متكآت التراث والأيديولوجيا! – أ.د.عبدالله بن أحمد الفيفي

ثمَّة ظاهرةٌ معاصرةٌ من التفتيش عن متكآت الأنصار في التراث، فما تكاد طائفة من المعاصرين تجد عَلَمًا قال برأيٍ وافق الهوى، وإنْ خالف السائد الغالب بين العلماء، حتى تجتلبه، رمزًا من رموزها، وتستدعيه واحدًا من سلفها الصالح، وإنْ كان منها ومن فِكرها براء. هكذا باغتنا (ذو القُروح) بموضوعه الجديد. قلتُ:

ـ إنَّها الحاجة الملحَّة إلى التأسيس على ماضٍ، على تُراث، على تُراب، على سلفٍ صالح. وكلٌّ عاشقٌ للماضي، وكلٌّ عاشقٌ للتراث، وكلٌّ عاشقٌ لسلفٍ صالحٍ ما، حتَّى كفَّار (قُريش)؛ وهو، إنْ لم يجد ذلك الماضي وذلك التراث وأولئك السلف، احتال في التماسهم، أو اختراعهم!

ـ صدقتَ. ذلك أنَّ الآباء، والأسلاف، «تكايا» تريح الضمائر، وتزيل شُبَه الابتداع، وقَوْل ما لم يقله الأوائل، فتَصُدُّ الخصوم، من ذوي «التَّكايا» التاريخيَّة الشبيهة الأصيلة المتجذِّرة، أو غير الأصيلة ولا المتجذِّرة.

ـ ذلك هو بيت الدَّاء. وإلَّا كيف يُنظَر إلى عقلٍ إسلاميٍّ مفكِّر، مثل (ابن رُشد- 595هـ)، متفلسف، وقبل ذلك فقيه، وأصوليٌّ، وقاضٍ -إنَّما أراد أن يوفِّق بين العقل والنقل، أي بين الفكر والدِّين- على أنه مارق، أو متخفِّفٌ من الدِّين؟ وهذا بعكس ما أراد، من أن يعضد الخطاب الدِّيني بالخطاب العقلي، وينفي مزاعم من يقول بالتعارض بينهما، أو بتهافت الفلاسفة، نتيجة فهمٍ سطحيٍّ للفلسفة وللدِّين في آن؟!

ـ وعدم فهم فلسفة الدِّين تنشأ جوهريًّا من الافتقار إلى التفريق بين مقاصد الدِّين ووسائل نقل تلك المقاصد مطبَّقة إلى أرض الواقع. فإذا الوسائل تُجعَل مقاصد وغايات. وهذا سبب نفور بعض الناس من التديُّن، أو حتى كفرهم.

ـ وهو سبب التمزُّق البَشري، والصراع الدِّيني؛ لأنَّ هناك من يُصِرُّ على تطبيق مقاصد الدِّين بالآليَّات القديمة نفسها، في كلِّ زمانٍ ومكان؛ وهنا تُصبِح الوسائل غايات، فيما الغايات مضيَّعة غالبًا. وما مَثَل هذا إلَّا كمن يظلُّ يُصِرُّ على أن يعيش بالآليَّات القديمة نفسها التي كانت زمن النُّبُوَّة، فلا يركب، مثلًا، إلَّا الخيل والبغال والحمير والإبل، ويحرِّم ما عداها!

ـ نعم، يفعله من أصيب بذلك الخبال. أمَّا المقاصد نفسها ومن حيث هي، فهي صالحةٌ بالفعل لكلِّ زمانٍ ومكان، وهي أصلًا غاية كلِّ دينٍ وكلِّ قانونٍ وكلِّ نظامٍ اجتماعيٍّ إنسانيٍّ حضاري. أي غير «دوغمائيٍّ» مؤدلجٍ وَفق توجُّهٍ فكريٍّ أو سياسيٍّ معيَّنٍ لفئةٍ بشريَّة، تريد أن تفرضه فرضًا على الناس كافَّة، وأن تمنعهم من أن يكون لهم رأيٌ أو توجُّهٌ أو سلوكٌ اجتماعيٌّ مخالف.

