ماكرون يقر بإخفاقات أمنية بعد موجة العنف في فرنسا

أقر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بوجود إخفاقات في إدارة الاحتجاجات المناهضة لغلاء المعيشة، مطالباً الأجهزة الأمنية بمراجعة أساليب عملها وتعزيز قدرتها على مواجهة أعمال التخريب والنهب، في وقت تواجه فيه الحكومة ضغوطاً سياسية متصاعدة على خلفية المواجهات التي شهدتها مدن فرنسية عدة خلال نهاية الأسبوع، وأسفرت عن إصابة مئات الأشخاص وتوقيف آلاف المشتبه بهم. وفي مؤشر على اتساع الأزمة، قدم وزير الداخلية لوران نونييز استقالته إلى ماكرون، الذي رفضها، مبرراً قراره بالحاجة إلى استمرارية قيادة الأجهزة الأمنية في هذه المرحلة. وأقر نونييز بأن الشرطة فقدت السيطرة في بعض المدن، معترفاً بوجود قصور في الاستعداد المسبق وتقدير حجم أعمال العنف التي رافقت الاحتجاجات. وطلب ماكرون من وزارة الداخلية إعداد أساليب عمل جديدة لقوات الأمن الداخلي في أسرع وقت ممكن، بما يعزز قدرتها على التصدي للمخربين، مشدداً على ضرورة تحسين الاستباق الأمني وجمع المعلومات الاستخباراتية، بعد أن كشفت الأحداث عن ثغرات في التعامل مع التطورات الميدانية. وتضع هذه التطورات الحكومة الفرنسية أمام اختبار سياسي وأمني معقد، في ظل تصاعد الانتقادات لطريقة إدارة الاحتجاجات، وتباين مواقف الأحزاب بشأن أسباب العنف والمسؤولية عن تفاقمه، فضلاً عن انعكاساته المحتملة على المشهد السياسي قبيل الانتخابات الرئاسية المقررة بعد نحو ستة أشهر، وفق المعطيات الواردة في التقارير. إخفاقات أمنية واستقالة مرفوضة قال نونييز إنه قدم استقالته لأنه شعر بالمسؤولية عما حدث، مؤكداً أن بعض المدن شهدت فقداناً للسيطرة خلال المواجهات وأعمال التخريب. وأوضح أن الاستعدادات الأمنية لم تكن كافية لمواجهة الأعداد الكبيرة من مرتكبي أعمال النهب الذين تحركوا على هامش الاحتجاجات. وأشار وزير الداخلية إلى أن عدد عناصر الشرطة والدرك الذين انتشروا في مختلف أنحاء فرنسا بلغ نحو 60 ألفاً خلال يوم السبت، معتبراً أن حجم الانتشار لم يكن كافياً لاحتواء الأحداث التي شهدتها البلاد. وتكشف المقارنة مع احتجاجات سابقة عن حجم التحدي الذي واجهته السلطات؛ إذ حشدت فرنسا نحو 80 ألف عنصر أمني في 8 ديسمبر 2018 خلال احتجاجات «السترات الصفراء»، فيما بلغ العدد 89 ألفاً خلال تحرك «لنغلق كل شيء» قبل عام، بحسب الأرقام التي أوردها الوزير. ورفض نونييز أن تؤدي النقاشات بشأن المسؤولية السياسية والأمنية إلى صرف الانتباه عن مرتكبي أعمال التخريب والنهب، موجهاً انتقادات إلى بعض المسؤولين السياسيين الذين رأى أنهم لم يدينوا الاعتداءات على قوات الأمن بالقدر الكافي من الحزم. وفي السياق ذاته، أقر وزير العدل جيرالد دارمانان بأن السلطات أخفقت في مواجهة أعمال العنف، مشيراً إلى وجود خلل في المعلومات الاستخباراتية. واعتبر أن الأجهزة الأمنية الفرنسية تتمتع بخبرة واسعة في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والتدخلات