ما كان خلف الغيب لا تعبأ به وكفى عناءً أننا أحياء! عند قراءة هذا البيت الشارد، والتأمل فيما يكتنفه من ثقل في معناه، وحصافة في أسلوبه، وما يتوشحه من رداء التوكل واليقين، قد يخطر ببالك أنه أحد أبيات أبي العتاهية أو أبي العلاء المعري؛ إذ إن كثيرًا مما جادت به قرائحهم انصرف إلى الدنيا، والتعامل مع أحوالها، وإلى فلسفة عيشها والتعاطي مع تقلبات أيامها. غير أن هذا البيت يُنسب إلى طبيب سعودي وشاعر معاصر هو زاهد القرشي. وفي هذا البيت يشير زاهد إلى نهج عظيم، وفلسفة حياة فعّالة، تنقل الإنسان من زعزعة الشكوك، والارتياب مما خفي، وانعدام اليقين فيما هو قادم، إلى ما يثبت القدم، ويستحثها على المضي قدمًا، وإلى ما يخفف أحمالاً لا يطيقها الجسد، ولا يتقد أو يستبصر معها الذهن. إنه يدعونا إلى أن نصرف اهتمامنا إلى ما هو ماثل أمام أعيننا، وملموس بين أيدينا، وما تتفاعل معه نفوسنا وأرواحنا؛ أي إلى «الحاضر»، وإلى ما هو حاصل في اللحظة الآنية. أما ما سيكون غدًا، أو بعد برهة من الزمن، فلا طائل من استباق عنائه والانشغال به، وحسبنا عناءً خوض ما هو قائم! ومن نافل القول، اعتبار أن عقل الإنسان لا يحبذ التعامل مع المجهول، ولذلك يصطنع في مخيلته شتى «السيناريوهات» كلما غاب اليقين. وما ذلك إلا أحد تجليات ما يعرف في علم النفس بـ»نزعة النجاة» « survival Instinct»، التي ورثناها جينيًا عن أسلافنا؛ إذ يميل العقل إلى تضخيم كل حدث قادم، وتصعيب كل تجربة جديدة، رغبةً في حمايتنا من المخاطر الخارجية، وكل ذلك يفضي بالإنسان إلى رفع مستوى حذره، واستنفار انتباهه، استعدادًا لما يظنه خطرًا محدقًا، وإن لم يكن له في الواقع وجود. ويؤيد هذا الطرح، من رواق الفلسفة، قول الفيلسوف الرواقي سينيكا: «نحن نعاني في الخيال أكثر مما نعاني في الواقع». ومما يُستأنس بذكره في هذا المقام ما ورد في طيات السيرة النبوية؛ إذ إن أعرابيًا يُقال له الحارث بن عمرو ألقى على النبي ﷺ أسئلةً تتعلق بالمغيبات؛ فسأل عن قيام الساعة، ونزول المطر، وما في بطن امرأته، وماذا تكسب نفسه غدا؟ وبأي أرض يموت؟، فجاء الوحي مؤكدًا أن هذه المغيبات مما استأثر الله بعلمه، حيث إن الهدي الإلهي يدعونا إلى التحرر من مطاردة ما حُجبت معرفته، أو الإفراط في استنزاف النفس بمحاولة استكشاف ما هو قادم؛ فالحقيقة المطلقة أن الغد يظل محجوبًا عن الإنسان، مهما أوتي من ذكاء أو إيمان أو بصيرة. قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (لقمان: 34) فهو سبحانه عليمٌ بشؤون خلقه، وخبيرٌ بما يصلح لهم من أقدار، وما ينسجم مع مساراتهم ومصائرهم، بينما لم يُكلَّف الإنسان إلا أن يحسن السعي فيما بين يديه، ويكل عناء ما وراء ذلك إلى علم الله وحكمته. وتنسب هذا المقولة لابن عطاء الله: «أرح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك لا تقم به لنفسك»، ولعل هذا هو العلاج الأنجع لقلق الغيب؛ أن يبذل الإنسان وسعه فيما بين يديه، ثم يودع ما وراء ذلك من أرزاق، وأقوات، ومقادير إلى من بيده مقاليد الأمور. فالإله، بحكمته، لم يكلف نفوسنا إلا ما يسعها، ولم يستجلب إليها عناء ما تغشاه يد رحمته، وتكفله عنايته.