قد يحصل الطالب على درجات مرتفعة، وينتقل من صف إلى آخر بتفوق، ويحتفل بتخرجه، ثم يلتحق بالجامعة أو يدخل سوق العمل، ليكتشف أن الحياة تطرح عليه أسئلة لم يتدرب عليها بما يكفي خلال سنوات دراسته.
كيف يتخذ قرارًا عندما تتعارض البدائل؟ وكيف يتحقق من صحة معلومة تبدو مقنعة؟ وكيف يدير ميزانيته الشخصية؟ وكيف يتعامل مع اختلاف الآراء، وكيف يعمل ضمن فريق، وكيف يواجه مشكلة لا يجد لها إجابة جاهزة في كتاب أو موقع؟لا يعني ذلك أن التعليم لم ينجح، ولا أن التحصيل الدراسي فقد قيمته، بل يعني أن علينا أن نطرح سؤالًا أعمق: هل أعددنا أبناءنا للنجاح في المدرسة فحسب، أم أعددناهم أيضًا للنجاح في الحياة؟
ظل التحصيل الدراسي أحد أهم المؤشرات التي نستدل بها على تقدم الطالب، وهو مؤشر ضروري لا يمكن الاستغناء عنه. فالمعرفة الأساسية في اللغة والرياضيات والعلوم وغيرها من المجالات ليست ترفًا، بل هي أساس التفكير والتعلم والتقدم. لكن المشكلة تبدأ عندما نعامل هذا المؤشر وكأنه الصورة الكاملة لما اكتسبه الطالب من قدرات.
فالدرجة تخبرنا بشيء مهم عما أظهره الطالب في اختبار معين، لكنها لا تخبرنا وحدها بمدى قدرته على تطبيق معرفته في موقف جديد، أو تحليل مشكلة لم يسبق له مواجهتها، أو اتخاذ قرار مسؤول في ظل نقص المعلومات وتعدد الخيارات.
وهنا ينبغي أن نفرق بين ثلاثة أمور متكاملة: أن يعرف الطالب، وأن يفهم ما يعرفه، وأن يستطيع توظيف معرفته عندما يحتاج إليها. وقد يحقق تقدمًا في الأول والثاني، لكنه يحتاج إلى فرص تعليمية أكثر حتى ينتقل بثقة إلى الثالث.
إن التحدي ليس في أن نختار بين المعرفة والمهارة، بل في أن نجعل المعرفة أساسًا للمهارة، والمهارة طريقًا إلى التصرف الواعي والمسؤول.
لنتأمل بعض المواقف القريبة من حياة أبنائنا. قد يتعلم الطالب النسب المئوية في الرياضيات، لكنه يحتاج إلى تدريب عملي على استخدامها عند مقارنة الأسعار، أو حساب الخصومات، أو فهم تكلفة التمويل. وقد يدرس اللغة العربية سنوات طويلة، لكنه يحتاج إلى ممارسة إضافية حتى يستطيع بناء حجة مقنعة، وكتابة رسالة واضحة، وعرض رأيه أمام الآخرين. وقد يدرس العلوم، لكنه يحتاج إلى فرص يطبق فيها التفكير العلمي على مشكلة من بيئته، ويميز فيها بين الادعاء والدليل.
هذه الأمثلة تضع أمامنا سؤالًا عن مدى حضور التطبيق في خبرات طلابنا التعليمية، وعن قدرتنا على التحقق من انتقال أثر التعلم من الصف إلى الحياة.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي، تزداد أهمية هذا السؤال. فقد أصبح الوصول إلى المعلومات، وتلخيص النصوص، وتوليد الأفكار، والحصول على إجابات أولية أمورًا أكثر سهولة. لكن توافر الإجابة لا يضمن صحتها، وسهولة الحصول على الحل لا تعني أن صاحبه فهم المشكلة أو أحسن التصرف.
لذلك، فإن الطالب الذي نحتاج إلى إعداده للمستقبل ليس من يحفظ المعلومات وحدها، ولا من يعتمد على التقنية لإنجاز المهام فحسب، بل من يمتلك معرفة راسخة، ويعرف كيف يسأل، ويتحقق، ويحلل، ويوازن بين البدائل، ويستخدم الأدوات المتاحة بوعي ومسؤولية.
وهذا يقودنا إلى سؤال آخر: هل نمنح هذه القدرات مساحة كافية في خبرة الطالب اليومية؟
هل يمارس الطلاب اتخاذ القرار، أم يكتفون غالبًا بتنفيذ القرارات التي يتخذها الآخرون عنهم؟ وهل يتعلمون حل المشكلات الواقعية، أم تقتصر خبراتهم على المسائل التي يعرفون مسبقًا طريقة حلها؟ وهل تتاح لهم فرص التخطيط لمشروعات صغيرة، وتوزيع الأدوار، وإدارة الوقت، وتقييم النتائج، والتعلم من الخطأ؟
إن تنمية هذه القدرات لا تتطلب بالضرورة إضافة مقررات جديدة إلى جدول دراسي مزدحم، بل قد تبدأ من طريقة تدريس المقررات القائمة، وتصميم الأنشطة الصفية، وتطوير الواجبات، وتوسيع فرص التطبيق، ومراجعة أساليب التقويم.