الأجنبية، إلا أن الأحداث الأخيرة كشفت عن صعوبات في التعامل مع بعض المجموعات المتطرفة التي شاركت في أعمال الشغب. وأثارت تصريحات المسؤولين بشأن دور أقصى اليسار والجهات المتورطة في التخريب نقاشاً حول طبيعة التهديدات التي تواجه الأمن الداخلي الفرنسي، ومدى قدرة الأجهزة المختصة على التمييز بين الاحتجاجات السلمية والتحركات التي تنتهي إلى الاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة. ووصف وزير شؤون المدن فنسان جانبرون أعمال العنف بأنها شكل من أشكال التمرد، رابطاً جانباً من الظاهرة الإجرامية بأنشطة الاتجار بالمخدرات. وأشار إلى وجود مجموعات في بعض الأحياء الشعبية تتغذى أنشطتها على الجريمة المنظمة، في طرح يعكس اتساع النقاش الحكومي بشأن العوامل الاجتماعية والأمنية التي تسهم في تفاقم الاضطرابات. حصيلة ثقيلة للتوقيفات والإصابات أظهرت الأرقام الرسمية حجم الأعباء التي فرضتها المواجهات على الأجهزة الأمنية والمرافق الصحية. فقد وضعت السلطات 2331 شخصاً قيد الاحتجاز لدى الشرطة، فيما أودع عدد من الموقوفين الحبس الاحتياطي، وأصيب نحو ألف من عناصر قوات الأمن، وفق الحصيلة التي أوردتها السلطات الفرنسية. ولم تقتصر الإصابات على رجال الأمن، إذ تعرض متظاهرون لإصابات خطيرة خلال المواجهات. ففي مدينة سانت إتيان، بوسط شرق فرنسا، بُترت يد شاب يبلغ من العمر 17 عاماً جراء انفجار قنبلة، بينما فقدت شابة في العمر نفسه إحدى عينيها في مدينة مولوز شرقي البلاد. واستمرت أعمال العنف خلال يوم الأحد، وإن بوتيرة أقل حدة مقارنة بالليلة السابقة، فيما سجلت باريس توقيف نحو 350 شخصاً خلال النهار والليل. وذكرت مديرية الشرطة أن العدد بلغ 351 موقوفاً، في حصيلة تعكس استمرار المواجهات رغم الإجراءات الأمنية المتخذة. وترافقت الأحداث مع أعمال نهب وتخريب طالت متاجر وممتلكات عامة، وأثارت مخاوف من اتساع رقعة الاضطرابات إلى مناطق جديدة. وفي مرسيليا، ثاني أكبر المدن الفرنسية، تحدثت السلطات عن حجم كبير من أعمال النهب خلال يوم السبت، بينما اقتحم عشرات الأشخاص لفترة وجيزة ردهة مبنى البلدية بعد تحطيم بابه، مرددين شعارات احتجاجية، قبل تدخل قوات الأمن لتفريقهم. وأمام تصاعد التوتر، تقرر حظر التجمعات والتظاهرات في مرسيليا خلال فترة محددة من يوم الاثنين، في خطوة استهدفت الحد من احتمالات تجدد المواجهات. وكانت المدينة من أكثر المناطق تضرراً من أعمال العنف، ما دفع رئيس بلديتها، بونوا بايان، إلى مطالبة الحكومة بتقديم توضيحات ومحاسبة المسؤولين عن أوجه القصور التي سمحت بتفاقم الوضع. وفي باريس، امتدت التحركات إلى محيط المؤسسات الثقافية والتعليمية، إذ أغلق طلاب مداخل متحف اللوفر بصورة مؤقتة، تعبيراً عن دعمهم لحراك طلاب المدارس الثانوية ورفضهم ما وصفوه بقمع الشرطة. كما دعت حركة «السترات الصفراء»، التي ارتبط اسمها باحتجاجات واسعة خلال السنوات الماضية، إلى تنظيم تحرك جديد يوم السبت المقبل، في مؤشر على احتمال استمرار الضغوط الشعبية على الحكومة. أزمة سياسية تتجاوز الشارع لم تعد تداعيات الاحتجاجات محصورة في الجانب الأمني، بل تحولت إلى محور مواجهة سياسية بين الحكومة والمعارضة، وسط اتهامات متبادلة بشأن المسؤولية عن تفاقم الأزمة، وطبيعة الاستجابة الرسمية للمطالب الاجتماعية. وتحمل قوى معارضة ماكرون وحكومته مسؤولية الوصول إلى هذا المستوى من الاضطراب، معتبرة أن طريقة التعامل مع الاحتجاجات لم تنجح في احتواء الغضب الشعبي أو منع انزلاق التحركات إلى أعمال عنف واسعة. في المقابل، تتمسك الحكومة بأن مرتكبي التخريب والنهب يتحملون المسؤولية المباشرة عن الاعتداءات، وتتهم بعض الأطراف السياسية بالتساهل في إدانتها. وحاول ماكرون الرد على المخاوف في خطاب متلفز تابعه نحو 16.7 مليون مشاهد، غير أن غياب إعلانات جوهرية تهدئ الانتقادات لم يبدد الانقسام السياسي. ففي حين اتهمه اليسار بتجاهل مطالب المحتجين، دعاه اليمين إلى اعتماد نهج أكثر حزماً في مواجهة أعمال الشغب وحماية الممتلكات العامة والخاصة. وربط رئيس بلدية باريس إيمانويل غريغوار، المنتمي إلى الحزب الاشتراكي، تصاعد العنف بما وصفه بتدهور الحراك الاجتماعي نتيجة سياسات الحكومة. أما رئيس حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف جوردان بارديلا، فاعتبر أن السلطة غابت عن المشهد، في انتقاد يعكس سعي اليمين المتطرف إلى توظيف الأزمة لتأكيد حججه بشأن الأمن والهجرة وقدرة الدولة على فرض النظام. من جهته، أعرب رافاييل غلوكسمان، المرشح الاشتراكي الديمقراطي للانتخابات الرئاسية، عن أسفه لما وصفه بعجز الرئيس والدولة عن احتواء الوضع، محذراً من أن حالة الفوضى قد تصب في مصلحة زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبن، التي تتصدر استطلاعات الرأي، وفق المعطيات الواردة في التقارير. وفي المقابل، دافعت المتحدثة باسم الحكومة مود بريجون عن موقف السلطات، مؤكدة أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق المخربين، وموجهة انتقادات إلى حزب «فرنسا الأبية» اليساري الراديكالي، الذي حملته مسؤولية أخلاقية وسياسية عن أعمال العنف. ويكشف هذا التباين عن صعوبة بناء موقف سياسي موحد إزاء الأزمة، في وقت تتداخل فيه المطالب المرتبطة بغلاء المعيشة مع قضايا الأمن العام، وحدود استخدام القوة، ومساءلة المسؤولين عن الإخفاقات التي سبقت المواجهات أو رافقتها. الانتخابات المقبلة تحت ضغط الاضطرابات تأتي الأزمة في توقيت حساس بالنسبة إلى ماكرون، الذي يتولى الرئاسة منذ عام 2017 ولا يحق له الترشح لولاية رئاسية ثالثة متتالية، بينما تستعد القوى السياسية لمعركة انتخابية تتقدم فيها لوبن وفق استطلاعات الرأي المشار إليها في التقارير. وتمنح الاضطرابات المعارضة فرصة لتصعيد انتقاداتها لسياسات الحكومة، خصوصاً في ملفات الأمن والقدرة الشرائية وإدارة الاحتجاجات. كما تضع السلطة أمام ضرورة استعادة الثقة بقدرة مؤسسات