كان الربط المتقدّم بين «اللغة» و»الفكر»؛ في سياقات ذات صلة برؤية الفكر من حيث هو «نظر متوحد» -كما سمّاه حمّو النقاريّ-، ينظرُ في ماهيات الأشياء، وفق الطرق الفلسفية المعهودة، أي: يبحث عن الشيء في حقيقته الأصلية، ما هو؟ وسببه، ومرتبته الوجودية.. وما إلى ذلك من متعلقات الفكر الفلسفي القديم الدائر حول الماهيّات، وما يتفرع عن ذلك من مناهج لضبط الطرق للوصول لتحديد الماهيات، والقيم بعد دخول معياريّة المناهج بين صدق وكذب، وتسمية الماهر بهذه الطرائق الرابطة بين اللغة الحاملة للفكر والفكر المتجلّي من خلال اللغة بـ «الفيلسوف» مثلاً. وقد أخرجت المقارنات فيما بعد بين «البرهان» و»الحجاج»، تمايزاً من حيث مصدريةّ النظر بين شخص متوحد وعدة أشخاص، فمُيّز «النظر الواحد» المتصل بأحادية البرهان، مقابل «النظر المتعدد» وتشاركية الحجاج...، والنظر المقصود هنا هو النظر الصناعي، أي الاستدلاليّ، لا مجرد النظر العاديّ. ومن هنا أنقل تسمية «نظر متوحد» مسقطة لفظ «نظر» إلى «الفكر المتوحد» في علاقته باللغة؛ التي كُتب عنها كثيراً، ويقابلها صلة «الفكر الاجتماعي» باللغة؛ وهي رؤية تنظر للغة الحاملة للفكر من جهة، والعكس أيضاً، في تخلٍّ عن معيارية الفكر القبلية أو القصديّة، إلى وصف الفكر، والمؤطرات الاجتماعيّة، والرؤية الكونيّة. فهذه الرؤية تلتصق أكثر بالدراسات الحديثة، وفشوّ المناهج الوصفيّة، ورؤية مقدّرة للغة من حيث هي كاشفة عن تحولات فكرية في الرؤية المجتمعية للكون والحياة. وأوّل خطوات دَرْسِها من التحولات الدلالية -في تداخل مع البنيويّة-، وما تكشفه اللغة عن طبقات تاريخية معينة، وانتقالات؛ قد لا تسعفُ كتب التاريخ لكشفها، وتبقى كامنة في عالم اللغة المتوارث. وممن استعمل علم الدلالات للكشف عن الفكر والمعنى في السياق المجتمعي من خلال اللغة، عبر تحولات اجتماعية؛ هو: المستعرب الياباني «توشيهيكو أوزيتسو»، متخذاً ألفاظ القرآن العظيم موضوعا لأحد دراساته، فدرسها وفق مراحل: المرحلة الأولى تكشف عن المجالات المفهومية، ثم ترابط هذه المجالات في ذاتها، كذا الكشف عن ترابط المجالات فيما بينها، فالكشف عن كيفية الانتظام في البنية الأكبر «بنية القرآن الكريم المعنويّة». وبعد ذلك ينتقل للمرحلة الثانية، مبرزاً مبدأ تكوّن كل حقل دلالي من خلال مفهوم هو «الكلمة الصميميّة»، وهي كلمة يمكن تقريبها بتشبيهها بالنواة بالنسبة للدائرة، فهذه النواة هي المركز، والدائرة -الحقل- حدود مجالها، وهذه الدائرة تضم منطقتين متقابلتين بالضد، في كل منطقة كلمات، وبهاتين المنطقتين المتقابلتين يظهر الحقل الدلالي الكاشف عن الكلمات الصميميّة الجامعة. مثل الحقل الدلالي لمنطقتين متضادتين هما: الإيمان والكفر، ففي منطقة الإيمان دلالات إيجابية كالشكر والإسلام والتصديق، وفي منطقة الكفر دلالات سلبية كالعصيان والتكذيب... وهي أوصاف تتعلق بكلمة صميمية هي «الصراط»، حيث يتعلق الإيمان والكفر بالعبد في علاقته بالله، فهو بين مسلكين: مسلك إيجابي هو صراط الهدى والرشاد، أو مسلك سلبي هو صراط التيه والغواية والضلال، أي بين صراط مستقيم، وصراط أعوج. وهذه الكلمات الصميميّة من حقول الدلالات تتجمع كلها لتدل على الكلمة الصميميّة الأشمل في القرآن الكريم كله، وهي لفظ الجلالة «الله». فقصد «توشيهيكو» هو استخلاص النظام المفهوميّ للمعجم القرآني في ترابطه، بطريقة بنيوية، لا مجرد معجم لفظي سرديّ كما هي المعاجم التقليدية، بل معجم أكثر تعقيداً وتركيباً، ينتظم لا على حروف المعجم فقط، بل يتجاوزها إلى ما وراءها من بنُى الحقول الدلالية، بين الوضع الأصلي للألفاظ والمعنى السياقيّ-العلائقي، ومن ثمّ يقود هذا لاستخلاص المعاني الضامّة لهذه البُنى الدلالية، واستخلاص النظرة الكونيّة إلى العالم. أي أن الدلالة المعجمية ليست بين دال ومدلول، بل تتجاوزها لكشف طبقات دلالية فوق ذلك، تقود تراتبية بحثها ودراستها إلى طبقات كبرى تكشف عن الفكر - أو المعنى - وتحولاته من خلال التحولات الدلالية للألفاظ في مجتمع استعملها بطريقة معينة، ثم حملت هذه الدلالات التحولات التاريخية الاستعمالية لها، لتكشف في كل تحوّل عن رؤية كونية ما.