جرت العادة أن ندرك محطات يومنا منذ لحظة استيقاظنا، لكن قلّما نفكر في اللحظة التي ينبغي أن ينتهي يومنا عندها. نستيقظ لصلاة الفجر، ونعرف مواعيد العمل واجتماعاته وتسليم مهامه، ونفسح في الوقت مكانًا للزيارات العائلية والمناسبات، فيما تتوزع بين ذلك تفاصيل صغيرة تبحث لنفسها عن نصيب في أزمنة يومنا. ومع كل هذا الحرص على تنظيم اليوم، يظل موعد واحد غالبًا خارج أسئلة الساعة: متى ينتهي يومنا؟
نحسن ترتيب البدايات، ثم نترك النهاية سائبة. يعود العمل معنا إلى البيت وينازع أهله نصيبهم، وتستدرجنا أخبار لا تضيف إلى معرفتنا، ويجر حديث عابر حديثًا آخر، وقد نقبل موعدًا متأخرًا كأن الليل فائض من الزمن لا صاحب له. وحينئذ لا يكون السهر محض اختيار، بل يصبح أحيانًا حصيلة يوم عرفنا كيف نفتتحه، ولم نتعلم بالقدر نفسه كيف نضع له حدًا.
من هنا استوقفتني العبارة التي اعتاد الدكتور عبدالله الغذامي أن يكتبها في حسابه بمنصة «إكس»: «التاسعة.. تحياتي». كلمات قليلة، لكنها تحمل في بساطتها موقفًا كاملًا من الزمن؛ فهو لا يخبرنا بموعد نومه بقدر ما يقول إن ليومه حدًا، وإن الليل ليس بقيةً مهملة من النهار، وإن ما لم يُنجز اليوم يستطيع أن ينتظر إلى الغد.
حين نتأمل حالنا نجد أننا نجيد دخول معتركات الحياة اليومية: نكتب، ونجيب، ونشارك، ونتفاعل، ونظهر في أكثر من موضع في اللحظة ذاتها. أما الخروج منها فليس بالسهولة نفسها؛ حتى صار بعضنا بحاجة إلى قرار يضبط به ساعة مغادرته ضجيج عالم يعرف جيدًا كيف يستدعيه، لكنه لن يقول له يومًا: لقد اكتفيت منك.
لا يمكن اختزال «تاسعة الغذامي» في رقم يصلح للجميع؛ فقد تلائم بعض الناس ولا تلائم آخرين، وتتباين مواعيد النوم باختلاف الأعمار، والمهن، والبيوت، والطبائع. الذي يلفتني فيها وجود ساعة حسم، وقت معلوم ينتهي عنده التفاوض مع مطالب اليوم. فالوقت الذي لا تُرسم له نهاية لا يصبح أوسع، وإنما تختلط حقوقه؛ يدخل العمل في حق الأسرة، وتجد الأخبار لنفسها موضعًا في وقت الراحة، ويستولي حضور الآخرين على ساعة كانت النفس وهدوؤها أولى بها، حتى تتشابه الساعات فلا يعود لكل واحدة منها معناها الخاص.
ومن هنا لا يبدو النوم هامشًا صحيًا في الحياة، ولا مجرد رقم تخبرنا به ساعة ذكية فور استيقاظنا. إنه يقول شيئًا عن علاقتنا بالزمن نفسه: هل اليوم وحدة لها مستهل ومنته، أم مساحة مفتوحة تتقدم إليها الأشياء حتى تبلغ الجسد المنهك؟ وهل الراحة حق أصيل في بناء الحياة، أم ما يتبقى لنا بعدما تأخذ الأعمال والأخبار والناس والمنصات حاجتها؟
عاش البشر قرونًا داخل زمن تصنع الطبيعة كثيرًا من حدوده من خارج إرادتهم. كان الغروب يبدل هيئة الطريق، ويخفف حركة الأسواق، ويحد من الأعمال التي يمكن أن تستمر. ولم يكن الليل رحيمًا دائمًا؛ عرف الناس فيه البرد والخوف، والمرض، والحرب، والأرق. لكن للظلام سلطانًا لم يكن يسهل تجاوزه، ولم يكن بمقدور الإنسان أن يحمل النهار كله، بأسواقه وأشغاله وضجيجه، إلى فراشه.
قبل عصرنا الحديث، لم يكن الليل والنهار يُقسمان وفق ساعةٍ صارمة بقدر ما كانا ينتظمان مع إيقاع الحياة نفسها؛ فالصلوات الخمس توزّع اليوم على مواقيت معلومة، وحرارة النهار تؤثر في أوقات الحركة والسكون، فيما تحدد أعمال الناس وشؤون أسرهم متى يبدأ الكدح ومتى تخف وطأته. لذلك كانت بيوت كثيرة تهدأ بعد العشاء، قد يستيقظ المرء في أثناء الليل لعبادة أو حاجة، ثم ينهض قبل الفجر للصلاة أو استعدادًا لرزقه، بينما تجد القيلولة مكانها في نهار يشتد فيه الحر. لم تكن الراحة، بهذا المعنى، زمنًا مقتطعًا من الحياة، بل جزءًا من انتظامها؛ إذ لم تُعامل ساعات اليوم كما لو كانت متساوية في قدرتها على العمل والعطاء، وإنما كان لكل وقت ما يلائمه من رزق، وأهل، وعبادة، وراحة. وربما كان الفرق الأعمق بين ذلك الإيقاع وإيقاعنا اليوم أن الإنسان لم يكن مطالبًا بأن يظل متاحًا على مدار الوقت.