الدولة على حماية المواطنين والممتلكات، من دون أن تتحول إجراءات فرض النظام إلى عامل إضافي لتأجيج الاحتقان. وتزداد حساسية الموقف في ظل الضغوط الاقتصادية التي تواجه فرنسا، ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو، مع خضوع أوضاعها المالية لمراقبة الأسواق بسبب ارتفاع الدين العام. ويضع تزامن الاضطرابات الأمنية مع التحديات الاقتصادية الحكومة أمام ملفات متشابكة، يصعب التعامل معها بمعزل عن بعضها بعضاً. ورغم تصاعد الأزمة، قرر ماكرون المضي في جولته الخليجية المخصصة لمناقشة ملفات عدة، بينها النفط، في وقت كانت فيه حكومته تعقد اجتماعات طارئة لبحث تداعيات أعمال العنف وسبل استعادة السيطرة على الوضع الداخلي. وتواجه الحكومة بذلك معادلة دقيقة؛ إذ يتطلب احتواء الاحتجاجات التعامل مع الأسباب الاجتماعية التي دفعت المواطنين إلى الشارع، بالتوازي مع ملاحقة المتورطين في الاعتداءات ومنع تكرار أعمال التخريب. وأي إخفاق في تحقيق التوازن بين المسارين قد يوسع فجوة الثقة بين السلطات والشارع، ويمنح خصوم الحكومة مساحة أكبر لاستثمار الأزمة سياسياً. امتداد التوتر إلى دول أوروبية تجاوزت تداعيات الاضطرابات الحدود الفرنسية، مع تسجيل مواجهات وأعمال تخريب في دول أوروبية خلال الفترة نفسها. ففي مدينة ميلانو الإيطالية، اندلعت مواجهات مع الشرطة لليوم الثاني على التوالي، وتعرضت بعض المتاجر للتخريب على هامش تحركات احتجاجية مرتبطة بغلاء المعيشة. كما شهدت بلجيكا تظاهرات في بروكسل ولييج، شارك فيها مئات الأشخاص يوم السبت، بالتزامن مع التحرك في فرنسا. وتخللت هذه التجمعات أعمال شغب محدودة عزتها السلطات إلى مخربين، ما أثار مخاوف من انتقال بعض مظاهر الاحتجاج العنيف إلى دول أخرى تواجه ضغوطاً اقتصادية واجتماعية. وعلى المستوى الدولي، دخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب على خط الأزمة، واصفاً الوضع في فرنسا بأن البلاد «تحترق»، وربط تدهور الأوضاع بالهجرة. وجاءت تصريحاته في سياق سياسي أوسع، تتداخل فيه النقاشات الأوروبية بشأن الأمن والهجرة مع تصاعد الخطاب المتشدد لدى تيارات اليمين. وتضع هذه التطورات السلطات الفرنسية أمام تحديين متزامنين: احتواء الاضطرابات في الداخل ومنع تحولها إلى أزمة ممتدة، والتعامل مع تداعياتها السياسية والإعلامية في الخارج. غير أن الاختبار الأهم يبقى في قدرة الحكومة على استعادة الأمن وفرض القانون، مع تقديم إجابات مقنعة عن أوجه القصور التي أقرت بها قياداتها، ومعالجة العوامل الاجتماعية التي تغذي الاحتجاجات. وبين اعتراف الرئاسة بالإخفاقات، وإقرار وزيري الداخلية والعدل بوجود ثغرات في الاستعداد والمعلومات الاستخباراتية، وتصاعد الانتقادات الحزبية، باتت الأزمة امتحاناً لقدرة المؤسسات الفرنسية على استعادة زمام المبادرة. ولن يتوقف أثرها عند حصيلة التوقيفات والخسائر، بل سيمتد إلى الثقة بالحكومة وموقع القوى السياسية في الاستحقاق الرئاسي المقبل.