ما لا تقوله الكلمات – أنس  تشكالا

نحن نتحدث كثيرًا، وربما أكثر مما كنا نتحدث في أي وقت مضى. رسائل لا تنتهي، ومحادثات سريعة، وتعليقات، ومكالمات، ومنشورات تختصر أفكارًا ومشاعر كاملة في كلمات قليلة. ومع ذلك، قد يمر يوم كامل ونحن نقول عشرات الأشياء، دون أن نقول الشيء الذي نريد قوله حقًا.

فالكلمات، على الرغم من قدرتها العجيبة على التعبير، ليست دائمًا قادرة على حمل كل ما في داخلنا. قد نقول «أنا بخير» لأننا لا نريد أن نشرح، ونقول «لا بأس» لأننا لا نريد أن نفتح حديثًا طويلًا، ونقول «كما تريد» بينما نملك رأيًا آخر لم نجد الشجاعة أو الوقت للتعبير عنه. الكلمات هنا لم تكن كاذبة بالضرورة، لكنها لم تكن كاملة أيضًا.

هناك أشياء لا تظهر في الكلمات نفسها، بل في الطريقة التي قيلت بها. نبرة الصوت قد تمنح الجملة معنى آخر، والصمت الذي يأتي بعدها قد يقول أكثر مما قالته الجملة، والتردد قبل الإجابة قد يكشف شيئًا لا تستطيع العبارة أن تقوله. ولذلك قد نسمع كلمة واحدة من شخص نعرفه، فنفهم منها ما لا يفهمه شخص آخر؛ لأننا لا نسمع الكلمات وحدها، بل نسمع ما وراءها.

ولعل أكثر ما يربك الإنسان أن تكون الكلمات صحيحة، لكنها لا تعبّر عن الحقيقة كاملة. قد يقول شخص: «أنا مشغول»، ويكون مشغولًا فعلًا، لكن انشغاله قد يكون أحيانًا طريقة لتجنب شيء آخر. وقد يقول آخر: «لا أحتاج إلى شيء»، بينما هو في الحقيقة يحتاج إلى أن يشعر بأن أحدًا انتبه إليه. وقد نسمع «أنا سعيد لك» فنصدق العبارة، لكننا لا نعرف كم من المشاعر الأخرى اختبأت خلفها.

لهذا لا ينبغي أن نقرأ الناس من كلماتهم وحدها، كما لا ينبغي أن نحاكمهم على جملة عابرة. فالإنسان أكبر من عبارته الأخيرة، وأوسع من موقف واحد، وأعمق من الكلمات التي استطاع أن يجدها في لحظة معينة.

وفي المقابل، نحن أيضًا مسؤولون عن الكلمات التي نستخدمها. ليس من العدل أن نطلب من الآخرين أن يفهموا ما لم نقل، ثم نلومهم لأنهم لم يكتشفوا ما نخفيه. فكما أن للكلمات حدودًا، للصمت حدود أيضًا. وما ننتظره من الآخرين من فهمٍ لما وراء الكلام، قد يحتاج منا أحيانًا إلى قدر من الصراحة يجعل الفهم ممكنًا.

ربما لهذا كانت بعض المحادثات الصادقة نادرة وثمينة. ليست لأنها تحتوي على كلمات كثيرة، بل لأنها لا تحتاج إلى كثير من الكلمات. شخص يقول لك: «أنا متعب»، ولا يخجل من أن يكون ضعيفًا قليلًا. وآخر يقول: «أخطأت»، دون أن يبحث عن تبرير. وشخص يملك القدرة على أن يقول: «أحتاج إليك»، دون أن يرى في ذلك نقصًا.

وفي زمن أصبحت فيه الرسائل النصية تختصر كثيرًا من مشاعرنا، ربما أصبحنا بحاجة أكثر إلى أن نتعلم فن الإصغاء. أن نقرأ السياق، وننتبه إلى الصمت، ونمنح الآخر فرصة لأن يعبر دون أن نسارع إلى الحكم عليه. فليس كل صمت تجاهلًا، وليس كل ضحكة فرحًا، وليس كل «أنا بخير» دليلًا على أن كل شيء بخير.

لكن الإصغاء الحقيقي لا يعني أن نتحول إلى مفسرين دائمين للناس، فنبحث عن معنى خفي خلف كل كلمة. أحيانًا تكون الكلمة كما هي، ويكون «أنا بخير» مجرد «أنا بخير». الحكمة ليست في الشك بكل ما يقال، وإنما في معرفة متى نكتفي بالكلمات ومتى نشعر بأن وراءها شيئًا يستحق أن نسأل عنه بلطف.

وربما أجمل ما يمكن أن نتعلمه من اللغة أن الكلمات لا تكشف كل شيء، لكنها تفتح الأبواب. كلمة صادقة قد تبدأ حوارًا طال انتظاره، واعتذار بسيط قد يصلح ما أفسدته مسافة طويلة، وسؤال مثل «هل أنت بخير حقًا؟» قد يمنح إنسانًا مساحة ليقول للمرة الأولى ما عجز عن قوله طوال الوقت. فليست المشكلة دائمًا في أننا لا نملك الكلمات، بل ربما في أننا نبحث عن الكلمات المثالية، بينما ما يحتاجه الآخر أحيانًا هو كلمة صادقة فقط.

