تحل اليوم الحادي والعشرون من أبريل، ذكرى رحيل فارس الكلمة وعرّاب العامية المصرية، الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي، ذلك "الخال" الذي غاب جسداً في عام 2015، لكنه ظل حاضراً بصوته الأسمر المحمّل بعبير طمي النيل، وقصائده التي لا تزال تدق في وجدان المصريين كدقات قلوبهم.
في قلب قرية "أبنود" بصعيد مصر، نبتت موهبة الأبنودي عام 1938، حيث استقى من تفاصيل الحياة اليومية البسيطة مفرداته التي صاغ بها وجدان أمة، فلم يكتب الأبنودي شعراً للنخبة، بل كتب للعمال، للفلاحين، وللعاشقين، محولاً معاناتهم وأفراحهم إلى أغانٍ وطنية وعاطفية شكّلت الهوية المصرية المعاصرة.
لم يكن الأبنودي مجرد شاعرٍ ينسج القوافي، بل كان "مؤرخاً شعبياً" بامتياز، أفنى أكثر من 30 عاماً من عمره في ملاحقة خيوط "السيرة الهلالية"، متنقلاً بين القرى والنجوع والبلدان العربية.
وكان لقاؤه الأسطوري بشاعر الربابة العملاق العم جابر أبو حسين نقطة التحول، حيث رافقه في سوهاج والقاهرة، وسجل معه السيرة بكلمته الشهيرة التي حفظها التاريخ: "قول يا عم جابر". بفضله، خرجت السيرة الهلالية من الاندثار الشفاهي إلى التوثيق العالمي، لتصبح مرجعاً للأجيال في فنون الصبر والفروسية.
وفي قلب مسقط رأسه، يقف متحف ومركز الأبنودي للسيرة الهلالية شاهدًا حيًا على هذا المشروع الثقافي الكبير، حيث يمثل المتحف أحد أهم الصروح التراثية في صعيد مصر. وقد تم افتتاحه رسميًا في 30 مايو 2015، تزامنًا مع إحياء ذكرى الأربعين لرحيل الشاعر، ليكون بمثابة هدية منه لقريته وأبناء وطنه.
يقع المتحف على مساحة تقترب من 640 مترًا مربعًا، ويهدف إلى توثيق رحلة الأبنودي في جمع السيرة الهلالية، والحفاظ على هذا الموروث الشعبي من الاندثار. ويضم المتحف قاعة عرض تحتوي على صور فوتوغرافية نادرة للشاعر مع كبار رواة السيرة، إلى جانب مقتنياته الشخصية وتسجيلات صوتية وفيديو توثق هذا الفن الشفاهي بصوت رواته الأصليين.
و يحتوي المتحف الرائع على مكتبة متخصصة تضم آلاف الكتب في مجالات الأدب والتراث الشعبي، فضلًا عن استراحة مخصصة للباحثين والمهتمين، ما يجعله مركزًا ثقافيًا متكاملًا يستقبل الزوار من داخل مصر وخارجها
ويظل الأبنودي، رغم الغياب، حاضرًا في تفاصيل هذا المكان، حيث تتحول جدران المتحف إلى ذاكرة حية تروي سيرة شاعر اختار أن يكون صوت الناس، وحارسًا أمينًا لتراثهم، ليبقى اسمه محفورًا في تاريخ الثقافة المصرية كأحد أبرز من أنصفوا الكلمة الشعبية ورفعوا من شأنها.