم تعد تنتهي عند باب المدرسة، أما الطالب فيقف بين الطرفين محاولاً أن يفهم ما المطلوب منه ومن أين يأتي هذا الطلب ولماذا تبدو أحياناً توقعات كل طرف مختلفة عن الآخر.
وهنا نحتاج إلى التوقف قليلاً عن السؤال المعتاد من المخطئ لأن السؤال بهذه الصورة لا يصف المشكلة كاملة، فالمسألة أكبر من معلم وولي أمر وأوسع من تبادل المسؤوليات والعتب إنها مسألة تداخل أدوار وتراكم أعباء وفقدان وضوح في توزيع المسؤولية.
المعلم لم يعد يدخل الفصل حاملاً كتابه وقلمه فقط فأمامه أعمال ومتطلبات ومتابعات متعددة بعضها يرتبط بالتعليم بشكل مباشر وبعضها الآخر يستنزف وقته وجهده دون أثر واضح على تعلم الطالب.
ولا أحد ينكر أهمية التنظيم والمتابعة لكن السؤال المستحق هل أخذنا من وقت المعلم المخصص للتعليم أكثر مما ينبغي المعلم إنسان طاقته محدودة وإذا استُهلك جلّها في الأعمال المحيطة بالتعليم تراجع نصيب المهنة الأساسية، وهذا لا يعني تبرئة المقصر كما أن التعميم لا يخدم الميدان ما يوجب وضع آلية شفافة لتصنيف المهام إلى تعليمية وغير تعليمية.
وفي الجهة الأخرى تغيرت حياة الأسرة جذرياً فولي الأمر اليوم لا يواجه ابناً يعود من المدرسة لينجز واجبه ثم ينام بل يواجه هاتفا مفتوحاً على العالم وشبكات اجتماعية ومحتوى لا ينتهي ثم نطالبه بأن يكون مربياً ومتابعاً للمنصة والواجب والاختبار والسلوك، ومن هنا ينبع عتب ولي الأمر فهو لا يتهرب من مسؤوليته لكنه يشعر أن جزءاً كبيراً من الأدوار المدرسية انتقل إلى البيت بما يطاوق طاقته مع إدراكنا أن المدرسة وحدها لا تستطيع أن تتحمل كل شيء لطفل يتشكل في البيت والشاشة والمجتمع بقدر ما يتشكل داخل الفصل.
إن الثقة في المعلم والمنصات الموحدة وحماية الوقت وتحديد حدود الشراكة مع الأسرة هي شروط لا غنى عنها لجودة التعليم.
أما الطالب فهو الطرف الأكثر تأثراً بهذا التداخل يسمع من معلمه شيئاً وفي البيت شيئاً آخر ويُطالب بأن يكون متفوقاً ومنضبطاً ومبدعاً ومواكباً للتقنية ومحققاً للدرجات كأنه مشروع متكامل يجب أن ينجح في كل شيء وفي آن واحد.
ومع كثرة هذه المطالب ننسى السؤال الأهم هل ما زال الطالب يحب أن يتعلم.
التعليم في جوهره ليس مجرد نقل معلومات أو تحقيق درجات بل بناء علاقة طويلة بين الإنسان والمعرفة وإذا تحولت العملية إلى أداء واجبات فقط فقد ننجح في قياس ما أنجزه الطالب لكننا سنفقد الأهم على المدى البعيد رغبته الحقيقية في التعلم.
خارطة طريق عملية وتوصيات إجرائية من داخل المدرسة
الإصلاح الحقيقي لا يحتاج إلى شعارات ضخمة بل يبدأ من خطوات إجرائية واضحة موزعة على مراحل:
تشكيل لجنة مصغرة معلمين وإداريين لمراجعة المهام الأسبوعية وتصنيفها لنقل المهام الإدارية البحتة إلى الكادر الإداري أو المنصات.
تحديد ساعات محمية أسبوعياً لا يُطلب فيها من المعلم حضور اجتماعات أو الرد على رسائل غير طارئة.
خلال 90 يوماً: تنظيم التواصل ودعم الطلاب
اعتماد نموذج ملخص شهري موحد للأسرة يجيب عن ثلاثة أسئلة ما الذي يسير جيداً وما الذي يحتاج متابعة وما المطلوب من الأسرة تحديداً مع توحيد قناة التواصل وتحديد أوقات الرد.
وضع خطط متابعة فردية قصيرة ومحددة لـ8 إلى 12 طالباً ممن يعانون من تراجع دراسي أو سلوكي بمشاركة المعلم والمرشد وولي الأمر.