فبدلًا من الاكتفاء بسؤال الطالب عما يعرفه عن مشكلة معينة، يمكن أن نطلب منه تحليلها، واقتراح حلول لها، ومقارنة البدائل، وتفسير اختياره. وبدلًا من أن يكون المشروع المدرسي مجرد مهمة لإعداد عرض تقديمي، يمكن أن يصبح تجربة حقيقية يتعلم فيها الطالب التخطيط، والتعاون، وإدارة الموارد، وعرض النتائج، والدفاع عن قراراته.
وللمعلم هنا دور محوري؛ فهو ليس ناقلًا للمعرفة فحسب، بل مصمم لخبرات التعلم التي تساعد الطالب على تحويل المعرفة إلى قدرة. كما أن قائد المدرسة، والمشرف التربوي، والجهات المسؤولة عن المناهج والتقويم، شركاء في توفير البيئة التي تجعل هذه الممارسات ممكنة وقابلة للاستمرار.
لسنا في ذلك نبدأ من فراغ؛ فلدى المملكة إطار وطني لمعايير مناهج التعليم العام، يمثل مرجعية مهمة لتحديد نواتج التعلم المستهدفة. والسؤال الذي يستحق النقاش اليوم هو: كيف نتحقق من انتقال هذه النواتج من المعايير والوثائق إلى قدرات فعلية لدى الطلاب؟ وكيف نقيس قدرتهم على توظيف ما تعلموه في مواقف جديدة، إلى جانب قياس تحصيلهم الأكاديمي؟
ومن هنا، أرى أهمية تطوير إطار وطني متكامل لقياس قدرات المتعلم في مراحل التعليم العام، يتكامل مع الاختبارات القائمة، ويستعين بمواقف تطبيقية ومشروعات وأدوات تقويم متنوعة لقياس قدرته على التفكير الناقد، وحل المشكلات، واتخاذ القرار، وتوظيف المعرفة في مواقف جديدة.وينبغي أن تُحدد لهذه القدرات مستويات مستهدفة تتناسب مع كل مرحلة عمرية، وأن تُختبر أدوات قياسها قبل التوسع في تطبيقها، حتى لا تتحول المهارات المستهدفة إلى مؤشرات شكلية جديدة، بل تظل وسيلة لتحسين التعلم وتطوير الممارسة التعليمية.
وتقدم تجارب تعليمية دولية، مثل فنلندا وسنغافورة، مجالات جديرة بالدراسة في كيفية دمج الكفايات العابرة للتخصصات ومهارات المستقبل في العملية التعليمية. ففي فنلندا، مثلًا، يتضمن المنهج الوطني كفايات تمتد عبر المواد الدراسية، تشمل التفكير وتعلم كيفية التعلم، وإدارة الحياة اليومية، والكفايات الرقمية، والاستعداد للعمل والمشاركة المجتمعية. وتكمن أهمية دراسة هذه التجارب في فهم كيفية تحويل المهارات المستهدفة إلى ممارسات تعليمية، وكيفية تقويم اكتساب الطلاب لها، لا في نقل النماذج كما هي.
كما يمكن أن تستفيد المنظومة التعليمية من دراسات طولية تتابع عينة من الخريجين في مراحل لاحقة من حياتهم التعليمية والمهنية، لتتعرف على المهارات التي ساعدتهم، والفجوات التي واجهوها، ومدى ارتباط خبراتهم المدرسية بقدرتهم على التعلم والتكيف والعمل. وينبغي تفسير النتائج بحذر، فلا تُنسب كل نجاحات الفرد أو تعثراته إلى المدرسة وحدها، ولا تُختزل قيمة التعليم في الحصول على وظيفة أو تحقيق دخل أعلى.
وفي ظل ما تستثمره المملكة في الإنسان من خلال برنامج تنمية القدرات البشرية وغيره من برامج رؤية 2030، يصبح السؤال عن الأثر الذي تتركه سنوات التعليم في قدرات المتعلم سؤالًا لا يقل أهمية عن حجم الاستثمار نفسه. فالغاية ليست اكتساب المعرفة وحدها، بل بناء إنسان قادر على توظيفها، ومواصلة التعلم، والتكيف مع المتغيرات، والإسهام في تنمية وطنه.
قد يكون الطالب المتفوق هو الذي أتقن ما طُلب منه، لكن غايتنا الأبعد أن يكون قادرًا أيضًا على توظيف ما تعلمه، ومواصلة التعلم، واتخاذ القرار، والمشاركة في بناء مجتمعه.ولعل السؤال الذي يستحق أن نصحبه معنا عند مراجعة كل مقرر، وتصميم كل نشاط، وتطوير كل أداة تقويم، هو: