في 26 أغسطس الماضي، وقّع وزيرا المالية والتخطيط اتفاقية إطارية مع رئيسي بنك الاستثمار القومي والهيئة الوطنية للإعلام لتسوية مديونية الهيئة الوطنية للإعلام التي ورثتها عن اتحاد الإذاعة والتليفزيون، المعروف بـ«ماسبيرو»، والتي قدّرها بيان مجلس الوزراء بـ88.3 مليار جنيه. في اليوم التالي، أعلنت وزارة التخطيط أن إجمالي المديونية 139.7 مليار جنيه، مؤكدة أن توجيهات القيادة السياسية لإنهاء المديونيات التاريخية للجهات والهيئات الأخرى أسفرت عن إسقاط وإلغاء فوائد وغرامات تأخير متراكمة على «ماسبيرو» بإجمالي 51.4 مليار جنيه، مع إغلاق الملف بالكامل ووقف احتساب أي غرامات تأخير جديدة، اعتبارًا من أول يوليو 2026، وحتى استكمال إجراءات التسوية. وحددت «التخطيط» آلية تسديد المديونية، التي يعود أصل بعضها إلى ثمانينيات القرن الماضي، من خلال نقل ملكية 44 أصلًا غير مستغل تابعًا للهيئة الوطنية للإعلام (أراضٍ ومبانٍ) إلى بنك الاستثمار القومي بقيمة 18.06 مليار جنيه، سدادًا لجزء من المديونية. أما بقية المديونية، البالغة 70.24 مليار جنيه، فستسددها الدولة عبر تخصيص أراضٍ لصالح البنك، لتعظيم أصوله وتمكينه من إعادة استغلالها في مشروعات قومية توفر المزيد من فرص العمل، في شكل آخر من أشكال الدعم الحكومي لتسوية الديون. لم تظهر تفاصيل كاملة بخصوص طبيعة الأصول التي تم نقلها للبنك أو آلية تقييمها، أو مآلات الاستثمار فيها، غير أن هذه التسوية تُسقط مديونية «ماسبيرو»، التي تراكمت مع سحب الدولة استثماراتها في إعلام الدولة التقليدي، وتركيزها على الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية. ويأتي ذلك في سياق جدل واسع حول نقل ملكية أصول الدولة من أجل إسقاط الديون الداخلية، مع إعادة الاستثمار في تلك الأصول، فيما يُكمل رسم ملامح «الجمهورية الجديدة». ربع قرن من الديون اتفقت إعلامية وكبيرة أخصائيين بالهيئة الوطنية للإعلام ومخرج بقطاع الأخبار كل على حدة، في تصريحات منفصلة لـ«مدى مصر»، على غموض اتفاق تسوية الديون، وغياب الشفافية بخصوص آلية تقييم أصول «ماسبيرو»، التي قدرتها وزارة التخطيط بـ18 مليار جنيه مقابل 44 قطعة أرض. وترجّح الإعلامية والمخرج عدم إعلان الحكومة عن مساحة الأراضي المتنازل عنها ولا أماكنها حتى لا يتضح غياب عدالة التقييم. بحسب الإعلامية، التي تحدثت لـ«مدى مصر» طالبة عدم ذكر اسمها، منذ إنشاء التليفزيون في الستينيات، كان في كل محافظة مركز إرسال تليفزيوني واحد على الأقل، حين كانت الدولة تخصص للهيئة مساحات شاسعة من الأراضي لضمان قوة الإرسال في كل منطقة. فعليًا، منذ إنشاء التليفزيون وحتى عام 2000، صدرت عشرات القرارات الجمهورية بتخصيص مساحات من أراضي الدولة في المحافظات المختلفة لإنشاء محطات إرسال إذاعي وتلفزيوني، وضمها إلى اتحاد الإذاعة والتليفزيون دون مقابل. صورة لقرار رئيس الجمهورية رقم 107 لسنة 2000 بتخصيص 242 فدانًا لاتحاد الإذاعة والتليفزيون دون مقابل لإقامة مركز الإرسال الإذاعي بأبيس بمحافظة البحيرة. وبحسب المخرج بقطاع الأخبار، الذي أيضًا طلب عدم ذكر اسمه، يمتلك «ماسبيرو» أراضٍ مساحتها تتراوح ما بين ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف وخمسمائة