عقد جلستين حواريتين على الأقل في الفصل الدراسي مع عينات من الطلاب للاستماع إلى ما يشتتهم وما يساعدهم على التعلم بعيداً عن الفعاليات الشكلية.
مراجعة ثلاثة مؤشرات أساسية نهاية كل فصل انخفاض الوقت غير التعليمي للمعلم ووضوح التواصل مع الأسرة وتحسن تفاعل الطلاب وانحراف الفجوات التعليمية.
التعليم لا يحتاج دائماً إلى المزيد من البرامج والمبادرات بل يحتاج إلى أقل من التشتت وأكثر من الوضوح وأقل من تبادل اللوم وأكثر من الشراكة الواعية.
إن الثقة في المعلم والمنصات الموحدة هي شروط لا غنى عنها لجودة التعليم.
فالمعلم وولي الأمر ليسا خصمين في هذه المعادلة، وكلاهما يقف في الجهة نفسها من أجل غاية واحدة الطالب والإصلاح الحقيقي يبدأ عندما نرتب الأولويات من داخل المدرسة فنحمي طاقة المعلم ونوضح حدود المسؤولية ونحفظ الشغف في رغبة الطالب قبل أن نبحث عن درجاته.
لم يعد الحديث عن التعليم اليوم يقتصر على المناهج والاختبارات ونتائج الطلاب، فهناك جانب آخر من المشهد لا يظهر دائماً في التقارير ولا توثقه الإحصاءات بسهولة لكنه يبرز في حديث المعلمين ويُلْمَس في عتب أولياء الأمور ويصل أثره في النهاية إلى الطالب.
المعلم يشتكي من أعباء تتزايد وولي الأمر يواجه مسؤوليات لم تعد تنتهي عند باب المدرسة، أما الطالب فيقف بين الطرفين محاولاً أن يفهم ما المطلوب منه ومن أين يأتي هذا الطلب ولماذا تبدو أحياناً توقعات كل طرف مختلفة عن الآخر.
وهنا نحتاج إلى التوقف قليلاً عن السؤال المعتاد من المخطئ لأن السؤال بهذه الصورة لا يصف المشكلة كاملة، فالمسألة أكبر من معلم وولي أمر وأوسع من تبادل المسؤوليات والعتب إنها مسألة تداخل أدوار وتراكم أعباء وفقدان وضوح في توزيع المسؤولية.
المعلم لم يعد يدخل الفصل حاملاً كتابه وقلمه فقط فأمامه أعمال ومتطلبات ومتابعات متعددة بعضها يرتبط بالتعليم بشكل مباشر وبعضها الآخر يستنزف وقته وجهده دون أثر واضح على تعلم الطالب.
ولا أحد ينكر أهمية التنظيم والمتابعة لكن السؤال المستحق هل أخذنا من وقت المعلم المخصص للتعليم أكثر مما ينبغي المعلم إنسان طاقته محدودة وإذا استُهلك جلّها في الأعمال المحيطة بالتعليم تراجع نصيب المهنة الأساسية، وهذا لا يعني تبرئة المقصر كما أن التعميم لا يخدم الميدان ما يوجب وضع آلية شفافة لتصنيف المهام إلى تعليمية وغير تعليمية.
وفي الجهة الأخرى تغيرت حياة الأسرة جذرياً فولي الأمر اليوم لا يواجه ابناً يعود من المدرسة لينجز واجبه ثم ينام بل يواجه هاتفا مفتوحاً على العالم وشبكات اجتماعية ومحتوى لا ينتهي ثم نطالبه بأن يكون مربياً ومتابعاً للمنصة والواجب والاختبار والسلوك، ومن هنا ينبع عتب ولي الأمر فهو لا يتهرب من مسؤوليته لكنه يشعر أن جزءاً كبيراً من الأدوار المدرسية انتقل إلى البيت بما يطاوق طاقته مع إدراكنا أن المدرسة وحدها لا تستطيع أن تتحمل كل شيء لطفل يتشكل في البيت والشاشة والمجتمع بقدر ما يتشكل داخل الفصل.
إن الثقة في المعلم والمنصات الموحدة وحماية الوقت وتحديد حدود الشراكة مع الأسرة هي شروط لا غنى عنها لجودة التعليم.
أما الطالب فهو الطرف الأكثر تأثراً بهذا التداخل يسمع من معلمه شيئاً وفي البيت شيئاً آخر ويُطالب بأن يكون متفوقاً ومنضبطاً ومبدعاً ومواكباً للتقنية ومحققاً للدرجات كأنه مشروع متكامل يجب أن ينجح في كل شيء وفي آن واحد.
ومع كثرة هذه المطالب ننسى السؤال الأهم هل ما زال الطالب يحب أن يتعلم.