ما لا تراه العين! – صالح الشادي

حين يسأل الإنسان: هل توجد كائنات فضائية؟ فهو يسأل في الحقيقة سؤالين: هل نحن وحدنا؟ وهل نستطيع أصلًا رؤية غيرنا؟ والسؤال الثاني هو مفتاح الأمر؛ لأن عين الإنسان ليست مقياسًا للوجود، بل نافذة ضيقة على الواقع. فدرجة الرؤية عند الإنسان محدودة بطول موجي ضيق، يقارب 380 إلى 750 نانومترًا. ما دون ذلك من الأشعة فوق البنفسجية والسينية وغاما، وما فوقه من تحت الحمراء والميكروويف وموجات الراديو، لا تراه العين، لكنه موجود، ونلتقطه بالأجهزة. الهاتف يستقبل ما لا نرى، والتحكم عن بعد يرسل ما لا نرى، والميكروبات كانت مجهولة قبل المجهر. وليس كل غير مرئي غير موجود؛ فالإلكترون لا نراه، والثقب الأسود لا نراه مباشرة، لكننا نرى أثرهما. إذن، حولنا عوالم كاملة تعيش فوقنا ومن تحتنا، لكنها خارج حاسة البصر.

والقرآن لا يغلق باب المجهول، بل يفتحه بأدب: {ويخلق ما لا تعلمون}، {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما إلا بالحق}، {لتركبن طبقًا عن طبق}. وفيه أن هناك من يرانا ولا نراه. لكن التصنيف الإسلامي أوسع من ثنائية ترابي وغير ترابي: الملائكة من نور، والجن من نار أو مارج، والإنسان من طين. والجن عالم غيبي مكلَّف، له أحكامه، وليس مرادفًا للفيروسات أو البكتيريا أو سكان المريخ. أما الكائنات الفضائية فهي بحث علمي عن حياة بيولوجية أخرى، قد تكون قريبة من حياتنا أو مختلفة عنها. وناسا تبحث عن الماء والكربون لأنها تعرف الحياة كما نعيشها. هذا منطق علمي محدود لا خطأ فيه، لكنه ليس كل الاحتمال. قد توجد حيوات كثيرة حولنا ومن تحتنا ومن فوقنا، لكنها لا تعنينا، وعند الله سرها.

وفي القرآن حديث عن الحفظ والرجم: {وحفظناها من كل شيطان رجيم}، {وجعلناها رجوماً للشياطين}. والحفظ لا يختص بالأحياء فقط؛ فالله يحفظ السماوات من الاختلال، والأرض من الفساد، والوحي من التحريف، والإنسان من الشر. فالجمادات تُحفظ بمعنى بقاء النظام، والأحياء تُحفظ بمعنى الحماية والهداية. أما {رجومًا} فأول ما يتبادر إلى الذهن هو الرمي والطرد، وهو المعنى المشهور عند جمهور المفسِّرين؛ لأن الرجم في أصل اللغة هو الرمي بالحجارة، ومنه الرجيم بمعنى المطرود الملعون. لكن اللغة أوسع من ذلك، فالعرب استعملت «الرجم» أيضًا للمكان المرتفع النائي، وللقبر، ولما يُبنى من حجارة فيُرمى به. ومن هنا يمكن أن يُفهم {رجومًا} على أنها مساكن أو مواضع بعيدة مرتفعة، أو أنها في الوقت نفسه رجم بالمعنى الآخر. والقرآن يحتمل وجوهًا، والعلم عند الله. لا نجزم بتفسير واحد ونلغي غيره، ولا نتجاوز حدودنا فنقول على الله بغير علم. ما نعلمه قطرة، وما نجهله بحر.

والقرآن نفسه يمنعنا من أن نحصر المعنى في زاوية واحدة؛ لأنه قال {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما إلا بالحق}، وقال {ويخلق ما لا تعلمون}، وقال {لتركبن طبقًا عن طبق}. كل ذلك يشير إلى أن الكون ليس عبثًا، وليس فراغًا، وليس صدفة. فيه نظام، وفيه طبقات، وفيه مخلوقات، وفيه أسرار. ومن ظن أن هذا الكون الواسع خُلق هباءً، فقد ظلم عقله قبل أن يظلم فهمه. ملايين المجرات، ومليارات النجوم، ومسافات تُقاس بملايين السنين الضوئية، وكل ذلك يعمل بدقة لا تختل. فكيف يكون هذا كله بلا معنى؟ وهنا يظهر ضعفنا أمام عظمة الخالق. نحن لا نرى إلا شريحة ضيقة من الطيف، ولا نسمع إلا نطاقًا محدودًا من الترددات، ولا نعيش إلا سنين قليلة، ولا نعرف من الكون إلا ما وصل إليه علمنا القاصر. ثم بعد ذلك نأتي لنحكم: لا توجد حياة أخرى، ولا توجد كائنات خفية، ولا يوجد إلا ما نراه. هذا غرور لا يليق بعاقل. قال تعالى {وما أُوتيتم من العلم إلا قليلًا}. فنحن ضعفاء بعلمنا، ضعفاء بحواسنا، ضعفاء بأعمارنا، والله هو العلي العظيم الذي خلق كل شيء وأحصاه.