كان للنوم داخل البيت معنى إنساني عميق لا تقيسه عقارب الساعة. كان الطفل يعود من لعبه على صوت أمه وهي تناديه، وربما وعدته بما يحب أو لوّحت بحرمانه منه، في زمن لم تكن فيه رفاهية الخيارات التي ينعم بها طفل اليوم. وكان الرضيع يغمض عينيه على هدهدة وأهازيج حملتها الذاكرة الشعبية، فإذا نام سكن شيء من البيت، وخف أهل الدار حركتهم من حوله. كان النوم شأنًا تشترك فيه العائلة والمكان والإيمان، قبل أن تدخل في هندسته متغيرات يوم معاصر لا يكاد ينام.
لم تكن صلة النوم بطريقة العيش مقصورة على بيئتنا. فتاريخ الليل نفسه يحتفظ بصور مختلفة لما اعتاده الإنسان نومًا وراحة؛ وقد أمضى المؤرخ الأمريكي روجر إكيرش سنوات يتتبع تلك الصور في مصادر سبقت العصر الصناعي، فعثر على إشارات متكررة إلى ما عُرف بـ«النوم الأول» و«النوم الثاني». كان النوم المجزأ مألوفًا في قطاعات من المجتمعات الأوروبية؛ ينام الناس أول الليل، ثم يستيقظ بعضهم بين النومتين للصلاة أو الحديث أو القراءة أو قضاء شأن من شؤون البيت، قبل أن يعودوا إلى فراشهم.
ليست هذه الشواهد دعوة إلى استعادة زمن مضى؛ لكنها تضع ما نظنه اليوم بديهيًا موضع تساؤل مهم: إذا كان الإنسان قد غيّر عبر الأزمنة طريقته في النوم، فكم مما نسميه اليوم «طبيعيًا» كتبه الجسد، وكم منه كتبته الحياة التي أقمناها حوله؟
فما نعدّه «طبيعيًا» في نومنا ليس صوت الجسد وحده، بل ثمرة حياة كاملة تشارك في تشكيله؛ شيء من الدين والمناخ، إلى العمل والضوء وإيقاع المدينة ومواعيد الدراسة وغيرها الكثير. ولهذا لا تبدو «الثماني ساعات المتصلة» حقيقة أزلية بقدر ما هي صيغة حديثة لتنظيم النوم؛ ليست وهمًا ينبغي هدمه، ولا قاعدة واحدة تصلح لكل زمان ومكان. فالنوم الكافي لا يُقاس بعدد الساعات وحده، بل بانتظامه وتوقيته وجودته، وبمدى ملاءمته لحاجة الجسد وحياة صاحبه.
مع المجتمع الصناعي تغيرت علاقة الإنسان بليله؛ فحين صار العمل يبدأ في ساعة معلومة، كان على النوم أن يراعي صباحًا لا ينتظر المتأخرين. ثم جاءت الكهرباء فخففت سلطان الغروب، ومنحت المدينة حياة أخرى لا تنتهي، حتى جاء الاتصال الرقمي فبلغ ما لم تبلغه الكهرباء نفسها: حمل العمل والأخبار والناس معنا إلى البيت، وجعل الوصول إلينا ممكنًا في ساعة كان يفترض أن تكون لنا.
منذ ذلك الحين، لم يعد الغروب كافيًا ليقول إن اليوم قد انتهى. قد يتغير لون السماء، لكن شيئًا من النهار يظل مستيقظًا معنا؛ بريد عمل يصل متأخرًا، وخبر يستدعي خبرًا، ومقطع يقود إلى آخر، وحديث يبدأ عابرًا ثم يأخذ من الليل أكثر مما قصدنا أن نعطيه. العالم من حولنا لم يعد يملك ساعة انصراف واحدة، ولذلك لم يعد الإنسان يستطيع انتظار الخارج كي يعلن له نهاية يومه.
هنا يصبح اختيار النهاية شأنًا شخصيًا لا يقل أهمية عن اختيار البداية. كان الظلام يمنح الإنسان قديمًا حدًا طبيعيًا يصعب تجاوزه، أما اليوم فقد أصبح عليه أن يرسم ذلك الحد بنفسه؛ لا لأن الحياة من حوله انتهت، بل لأنها لن تنتهي من أجله. ولعل هذا هو التحول الأعمق: لم نعد نحتاج إلى مزيد من الوقت بقدر حاجتنا إلى معرفة متى يكفينا ما أخذناه منه.