ما دلالات توسع كبرى شركات إدارة الأصول بالإمارات؟

إن تزايد جاذبية الأسواق المالية يمثل انعكاساً مباشراً لمتانة البيئة التنظيمية والقدرة على توفير ملاذات آمنة ومستقرة لرؤوس الأموال الاستثمارية العالمية. ويظهر هذا بوضوح في المشهد المالي لدولة الإمارات العربية المتحدة، التي باتت تشهد تدفقات نوعية من كبرى شركات إدارة الأصول وصناديق التحوط العالمية.

هذه المؤسسات والشركات تترجم ثقتها عبر توسع استراتيجي طويل الأجل وافتتاح مكاتب وعمليات جديدة، مدفوعة بالنمو القياسي لأحجام الأصول تحت الإدارة وتضاعف عدد الرخص النشطة والصناديق المُدارة، لتقفز المؤشرات المالية بنسب استثنائية تؤكد العمق والزخم الذي يشهده القطاع المالي الإماراتي.

إن هذا التوجه يعكس مرونة عالية في تجاوز التحديات العابرة، والتركيز على الآفاق الواعدة الممتدة التي تتيحها البنية التحتية المتطورة للبلاد. ومن هنا، يبرز التساؤل الأبرز .. لماذا تتسابق صناديق التحوط العالمية للتوسع في الإمارات؟ وما دلالات توسع كبرى شركات إدارة الأصول بالدولة؟

وتؤكد شركات إدارة الأصول وصناديق التحوط العالمية عزمها على التوسع في دولة الإمارات العربية المتحدة، متوقعة أن تكون الاضطرابات التجارية الناجمة عن حرب إيران مؤقتة فقط، بحسب تقرير نشرته صحيفة "فايننشال تايمز" واطلعت عليه "سكاي نيوز عربية".

وأوضح التقرير أن شركة "ستيت ستريت" (State Street)، التي تدير أصولاً بقيمة 5.6 تريليونات دولار، أعلنت في أواخر يناير عن خطط لافتتاح مركز عمليات جديد في مدينة العين بأبوظبي.

وأشار التقرير إلى ما صرح به يورغ أمبروسيوس، رئيس خدمات الاستثمار في "ستيت ستريت"، حيث قال: "سنمضي قدماً في خطتنا. إن التزامنا تجاه المنطقة ثابت لا يتغير"، مؤكداً امتلاك الشركة مكاتب في أبوظبي ومتفائلاً بالآفاق المتوسطة والطويلة الأجل.

وفي السياق ذاته، لفت التقرير إلى أن شركة "بارتنرز كابيتال" (Partners Capital) ــ وهي شركة بريطانية لإدارة الأصول بقيمة 75 مليار دولار متخصصة في الأوقاف والمكاتب العائلية ــ قد افتتحت أول مكتب لها في أبوظبي.

ونقل التقرير عن رئيسها التنفيذي، أرجون راغافان، قوله: "إننا نضاعف جهودنا، ولن نتراجع على الإطلاق"، معتبراً أن الصراع الحالي لا يعني تلاشي عقود من التخطيط.

كما أورد التقرير إعلان ريتشارد شيميل، المؤسس المشارك والرئيس المشارك للاستثمار في صندوق التحوّط "سينكتيف كابيتال" (Cinctive Capital)، عن استئجار مكتب في أبوظبي مطلع شهر مارس ضمن خطة متعددة السنوات للتوسع. وذكر أن بعض الشركات الاستثمارية ترى في إنشاء مكاتب لها بالدولة وسيلة لتعزيز شهرة علامتها التجارية وجذب رؤوس أموال جديدة من أصحاب الثروات الأكثر ملاءة، حيث بيّن أمبروسيوس أن مستثمري المنطقة يتواصلون الآن بنشاط مع المستثمرين العالميين للنظر في الاستثمارات الداخلية، مما يقود لتطور أسواق رأس المال.

وأشار التقرير إلى أن منطقة الشرق الأوسط اصبحت مركزاً رئيساً لجمع التمويل في السنوات الأخيرة، حيث توقعت شركة ديلويت العام الماضي أن تصل قيمة صناديق الثروة السيادية في الخليج إلى 18 تريليون دولار بحلول عام 2030. وترى بعض شركات الاستثمار في إنشاء مكاتب لها في المنطقة، وسيلةً لتعزيز سمعتها، وجذب رؤوس أموال جديدة من أصحاب الثروات الطائلة في العالم.

وعلى الجانب الآخر، وفي تجسيدٍ عملي لهذا التوسع المتسارع داخل الدولة، أظهر تقرير صادر عن "أبوظبي العالمي" (ADGM) أنه حقق انطلاقة قوية لعام 2026، حيث سجّل المركز نمواً قياسياً بنسبة 57 بالمئة في حجم الأصول تحت الإدارة، مما يؤكد الزخم المتواصل والطلب المتزايد من شركات إدارة الأصول العالمية والإقليمية.