وإذا كان الأمر كذلك، فإن كل شيء ممكن ومحتمل. من الممكن أن توجد كائنات لا نراها، ومن الممكن أن توجد عوالم فوقنا وتحتنا، ومن الممكن أن يكون ما نسميه فراغًا مليئًا بحياة لا ندركها. ومن الممكن أن يكون الفيروس أبسط الكائنات الخفية، وأن تكون الملائكة أعظمها، وبينهما عوالم لا تُحصى. لكن الاحتمال لا يعني الجزم، والإمكان لا يعني الحقيقة. ما ثبت بالدليل نصدقه، وما أخبر به الوحي نؤمن به، وما جهلناه نتركه لله. لا نقدس الخيال، ولا نغلق العقل، ولا نجزم بما لا نعلم. والكون كله مليء بما لا نراه، لكن أعظم ما فيه أن نعرف لماذا خُلقنا، ونعبد من خلقه بالحق، ونتواضع أمام عظمته، ونقول كما قال تعالى {ربنا ما خلقت هذا باطلًا}.

حين يسأل الإنسان: هل توجد كائنات فضائية؟ فهو يسأل في الحقيقة سؤالين: هل نحن وحدنا؟ وهل نستطيع أصلًا رؤية غيرنا؟ والسؤال الثاني هو مفتاح الأمر؛ لأن عين الإنسان ليست مقياسًا للوجود، بل نافذة ضيقة على الواقع. فدرجة الرؤية عند الإنسان محدودة بطول موجي ضيق، يقارب 380 إلى 750 نانومترًا. ما دون ذلك من الأشعة فوق البنفسجية والسينية وغاما، وما فوقه من تحت الحمراء والميكروويف وموجات الراديو، لا تراه العين، لكنه موجود، ونلتقطه بالأجهزة. الهاتف يستقبل ما لا نرى، والتحكم عن بعد يرسل ما لا نرى، والميكروبات كانت مجهولة قبل المجهر. وليس كل غير مرئي غير موجود؛ فالإلكترون لا نراه، والثقب الأسود لا نراه مباشرة، لكننا نرى أثرهما. إذن، حولنا عوالم كاملة تعيش فوقنا ومن تحتنا، لكنها خارج حاسة البصر.

والقرآن لا يغلق باب المجهول، بل يفتحه بأدب: {ويخلق ما لا تعلمون}، {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما إلا بالحق}، {لتركبن طبقًا عن طبق}. وفيه أن هناك من يرانا ولا نراه. لكن التصنيف الإسلامي أوسع من ثنائية ترابي وغير ترابي: الملائكة من نور، والجن من نار أو مارج، والإنسان من طين. والجن عالم غيبي مكلَّف، له أحكامه، وليس مرادفًا للفيروسات أو البكتيريا أو سكان المريخ. أما الكائنات الفضائية فهي بحث علمي عن حياة بيولوجية أخرى، قد تكون قريبة من حياتنا أو مختلفة عنها. وناسا تبحث عن الماء والكربون لأنها تعرف الحياة كما نعيشها. هذا منطق علمي محدود لا خطأ فيه، لكنه ليس كل الاحتمال. قد توجد حيوات كثيرة حولنا ومن تحتنا ومن فوقنا، لكنها لا تعنينا، وعند الله سرها.

وفي القرآن حديث عن الحفظ والرجم: {وحفظناها من كل شيطان رجيم}، {وجعلناها رجوماً للشياطين}. والحفظ لا يختص بالأحياء فقط؛ فالله يحفظ السماوات من الاختلال، والأرض من الفساد، والوحي من التحريف، والإنسان من الشر. فالجمادات تُحفظ بمعنى بقاء النظام، والأحياء تُحفظ بمعنى الحماية والهداية. أما {رجومًا} فأول ما يتبادر إلى الذهن هو الرمي والطرد، وهو المعنى المشهور عند جمهور المفسِّرين؛ لأن الرجم في أصل اللغة هو الرمي بالحجارة، ومنه الرجيم بمعنى المطرود الملعون. لكن اللغة أوسع من ذلك، فالعرب استعملت «الرجم» أيضًا للمكان المرتفع النائي، وللقبر، ولما يُبنى من حجارة فيُرمى به. ومن هنا يمكن أن يُفهم {رجومًا} على أنها مساكن أو مواضع بعيدة مرتفعة، أو أنها في الوقت نفسه رجم بالمعنى الآخر. والقرآن يحتمل وجوهًا، والعلم عند الله. لا نجزم بتفسير واحد ونلغي غيره، ولا نتجاوز حدودنا فنقول على الله بغير علم. ما نعلمه قطرة، وما نجهله بحر.