فدان موزعة على شرم الشيخ، وتحديدًا هضبة أم السيد، والعجوزة، وشارع فيصل بمحافظة الجيزة، والشرقية، والمنيا قرب جبل الطير، والزعفرانة بالبحر الأحمر، بالإضافة إلى قطعة أرض صغيرة داخل العاصمة الإدارية الجديدة، مساحتها لا تتجاوز ثلاثة أفدنة، محيطة باستديو إخباري صغير أُنشئ على نفقة العاصمة الإدارية. أما الإعلامية، فقد أشارت إلى أن الهيئة الوطنية للإعلام تمتلك مساحات ضخمة في كل من المقطم وأبو زعبل، بالقاهرة، إلى جانب مساحات كبيرة في مرسى مطروح وشمال وجنوب سيناء. مصدر ثالث يعمل في شركة استشارات وتقييم أصول لصالح القطاع الخاص، قال إن من أهم قطع الأراضي التي تم الاتفاق عليها ضمن تسوية الديون قطعة أرض كانت مملوكة لاتحاد الإذاعة والتليفزيون بالزعفرانة. وهناك أراضي أخرى في محافظات مختلفة في القاهرة، بحلوان تحديدًا، والفيوم والصعيد، كانت جزءًا من الاتفاق. وأشارت الإعلامية إلى أن المعلومات بخصوص التسوية تضمنت أيضًا نقل ملكية محطات الإرسال الإذاعي والتليفزيوني للبنك، باستثناء محطة الإرسال التليفزيوني والإذاعي بالمقطم، وأرض نادي الإعلاميين التي تقع في مدخل الهضبة العليا بالمقطم، فضلًا عن مبنى الاذاعة بشارع الشريفين بمنطقة البورصة بوسط البلد. وبحسب مصدر مطلع على الملف بوزارة الإسكان، فإنه سيتم نقل الاستوديوهات والعاملين في مبنى «ماسبيرو» بالكامل إلى مدينة الاستوديوهات العالمية الجديدة، المقرر إقامتها في منطقة دهشور جنوب هضبة الأهرامات، بهدف استخدامها للتصوير وكمزار سياحي، ضمن مشروع تطوير محيط منطقة الأهرام الأثرية. وبحسب المصدر، تمت الموافقة على المشروع في مجلس الوزراء، ديسمبر 2025، بعد تكليف مكتب الاستشارات العالمي (WATG) لوضع المخطط العام. في بيانها الخاص بالتفاصيل المالية للتسوية، أشارت وزارة التخطيط إلى أن عملية الحصر جرت «بحرص شديد» لضمان عدم المساس بأي أصول تابعة للهيئة «تُدر عائدًا»، حفاظًا على مركزها المالي واستدامتها، وخصّ البيان الأسهم المملوكة للهيئة الوطنية للإعلام في شركتي «النايل سات» و«مدينة الإنتاج الإعلامي»، والتي كانت مرهونة أصلًا لصالح بنك الاستثمار القومي، على أن يتم تحريرها بالكامل فور الانتهاء من نقل ملكية الأصول المتفق عليها. ورغم تأكيد الحكومة أن تسوية المديونية سيتبعها استفادة «ماسبيرو» من عوائد أسهمه في شركتي «النايل سات» و«مدينة الإنتاج الإعلامي»، فإن أيًا من أطراف اتفاق التسوية لم يحدد قيمة هذه الأسهم أو نسبة ملكية الهيئة قيمة هذه الأسهم أو نسبة ملكية الهيئة الوطنية للإعلام في الشركتين. وأعلنت الهيئة الوطنية للإعلام، عبر موقعها الرسمي، بعد إتمام التسوية أنها تملك نحو 40% من الشركة المصرية للأقمار الصناعية (نايل سات) و45% من الشركة المصرية لمدينة الإنتاج الإعلامي، وأنها ظلت محرومة من عائدات تلك الأسهم طوال السنوات الماضية. وكانت «الوطنية للإعلام» أعلنت في عام 2021 عدم حصولها على أي قروض من بنك الاستثمار القومي منذ إنشائها، وأن أي مديونيات مستحقة على اتحاد الإذاعة والتليفزيون السابق لصالح بنك الاستثمار لم تكن الهيئة سببًا فيها، لكنها آلت إليها بعد أن حلت محل اتحاد الإذاعة والتليفزيون. وتضمنت تلك المديونيات قروضًا من بنك الاستثمار القومي