وأفاد التقرير بتجاوز المركز المالي حاجز 13,353 رخصة نشطة، من بينها 961 رخصة صدرت خلال الربع الأول من عام 2026 وحده. وسجل شهر مارس 2026 زيادة بنسبة 5.2 بالمئة في عدد الرخص النشطة مقارنة بالشهر ذاته من عام 2025. وأشار التقرير إلى أن شركات إدارة الأصول التي أعلنت تأسيس أعمالها في أبوظبي العالمي خلال عام 2026 تمثّل أكثر من 4.4 تريليون دولار من الأصول العالمية تحت الإدارة.

وفي تفاصيل قطاع إدارة الأصول، أظهرت بيانات التقرير ارتفاع عدد مديري الأصول والصناديق إلى 179 مديراً، بزيادة قدرها 24 بالمئة مقارنة مع 144 مديراً في الربع الأول من 2025. كما بلغ إجمالي عدد الصناديق المُدارة انطلاقاً من أبوظبي العالمي 263 صندوقاً، مسجّلاً نمواً بنسبة 43 بالمئة مقارنة مع 184 صندوقاً في الفترة ذاتها من العام الماضي، ليعكس هذا النمو تنوعاً كبيراً يشمل الاستثمار الخاص، ورأس المال الجريء، وصناديق التحوّط، واستراتيجيات التمويل المستدام.

وتناول تقرير الإحصاءات الرسمية لعام 2026 التي رصدت سلسلة من الإعلانات الهامة لشركات إدارة أصول ومؤسسات مالية عالمية أسست حضورها في أبوظبي العالمي، ومنها شركات تدير أصولاً بمليارات وتريليونات الدولارات مثل: كابيتال غروب، ومان غروب، وبارينغز، وباين كابيتال، وهيلهاوس إنفستمنت، وموزينيك آند كو، وماديسون ريالتي كابيتال، وغرو إنفستمنت غروب. كما أسست فروعاً لها شركات مثل روكوس كابيتال مانجمنت، وبوليغرين هولدينغز، وهاشد، مما عزز التنوع ليشمل صناديق التحوط، والاستثمارات البديلة، والأصول الرقمية.

كما قفز عدد شركات الخدمات المالية في المركز إلى 365 شركة، بزيادة قدرها 30 بالمئة مقارنة مع 281 شركة في الربع الأول من عام 2025. وأصدرت سلطة تنظيم الخدمات المالية 22 موافقة مبدئية، وحصلت الجهات على 29 ترخيصاً جديداً لمزاولة الخدمات المالية خلال الربع الأول من عام 2026، بزيادة قدرها 45 بالمئة مقارنة بالعام السابق. وفي المسار ذاته، قفزت القوى العاملة في المركز لتصل إلى 47,047 موظفاً، مسجلة زيادة بنسبة 44 بالمئة خلال الربع الأول من عام 2026.

وقال الخبير الاقتصادي حسين القمزي في حديثه لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية": "رغم التوترات الجيوسياسية والحرب الدائرة في المنطقة، فإننا فعلاً نرى أن تواصل صناديق التحوط وشركات إدارة الأصول العالمية الكبرى توسيع حضورها في الإمارات، مؤشر قوي وواضح على أن أبوظبي ودبي لم تعودا مجرد مراكز مالية إقليمية، بل أصبحتا جزءاً أساسياً من خريطة المال العالمية".

ولفت على على سبيل المثال، أن دخول مؤسسات عملاقة مثل State Street وMan Group وCapital Group وPartners Capital وRokos Capital Management إلى الإمارات، أو توسيع أعمالها فيها، بحد ذاته يعكس تحوّلاً استراتيجياً أعمق من مجرد البحث عن فرص مؤقتة.

ويرى القمزي أن السبب الأول وراء هذا التوسع هو أن رأس المال العالمي أصبح يتجه نحو أماكن تركز الثروة السيادية والخاصة.

وأضاف: "أبوظبي وحدها تدير عبر صناديقها السيادية ما يقارب تريليوني دولار، بينما تشير تقديرات دولية إلى أن أصول صناديق الثروة السيادية الخليجية قد تصل إلى 18 تريليون دولار بحلول 2030. وبالنسبة لصناديق التحوط ومديري الأصول العالميين، فإن الاقتراب من هذه الكتلة المالية الضخمة يمنحهم فرصة مباشرة للوصول إلى أكبر المستثمرين السياديين والعائلات الثرية والمكاتب الاستثمارية الخاصة في العالم".