أخيراً، انتهت الانتخابات النصفية الأميركية، لكن في لبنان والمنطقة لم ينتهِ الانتظار. فبعدما علّق كثيرون آمالهم على هذا الاستحقاق لفهم اتجاهات المرحلة المقبلة، عاد السؤال الأكثر إلحاحاً إلى الواجهة: هل تفتح نتائج الانتخابات الباب أمام حرب جديدة، أم تدفع نحو التسوية؟
فعلياً، "أميركا نطقت وقالت ما تريد قوله بشأن الانتخابات النصفية"، بهذه العبارة يختصر السفير اللبناني السابق لدى الولايات المتحدة الأميركية أنطوان شديد نتائج الانتخابات التي شكّلت ضربة سياسية مدوّية للرئيس دونالد ترامب والحزب الجمهوري، الذي خسر مواقع أساسية في مجلس النواب ومناصب حكّام الولايات، فيما انتقل عدد من الولايات التاريخية من اللون الأحمر إلى الأزرق، في مشهد يعكس تحوّلاً لافتاً في المزاج الانتخابي الأميركي.
من هنا، يستعرض شديد السيناريوات المحتملة أمام المنطقة عموماً ولبنان خصوصاً، في ضوء نتائج لا تنفصل عن الأعباء الاقتصادية من ارتفاع كلفة المعيشة وأسعار الطاقة إلى تداعيات السياسات الداخلية والخارجية لترامب. ورغم أن التأثير الأكبر لهذه النتائج يبقى داخل الولايات المتحدة، فإن ارتداداتها تتجاوزها إلى العالم، ولا سيما الشرق الأوسط، حيث تتشابك الحسابات الأميركية مع ملفات إيران وإسرائيل ولبنان.
إلى ذلك، يرى شديد أن الناخب الأميركي عبّر عن وجعه الاقتصادي، فيما أدّت سياسات ترامب الإقليمية، وخصوصاً في التعامل مع إيران، إلى نتائج لم تكن في مصلحته. فالحرب التي بدأها لم تُحسم، وإيران صمدت رغم الخسائر الكبيرة، فيما شكّل مضيق هرمز عاملاً مفاجئاً ساهم في ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً.ويعتبر أن إيران تراهن على الوقت، وقد ترى نفسها اليوم في موقع "الرابح"، فيما يبقى احتمال استئناف الحرب قائماً، وسط تساؤلات عن إمكان أن يلجأ ترامب، بعد خسارته، إلى تصعيد عسكري يعيد خلط الأوراق.
وعلى الرغم من الحديث عن احتمال تراجع الدعم الأميركي لإسرائيل، يعتقد شديد أن تصريحات ترامب عن وقف المساعدات عن تل أبيب كانت انتخابية، في ظل تراجع شعبية بنيامين نتنياهو وترامب، خصوصاً لدى الشباب والجامعات الأميركية، على خلفية الحرب في غزة والقضية الفلسطينية. ويؤكد أن واشنطن لن تتخلّى عن إسرائيل عسكرياً، سواء كانت الإدارة جمهورية أم ديمقراطية، مشيراً إلى أن الخلافات بين الحزبين تتعلق بالأداء وطريقة التعامل، لا بجوهر العلاقة الاستراتيجية بين أميركا واسرائيل.
أما في ما يتعلق بالمفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، فيستبعد شديد أن تؤدي نتائج الانتخابات إلى وقف اتفاقية الإطار، لافتاً إلى أن السياسة الخارجية تبقى بيد الرئيس وإدارته، فيما يستطيع الكونغرس التأثير في بعض الملفات من دون أن يمتلك القرار النهائي.ولا يتوقع السفير شديد أن تغيّر الانتخابات الأميركية المشهد بصورة جوهرية. فإسرائيل المتشددة بمسألة أمنها القومي، لا تزال وفق قراءته تحتل نحو 700 كيلومتر من الأراضي اللبنانية، وتربط انسحابها بحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، وامتلاكها قرار الحرب والسلم.كما يحذّر من استمرار الضربات الإسرائيلية في الجنوب، ومسح القرى وتهجير سكانها، بما قد يوسّع المنطقة العازلة ويمنع عودة الأهالي، معتبراً أن هذا المسار لن يتأثر كثيراً بنتائج الانتخابات أو بتبدّل موازين القوى في الكونغرس. إذ يذكّر بأن الرئيس الديمقراطي السابق جو بايدن زار إسرائيل بعد هجمات 7 تشرين الأول/أكتوبر، في إشارة إلى ثبات الدعم الأميركي لإسرائيل، رغم اختلاف المقاربات بين إدارات الحزبين.
أخيراً، تبقى الصورة، بحسب شديد، رمادية، في ظل احتمالات التصعيد أو استمرار المفاوضات، وعدم وضوح اتجاه الإدارة الأميركية في المرحلة المقبلة. ويطرح جملة من الأسئلة: هل يعلن ترامب الحرب على إيران لإخفاء خسارته الانتخابية؟ وهل يشنّ حرباً بهدف وقف البرنامج النووي الإيراني؟ وهل تستطيع إسرائيل جرّه إلى مواجهة جديدة، كما فعلت سابقاً؟أسئلة تبقى مفتوحة، فيما تواصل المنطقة انتظار ما ستكشفه المرحلة المقبلة من حسابات واشنطن وتوازنات القوة.