بمبلغ 9.6 مليار جنيه منذ عام 1981، بلغت فوائدها حتى ذلك الوقت 32.9 مليار جنيه، ليصل إجمالي الديون المتراكمة إلى 42.6 مليار جنيه. «أُغرق ’ماسبيرو’ في الديون بشكل متعمد طوال السنوات الماضية»، تقول الإعلامية، لافتة إلى أن تراجع مصداقية التلفزيون الرسمي بعد ثورة 2011، جاء نتيجة السياسات الخاطئة لإداراته المتعاقبة، بالتزامن مع صعود دور الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية كبديل، ما أفقد «ماسبيرو» جمهوره ومن ثم قدرته على تحقيق أي تمويل ذاتي. بدأت مديونية «ماسبيرو» مع تولي صفوت الشريف وزارة الإعلام سنة 1981، حيث شهد التليفزيون توسعات ضخمة خلال عهدي الشريف وأنس الفقي، تمثلت في إطلاق القمر الصناعي «نايل سات»، وتأسيس مدينة الإنتاج الإعلامي، وإطلاق عشرات القنوات المتخصصة والإقليمية، إلى جانب تحديث الاستوديوهات وشراء المعدات. وقد جرى تمويل غالبية التوسعات والاحتياجات الاستثمارية من خلال قروض من بنك الاستثمار القومي، في وقت كان فيه التليفزيون المصري يحظى بقيمة اعتبارية ولا يجرؤ أحد على المساس به، تقول الإعلامية. وخلال تلك الفترة، تضخم عدد العاملين في اتحاد الإذاعة والتليفزيون ليتراوح بين 40 و45 ألف موظف، ما أدى إلى ارتفاع بند الأجور والمعاشات إلى أكثر من 2.5 مليار جنيه سنويًا، بحسب الإعلامية. وفي المقابل، تراجعت إيرادات «ماسبيرو» مع تحرير سوق الفضائيات وتوسع القنوات الخاصة منذ مطلع الألفية، إذ انتقل جزء كبير من المعلنين والمشاهدين إلى القنوات المنافسة، ما أدى إلى تراجع حصة «ماسبيرو» من سوق الإعلانات. وتوضح الإعلامية أنه في الفترة الأخيرة، انتقل دور الإنتاج الدرامي والبرامجي الذي كان يقوم به «ماسبيرو» تحديدًا إلى الشركة المتحدة، المملوكة لجهات سيادية عبر صندوق مصر السيادي/إيجل كابيتال، والتي باتت تنتج كل المحتوى وتعرضه بالقنوات الخاصة. وكان قطاع الإنتاج بـ«ماسبيرو» إلى جانب شركة صوت القاهرة ومدينة الإنتاج الإعلامي، العمود الفقري للدراما المصرية منذ الستينيات وحتى 2010، حينما كان التليفزيون المصري هو المنتج والممول والعارض للأعمال. غير أن الانهيار المالي للاتحاد وتراكم ديونه لدى بنك الاستثمار القومي أفقداه تدريجيًا القدرة على التمويل، فتحوّل، كما رصد الجهاز المركزي للمحاسبات في تقرير أصدره عام 2016 إلى الاعتماد على «المنتج المنفذ» و«المنتج المشارك» بتمويل من الاتحاد لصالح الغير، رغم امتلاكه الاستوديوهات والكوادر، حتى توقف قطاع الإنتاج تمامًا عن إنتاج المسلسلات منذ 2016. وملأت هذا الفراغ في البداية شركات الإنتاج الخاصة والقنوات الخليجية، ثم آل الأمر منذ 2018 إلى الشركة المتحدة، التي استحوذت على أذرع الإنتاج الرئيسية، ومنها «سينرجي» و«ميديا هب» وغيرها، وعلى القنوات الناقلة، ومنها «ON» و«DMC» و«الحياة»، فباتت تحتكر إنتاج الغالبية العظمى من مسلسلات رمضان وتوزيعها، فيما تحوّل «ماسبيرو» من منتج إلى مجرد ناقل يحصل على أعمال «المتحدة» بموجب اتفاقات عرض. وحتى في مجال الأخبار، تقلص دور «ماسبيرو» تدريجيًا. فمنذ استحواذ «المتحدة» على معظم المنافذ الإعلامية الخاصة في مصر عام 2019، باتت الشركة، عبر قناة «إكسترا نيوز» التي آلت إليها، ثم قناة «القاهرة الإخبارية» التي أطلقتها في نوفمبر 2022، الذراع الإخبارية الفعلية للدولة، فيما تراجع دور قناة «النيل للأخبار» التابعة لقطاع الأخبار بـ«ماسبيرو» إلى بث نشرات تقليدية وتغطيات رسمية بلا شبكة مراسلين ميدانيين ولا موارد إنتاج حديثة. ولم يقتصر تراجع الإيرادات على الإعلانات، إذ تأثرت أيضًا بعض مصادر الدخل التي كان يتمتع بها «ماسبيرو»، ومنها عوائد الإنتاج الدرامي وحقوق البث أو الإذاعة الحصرية لبعض الأحداث الرياضية، خاصة مع تركز استثمارات الدولة في شركة المتحدة. مخرج بقطاع الأخبار في «ماسبيرو»، طلب عدم ذكر اسمه أيضًا، أشار إلى أن «ماسبيرو» سحبت منه إيرادات حقوق بث المباريات الرياضية، التي كانت تدر عائدات كبيرة، رغم استمرار البث عبر قنواته. «لا نعرف كيف استحوذت الشركة المتحدة على حقوق البث ولا بموجب أي اتفاق»، يقول المخرج. كان التليفزيون المصري الناقل الحصري لمباريات الدوري المصري حتى منتصف 2017، وكان آخر عقوده الكبرى مع اتحاد الكرة في يناير 2014 بقيمة 70 مليون جنيه للموسم. ومع موسم 2017-2018، انتقلت الحقوق إلى شركة بريزنتيشن سبورتس التي تولت تسويق الدوري وكأس مصر وحقوق الأندية الكبرى، وأسندت البث إلى قنوات «أون سبورت»، ثم آلت المنظومة كلها منذ 2019 إلى الشركة المتحدة، عبر قنوات «أون تايم سبورتس»، وخرج «ماسبيرو» نهائيًا من سوق البث الرياضي. قفزت قيمة الحقوق منذ ذلك الحين إلى مستويات تفوق بكثير قيمة عقود «ماسبيرو»، إذ أعلنت رابطة الأندية في يونيو 2026 أن عقود البث والحقوق التجارية زادت بنسبة 300% خلال أربعة مواسم، وأن حزمة العوائد والجوائز الجديدة تصل إلى مليار جنيه على أربعة مواسم، فيما ظلت قيمة تعاقدات «المتحدة» نفسها غير معلنة رسميًا. وأضاف المخرج أن الموارد المتبقية للهيئة الوطنية للإعلام باتت شبه رمزية، وتقتصر على إعلانات الجهات الحكومية والحملات التوعوية التي يُفترض أن تُخصص للتليفزيون الرسمي، بالإضافة إلى رسوم تجديد رخص الراديو بالسيارات التي يُفترض أن توردها وزارة الداخلية للهيئة، حيث يؤدي كل مالك سيارة بها أجهزة إلكترونية أو ترفيهية رسمًا سنويًا قدره مئة جنيه، يخصص نسبة 40% منها إلى الهيئة الوطنية للإعلام، وهو ما عُرف إعلاميًا بـ«ضريبة الراديو». ومع استمرار عدم سداد الأقساط، تراكمت الفوائد وغرامات التأخير على أصل المديونية عبر السنوات. وفي التسوية الأخيرة، وفقا لبيان وزارة التخطيط، بلغت قيمة ما تم إسقاطه من فوائد وغرامات تأخير نحو 51.4 مليار جنيه؛ منها 45 مليار جنيه غرامات تأخير و6.4 مليار جنيه فوائد. وبذلك، شكّلت الفوائد وغرامات التأخير جزءًا كبيرًا من إجمالي المديونية، وليس أصل القروض وحده. وإلى جانب أعباء المديونية، رصدت تقارير صادرة عن الجهاز المركزي للمحاسبات، على مدار سنوات، ملاحظات تتعلق بمخالفات مالية وإدارية، فضلًا عن قصور في إدارة واستغلال بعض الأصول المملوكة للاتحاد، والتي تقدر قيمتها بمليارات الجنيهات، قبل انتقال جانب منها إلى الهيئة الوطنية للإعلام. يؤكد كل من الإعلامية والمخرج أنه بدلًا من معالجة مسار إغراق «ماسبيرو» في الديون، وإصلاحه إداريًا عبر الاستفادة من أصوله، يتم تجريده منها، وهو ما يثير مخاوف العاملين من تراكم ديون