ـ ما أكثر أمثلة ما يقع من هذا! فمثلًا، في القوانين المنبثقة عمَّا يُسمَّى (ميثاق الأُمم المتَّحدة) تلحظ أنها قوانين مصمَّمة لفئتَين متمايزتَين من البَشَر، الفئة الأُولَى: الصهيونيَّة العالميَّة ومن لفَّ لفَّها ومشى في ركابها، والفئة الأخرى: قوانين مصمَّمة لسائر البَشَر. يتجلَّى ذلك في التطبيق، وإن لم يبدُ ذلك مصرَّحًا به في مستوى التنظير. ذلك أنَّ مَن صمَّمَ تلك القوانين أصلًا ما كان له أن يخرج عن إهابه الأيديولوجي المعروف، ولا عن دُخان عواطفه، وحشيش مصالحه القوميَّة والاقتصاديَّة. من حيث إنَّ ما سُمِّي بـ(ميثاق الأُمم المتَّحدة) إنَّما حقيقته الأساس: (ميثاق الأُمم الاستعماريَّة المتَّحدة). وهو قبل ذلك وريث الفكر التوراتي، الذي يقسِّم العالم إلى: ساميِّين، وحاميِّين، ويافثيِّين، أو آريِّين. والعِرق الأسمَى هو العِرق السامي، مختزَلًا حديثًا في تلك الشراذم من الشعوب، التي جمَّعها (تكفيريُّو أوربا) في (فلسطين) -تكفيرًا عن جريمتهم النازيَّة وغير النازيَّة بحقِّ اليهود- بعد احتلال فلسطين بدعمهم وتأييدهم. ولا علاقة لما سُمِّي (إسرائيل)- وهي تسميةٌ دينيَّةٌ ماكرةٌ لأهداف سياسيَّة- لا بـ(بنُوح) ولا (بسام بن نوح)، ولا بالشَّرق «الأوسط» أو غير «الأوسط» أصلًا، ولا تربطهم سِوَى حبال الخرافة الأيديولوجيَّة التوراتيَّة. أمَّا البَشَر المكتشفون في بلاد (الهنود الحُمر)، فهم كالفلسطينيِّين، نسلٌ شيطاني؛ لأنَّ مصنِّف «التوراة»- رَبَّ الجنود- لم يكن يعرف بوجودهم على كوكب الأرض، أو وجود غيرهم من الشعوب! ولذا فإنَّ طوفان «التوراة» لم يشملهم بمائه! إنَّها ثقافة خرافيَّة ما انفكت تنخر في الدِّماغ الغربي المختطَف، ولن يتحرَّر منها حتى يهطل عليه نيزك كذلك الذي أهلك الديناصورات وأراح منها!

ـ هل يمكن أن يكون هناك دِين أو قانون أو نظام -يستحقُّ هذا الاسم- لا تكون غاياته العُليا، ومقاصده الكُليَّة بناء مجتمعٍ مدنيٍّ، فيه: حماية النفس، والمال، والعِرض، والعقل، والدِّين (بمعنى حريَّة المعتقَد)؟!

ـ كلَّا، وإنْ وُجِد مثل ذلك الدِّين أو القانون أو النظام، فهو محض أيدي ولوجيا قَبَليَّة فاسدة، تُناقض العقل والروح وأخلاقيَّات الإنسان الأوَّليَّة، التي هي من مسلَّماته الفطريَّة، ولو عاش معزولًا في غابة، كـ(حيِّ بن يقظان)، حسب قِصَّته في رسالة (ابن طفيل) المشهورة.

ـ لأن عقل الإنسان- إنْ كان عاقلًا- يفرض عليه بالضرورة ذلك النظام العادل، ويدلُّه على أنَّ ثمَّة خطوطًا حمراء، وحدودًا محترمة، وضرورات حياتيَّة؛ تحميه من غيره، وتحمي غيره منه.

ـ في هذا السياق قلتَ في مساق سابق إنَّك، من حيث المبدأ، بضدِّ سياسة المنع الثقافي، وهي غير ذات معنى اليوم في الشأن الثقافي. وبالرغم من هذا فإن أيَّ رقابة ستجد في نوعيَّة بعض النتاج المُسِفِّ- فكرًا وأخلاقًا وفنًّا- ذريعة وجودها، وغذاء قيامها، ليقول الناس إنها حينئذٍ مُحِقَّة في المنع، حمايةً للذَّوق العام، والأخلاق المرعيَّة، والبناء الاجتماعي الذي يُرفَض الاعتداء عليه. وذلك أضعف الإيمان.

ـ والمفارقة هنا أنَّ أولئك الذين لا يرون لفنِّ الرواية وظيفة اجتماعيَّة إصلاحيَّة- كما تقدَّم في حواراتنا السابقة- هم غارقون إلى آذانهم في الهمِّ الاجتماعي الإفسادي، وما داؤهم إلَّا ذلك الهمُّ، ولكن من منظور وظائف هم يميلون إليها أيديولوجيًّا، هي الإصلاح بحسبهم، تَصْدُق عليهم الآية: «وَإِذَا قِيلَ لَـهُمْ: لَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ، قَالُوا: إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُون.‎‏ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُون». وحين ينزلق الفهم، وتتهافت الأمانة، وتنحدر مسؤوليَّة الكلمة لدَى كاتبٍ أو ناقدٍ إلى هذا الدَّرك الأسفل من الانتماء تكون خطورتها الثقافيَّة، وبخاصَّة في فنٍّ غير نخبويٍّ- غالبًا- كالرِّواية، تتلقَّاه كُلُّ الشرائح، من الأطفال إلى كبار السِّنِّ، ومن مختلف مستويات التعليم، أكثر من غيره من الفنون.

ـ وإنْ كانت النخبويَّة غير مسوِّغة لقلَّة الأدب في الأدب أيضًا. من مثل صُوَر التحرُّش بالأطفال في بعض شِعر (نزار قباني)، كنصِّه السخيف تحت عنوان «عند الجدار»، مجموعته «سامبا»، 1949. وليست سخافة النصِّ أخلاقيَّة فحسب، بل فنيَّة أيضًا.

ـ رحم الله (عبد القاهر الجرجاني)(1) الذي نبَّه إلى أنَّ الاستخفاف بقِيَم الدِّين والعَبث الأخلاقي في الشِّعر، لا تمسُّ القِيَم والدِّين فحسب، بل تسيء قبل ذلك إلى رسالة الشاعر وعلاقته بالقارئ، فتقذفه بعيدًا عن جمهرة التلقِّي، ليضلَّ قابعًا مع مَن كان على شاكلته في الشذوذ من المتلقِّين، وهم الأقلُّ، مهما كان فساد المجتمع. معلِّقًا على بيت (المتنبِّي):