وفي النهاية، ستظل هناك أشياء أكبر من اللغة، وأعمق من العبارة، وأثقل من أن تحملها جملة واحدة. لكن ذلك لا يعني أن نصمت عنها دائمًا. فبعض ما لا تقوله الكلمات… قد يكون بالضبط ما يحتاج إلى أن نقوله.

نحن نتحدث كثيرًا، وربما أكثر مما كنا نتحدث في أي وقت مضى. رسائل لا تنتهي، ومحادثات سريعة، وتعليقات، ومكالمات، ومنشورات تختصر أفكارًا ومشاعر كاملة في كلمات قليلة. ومع ذلك، قد يمر يوم كامل ونحن نقول عشرات الأشياء، دون أن نقول الشيء الذي نريد قوله حقًا.

فالكلمات، على الرغم من قدرتها العجيبة على التعبير، ليست دائمًا قادرة على حمل كل ما في داخلنا. قد نقول «أنا بخير» لأننا لا نريد أن نشرح، ونقول «لا بأس» لأننا لا نريد أن نفتح حديثًا طويلًا، ونقول «كما تريد» بينما نملك رأيًا آخر لم نجد الشجاعة أو الوقت للتعبير عنه. الكلمات هنا لم تكن كاذبة بالضرورة، لكنها لم تكن كاملة أيضًا.

هناك أشياء لا تظهر في الكلمات نفسها، بل في الطريقة التي قيلت بها. نبرة الصوت قد تمنح الجملة معنى آخر، والصمت الذي يأتي بعدها قد يقول أكثر مما قالته الجملة، والتردد قبل الإجابة قد يكشف شيئًا لا تستطيع العبارة أن تقوله. ولذلك قد نسمع كلمة واحدة من شخص نعرفه، فنفهم منها ما لا يفهمه شخص آخر؛ لأننا لا نسمع الكلمات وحدها، بل نسمع ما وراءها.

ولعل أكثر ما يربك الإنسان أن تكون الكلمات صحيحة، لكنها لا تعبّر عن الحقيقة كاملة. قد يقول شخص: «أنا مشغول»، ويكون مشغولًا فعلًا، لكن انشغاله قد يكون أحيانًا طريقة لتجنب شيء آخر. وقد يقول آخر: «لا أحتاج إلى شيء»، بينما هو في الحقيقة يحتاج إلى أن يشعر بأن أحدًا انتبه إليه. وقد نسمع «أنا سعيد لك» فنصدق العبارة، لكننا لا نعرف كم من المشاعر الأخرى اختبأت خلفها.

لهذا لا ينبغي أن نقرأ الناس من كلماتهم وحدها، كما لا ينبغي أن نحاكمهم على جملة عابرة. فالإنسان أكبر من عبارته الأخيرة، وأوسع من موقف واحد، وأعمق من الكلمات التي استطاع أن يجدها في لحظة معينة.

وفي المقابل، نحن أيضًا مسؤولون عن الكلمات التي نستخدمها. ليس من العدل أن نطلب من الآخرين أن يفهموا ما لم نقل، ثم نلومهم لأنهم لم يكتشفوا ما نخفيه. فكما أن للكلمات حدودًا، للصمت حدود أيضًا. وما ننتظره من الآخرين من فهمٍ لما وراء الكلام، قد يحتاج منا أحيانًا إلى قدر من الصراحة يجعل الفهم ممكنًا.

ربما لهذا كانت بعض المحادثات الصادقة نادرة وثمينة. ليست لأنها تحتوي على كلمات كثيرة، بل لأنها لا تحتاج إلى كثير من الكلمات. شخص يقول لك: «أنا متعب»، ولا يخجل من أن يكون ضعيفًا قليلًا. وآخر يقول: «أخطأت»، دون أن يبحث عن تبرير. وشخص يملك القدرة على أن يقول: «أحتاج إليك»، دون أن يرى في ذلك نقصًا.

وفي زمن أصبحت فيه الرسائل النصية تختصر كثيرًا من مشاعرنا، ربما أصبحنا بحاجة أكثر إلى أن نتعلم فن الإصغاء. أن نقرأ السياق، وننتبه إلى الصمت، ونمنح الآخر فرصة لأن يعبر دون أن نسارع إلى الحكم عليه. فليس كل صمت تجاهلًا، وليس كل ضحكة فرحًا، وليس كل «أنا بخير» دليلًا على أن كل شيء بخير.

لكن الإصغاء الحقيقي لا يعني أن نتحول إلى مفسرين دائمين للناس، فنبحث عن معنى خفي خلف كل كلمة. أحيانًا تكون الكلمة كما هي، ويكون «أنا بخير» مجرد «أنا بخير». الحكمة ليست في الشك بكل ما يقال، وإنما في معرفة متى نكتفي بالكلمات ومتى نشعر بأن وراءها شيئًا يستحق أن نسأل عنه بلطف.