جديدة يتبعها تصفية كاملة لدور الهيئة. يؤيد الرأيَ نفسه المستشار الاقتصادي وخبير أسواق المال، وائل النحاس، الذي اعتبر أن تسوية ديون «ماسبيرو» بمثابة تصفية له، قائلًا إنه في ظل انعدام موارد «ماسبيرو» وتجريده من أصوله العقارية، بات استمرار وجوده مسألة وقت لا أكثر. ويشير النحاس إلى أنه شارك عام 2015، مع مسؤولين داخل أجهزة الدولة، في وضع خطة لتسوية ديون «ماسبيرو» عبر استثمار أصوله بما يضمن استدامة الموارد التي تُبقيه على قيد الحياة، غير أن الخطة اصطدمت آنذاك بالقوانين التي تحظر التصرف في الأراضي المخصصة للمنفعة العامة. ويوضح أن الخطة كانت تقوم على استغلال أراضي «ماسبيرو» في المناطق المميزة لإنشاء استوديوهات بمواصفات عالمية تُؤجَّر لوكالات الأنباء الدولية، وإقامة مشروعات إعلامية تدرّ دخلًا يمكّن «ماسبيرو» من تنمية موارده ومواصلة نشاطه. في المقابل، تقوم التسوية التي أعلنتها الحكومة مؤخرًا، بحسب النحاس، على تجريد «ماسبيرو»، وغيره من مؤسسات الدولة المدينة لبنك الاستثمار القومي، من أصوله العقارية كي تواصل الحكومة الاقتراض. ويقول النحاس إن «ماسبيرو» يحتاج على أقل تقدير نحو 20 مليار جنيه سنويًا لمواصلة أنشطته، في حين لا يحصل من الموازنة العامة للدولة إلا على ما يغطي رواتب العاملين، والتي قدرها المخرج والإعلامية بحوالي 220 مليون جنيه شهريا، ومن ثم فإن استمراره في ظل ندرة موارده «أمر مستحيل». وبحسب الإعلامية، تقلّص عدد العاملين بـ«ماسبيرو» من 42 ألف موظف إلى 15 ألف موظف فقط حاليًا، بعدما خرج ما بين 60% و70% من العاملين إلى المعاش منذ عام 2010. وتشير إلى أن متوسط أعمار الموظفين الحاليين يبلغ نحو 50 عامًا، متوقعة أن تكون الخطوة التالية، بعد الانتهاء من سداد مستحقات نهاية الخدمة والفروق المالية المتأخرة، هي طرح نظام معاش مبكر عند سن 55 عامًا، وهو ما تتوقع أن يلقى ترحيبًا من نسبة كبيرة من العاملين الذين استُبدل بهم عاملون آخرون من الشركة المتحدة وقت إشراف الشركة على العمل داخل قطاع الأخبار خلال السنوات الماضية. ويلفت المصدران إلى أن موظفي «ماسبيرو» أُبلغوا بأن الصفقة سيتبعها انفراجة في ملف سداد مستحقات نهاية الخدمة والمعاشات المتأخرة منذ عام 2019، موضحين أن هناك ما بين ستة وسبعة آلاف موظف متقاعد لهم مستحقات متأخرة منذ 2019، فيما رواتب العاملين الحاليين مجمدة منذ 2014، فضلًا عن تأخر صرف حوافز لنحو 70 شهرًا. إسقاط الديون مقابل الأصول قبل عشرة أيام من إبرام اتفاق تسوية ديون «ماسبيرو»، أعلن مجلس إدارة بنك الاستثمار القومي عن تحقيق ما أسماه «طفرة مالية غير مسبوقة»، عبر تسجيله صافي ربح قدره ستة مليارات جنيه خلال السنة المالية المنتهية في 30 يونيو 2025، مقارنة بخسائر بلغت 31.7 مليار جنيه في السنة المالية السابقة. وأرجع البنك هذه الطفرة إلى «الإنجاز المحقق في ملف فض التشابكات المالية مع الجهات الحكومية»، مشيرًا إلى توقيع اتفاقيتين إطاريتين في يونيو الماضي لإنهاء مديونيات تاريخية ممتدة منذ ثمانينيات القرن الماضي بقيمة تتجاوز 196 مليار جنيه. شملت هذه التسويات الشركات التابعة للشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي، والهيئة العامة لمشروعات التعمير والتنمية الزراعية. كما ناقش المجلس الخطوات الجارية لإتمام تسويات إضافية مع جهات حكومية أخرى لإنهاء ما تبقى من مديونيات. لم يتبع الاتفاقيتين اللتين سبقتا اتفاقية تسوية ديون «ماسبيرو» أي توضيح لتفاصيل التسوية، أو ماهية الأصول التي أكد أكثر من مصدر بوزارة التخطيط أنه نقلها كجزء من تسوية المديونية التي انتقلت إلى بنك الاستثمار القومي. بنك الاستثمار القومي هو بنك حكومي أنشأه الرئيس الأسبق أنور السادات عام 1980، ويتبع وزارة التخطيط. وهو ليس بنكًا تجاريًا، إذ لا يفتح حسابات للأفراد ولا يقدم الخدمات المصرفية التقليدية، وإنما يُعد جهة تمويلية سيادية تتمثل مهمتها في تمويل المشروعات الاستثمارية المدرجة ضمن خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للدولة. وكان البنك يعتمد تاريخيًا على فوائض صناديق التأمينات والمعاشات، ومدخرات صناديق توفير البريد، وحصيلة شهادات الاستثمار والسندات الحكومية، إلى جانب موارد أخرى تحددها الدولة، ويوجّه هذه الموارد إلى تمويل مشروعات الهيئات الاقتصادية والجهات الحكومية، كما يقدم قروضًا مُيسرة للمشروعات القومية، ويتابع تنفيذها والتصرف في أصولها. وخلال السنوات الأخيرة، وتحديدًا منذ عام 2019، خضع البنك لإعادة هيكلة، شملت تسوية مديونياته مع الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي ووزارة المالية، إلى جانب تعديل قانونه، بما يمهّد لتحوله تدريجيًا نحو دور ذي طابع استثماري أكبر، يركز على إدارة المحافظ والأصول والصناديق، بدلًا من الاقتصار على دور الإقراض. اعتبر مصدر بوزارة التخطيط ملف فض التشابكات بين الجهات الحكومية «تصحيحًا اقتصاديًا وإحياءً لديون معدومة، أي ديون ميؤوس من سدادها، وتوفيرًا لأصول للصناديق الاستثمارية المقرر الإعلان عنها قريبًا»، مشددًا على أن بعض الأراضي التي شملتها التسويات أُسندت إدارتها بالفعل إلى جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة، وأن الحكومة ماضية منذ سنوات في حصر أصول الوزارات والمؤسسات والهيئات الحكومية غير المستغلة لإيجاد طرق لإسنادها إلى مشروعات تدر ربحًا. ويرتبط تراكم الدين المحلي، وهو إجمالي ما تقترضه الحكومة والهيئات الاقتصادية والجهات العامة من داخل الاقتصاد الوطني بالعملة المحلية، بتوسع الدولة في الإنفاق العام وتنامي احتياجاتها التمويلية، إلا أن مساره اتخذ منحى تصاعديًا بعد عام 2011، بالتزامن مع اتساع عجز الموازنة وتراجع بعض مصادر الإيرادات. فبعد أن كان الدين المحلي في حدود 800–900 مليار جنيه تقريبًا قبل عام 2011، تجاوز حاجز التريليوني جنيه بحلول عام 2015، ثم اقترب من أربعة تريليونات جنيه في عام 2019، قبل أن يواصل الارتفاع خلال السنوات التالية، متأثرًا بزيادة الاحتياجات التمويلية وارتفاع أسعار الفائدة وتراجع قيمة الجنيه. وبحلول عام 2025، بلغ الدين المحلي مستويات تتجاوز 12 تريليون جنيه، بما يعادل نسبة مرتفعة من الناتج المحلي الإجمالي. يتمثل الجزء الأكبر من الدين المحلي في أدوات الدين الحكومي، ولا سيما أذون وسندات الخزانة التي يكتتب فيها الجهاز المصرفي والمستثمرون المحليون، إلى جانب أرصدة ومديونيات متبادلة بين الجهات الحكومية، ومن بينها مديونية الحكومة لبنك الاستثمار القومي. وتتمثل أبرز إشكالياته في ارتفاع تكلفة خدمته، إذ تستحوذ مدفوعات الفوائد على نسبة كبيرة من الإنفاق العام، بما يحد من الموارد المتاحة للإنفاق على القطاعات والخدمات الأخرى. كما يمكن أن تترتب على تمويل العجز والدين آثار تضخمية، خصوصًا عندما يتضمن التمويل توسعًا نقديًا أو تمويلًا مباشرًا من البنك المركزي. ومن بين التحديات أيضًا احتمال مزاحمة القطاع الخاص على التمويل، إذ قد يؤدي ارتفاع احتياجات الحكومة التمويلية إلى استحواذها على جزء أكبر من السيولة المتاحة لدى الجهاز المصرفي، بما قد يحد من التمويل المتاح للاستثمار الخاص والإنتاجي. مصدر وزارة التخطيط، الذي طلب عدم ذكر اسمه، يبرر إعلان الحكومة عن بعض التفاصيل الخاصة بتسوية ديون «ماسبيرو» على خلاف تسويات لمديونيات أخرى لم تعلن تفاصيلها، بحالة الجدل التي أحدثها تصريح رجل الأعمال، حسن هيكل، ووصفه لها بـ«المقايضة الصغرى». وكان هيكل، الذي يشغل عضوية لجنة الاقتصاد الكلي الاستشارية التابعة لمجلس الوزراء، قد أعاد، عبر حسابه الشخصي على «إكس»، طرح فكرته الخاصة بتصفير الدين العام المحلي عبر نقل ملكية قناة السويس إلى البنك المركزي مقابل تسوية ديون بما يعادل قيمتها من مديونية وزارة المالية، ما عُرف إعلاميًا بـ«المقايضة الكبرى»، وهو المقترح الذي أثار موجة غضب شعبي بسبب المخاوف من التفريط في أصول الدولة السيادية مثل قناة السويس وبيعها للمستثمرين، خاصة في خضم إقبال المستثمر الخليجي على الأصول المصرية. وقال هيكل، توضيحًا لفكرته: «’’ماسبيرو’’ صفّر ديونه وقادر يصرف على برامج ومحتوى. بنك الاستثمار القومي أخد أصول بقيمة الدين وحينميها ويدورها». وأضاف: «شيل كلمة ’’ماسبيرو’’ وحط كلمة الدولة، وشيل بنك الاستثمار القومي وحط البنك المركزي، شيل أراضي وحط ملكية الدولة في الشركات العامة أو حتى قناة السويس، وهو ما يساوي تصفير الدين العام المحلي». وبينما نفى مجلس الوزراء، في 30 أغسطس الماضي، تبنيه مقترح هيكل، الذي لم يسمه واكتفى بوصفه بأنه «أحد الشخصيات العامة»، قال المجلس في بيانه إن ما يتم تداوله بشأن نقل ملكية بعض الأصول المملوكة للدولة، ومن بينها قناة السويس، إلى البنك المركزي في مقابل تسوية جانب من المديونية المحلية للحكومة، يعبر عن رؤية شخصية خالصة لصاحبها، ولا يمثل بأي حال من الأحوال توجهًا أو مقترحًا تتبناه الحكومة. وقال مجلس الوزراء إن مقايضة الأصول العامة مقابل المديونية المحلية سبق أن خضعت للدراسة والتقييم من جانب الجهات المعنية بالدولة، في إطار دراسة البدائل المختلفة لإدارة وخفض الدين العام وتكلفة خدمته، وقد انتهت الدراسة إلى عدم ملاءمة تطبيق هذا التصور وعدم إدراجه ضمن السياسات أو الآليات التي تتبناها الحكومة لإدارة الدين العام. ولفت مجلس الوزراء إلى أن ما تم مؤخرًا بشأن تسوية المديونيات التاريخية للهيئة الوطنية للإعلام تجاه بنك الاستثمار القومي يمثل معالجة مالية ومؤسسية لحالة محددة، وفق أوضاعها القانونية والمالية وطبيعة الأصول والالتزامات بين الجهتين، ولا يجوز القياس عليها أو اعتبارها نموذجًا عامًا لإدارة الدين العام للدولة.The post «ماسبيرو» يسقط مديونياته: ماذا يتبقى منه؟ first appeared on Mada Masr.