مارك دومينيك نائب رئيس شركة NVIDIA لـ «الرياض»: المملكة تجاوزت مرحلة التخطيط للذكاء الاصطناعي إلى مرحلة التشغيل

تُعد NVIDIA من أبرز الشركات العالمية الرائدة في مجالي الذكاء الاصطناعي والحوسبة المُسرّعة، حيث تطور منصات حاسوبية تسهم في إحداث تحول في مختلف القطاعات وتمكين الجيل الجديد من تطبيقات الذكاء الاصطناعي. ومع تسارع وتيرة تبني الذكاء الاصطناعي حول العالم، تعمل NVIDIA مع الحكومات والمؤسسات ومزودي الخدمات السحابية والشركاء التقنيين على بناء البنية التحتية والمنظومات اللازمة للانتقال بالذكاء الاصطناعي من مرحلة التجارب إلى مرحلة التطبيق على نطاق واسع. وخلال مشاركتها في مؤتمر ليب 2026، استعرضت الشركة رؤيتها لمستقبل منظومة الذكاء الاصطناعي سريعة التطور، حيث سلطت الضوء على أحدث التقنيات والشراكات والحلول التي تستهدف تسريع تبني الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع. وفي هذا الحوار مع «الرياض»، يتحدث مارك دومينيك، نائب الرئيس لقطاع المؤسسات في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب أوروبا لدى NVIDIA، عن أبرز ما استعرضته الشركة في مؤتمر ليب 2026، وعن شراكتها مع HUMAIN، وتطور تبني الذكاء الاصطناعي لدى المؤسسات في المملكة، ومكانة السعودية المتنامية على خارطة الذكاء الاصطناعي عالمياً. • تشارك NVIDIA في مؤتمر ليب باعتبارها شركة أساسية في مجال الذكاء الاصطناعي العالمي، ما الذي تقدمونه في هذه الدورة، وكيف تبدو طموحات المملكة من وجهة نظركم؟ تمضي السعودية قدمًا في مسيرتها نحو تبني الذكاء الاصطناعي، حيث بات الحوار يتجاوز مرحلة بناء القدرات الحاسوبية إلى مرحلة التركيز على ما يمكن لهذه القدرات إنتاجه فعلياً، بدءًا من تطوير تطبيقات جديدة وتعزيز الإنتاجية، وصولًا إلى بناء قطاعات اقتصادية جديدة. وخلال مشاركتنا في مؤتمر ليب، نستعرض كيف يمكن لمنصة الحوسبة المُسرّعة المتكاملة من NVIDIA أن تدعم المرحلة المقبلة، بدءاً من مصانع الذكاء الاصطناعي وحلول الذكاء الاصطناعي للمؤسسات، وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي الفيزيائي والروبوتات والتنقل الذاتي. وما يُميز المملكة هو اتساع آفاق طموحاتها، حيث تستثمر في البنية التحتية للحوسبة، وتنمية الكفاءات، وبناء منظومة متكاملة قادرة على توظيف الذكاء الاصطناعي في مختلف قطاعات الاقتصاد. ويتيح هذا التكامل فرصة كبيرة لتحويل الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي إلى قيمة اقتصادية طويلة الأجل. • انتقلت السعودية من مرحلة وضع استراتيجيات الذكاء الاصطناعي إلى مرحلة بناء التطبيقات بوتيرة أسرع من معظم الأسواق حول العالم. ما الذي نجحت المملكة في تحقيقه، بينما لا تزال دول أخرى تسعى لتحقيقه؟ أبرز ما يميز نهج المملكة هو إدراكها أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءًا أساسيًا من البنية التحتية. فبناء اقتصاد قائم على الذكاء الاصطناعي لا يحتاج إلى القدرات الحاسوبية فحسب، بل إلى الطاقة، والاتصال، والبرمجيات، والمهارات، إلى جانب الشركات والمؤسسات القادرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لمعالجة التحديات الواقعية. وتتمتع السعودية بميزة أخرى مهمة تتمثل بوجود قطاعات رئيسية يمكن للذكاء الاصطناعي أن يُحدث فيها أثراً فورياً، بما في ذلك الطاقة، والتصنيع، والخدمات اللوجستية، والخدمات المالية، والنقل. وينتقل التركيز الآن من بناء القدرات إلى توظيفها، وسيكون المعيار الحقيقي لقياس التقدم هو ما ستنتجه هذه الاستثمارات من نماذج وتطبيقات وشركات جديدة، وما تحققه من مكاسب في الإنتاجية. • تمثل شراكتكم مع HUMAIN إحدى أكبر التزامات البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في المنطقة. حدثنا عن المشاريع التي يجري إنشاؤها، وما الذي تتيحه هذه القدرات الضخمة للمملكة؟ تتعاون NVIDIA مع HUMAIN لبناء مصانع للذكاء الاصطناعي في المملكة بقدرة متوقعة تصل إلى 500 ميغاواط، مدعومة بمئات الآلاف من وحدات معالجة الرسومات من NVIDIA على مدى خمس سنوات. وتتضمن المرحلة الأولى حاسوبًا فائقًا للذكاء الاصطناعي يضم 18 ألف وحدةNVIDIA GB300 Grace Blackwell ، ومزوّدًا بشبكات NVIDIA InfiniBand. لكن أهمية المشروع لا تكمن في حجم البنية التحتية فقط، بل في الإمكانات التي ستوفرها للجهات والمؤسسات السعودية. فمصانع الذكاء الاصطناعي مصممة لإنتاج الذكاء على نطاق واسع، حيث توفر البنية التحتية الحاسوبية اللازمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتخصيصها وتشغيلها، فضلًا عن دعم التطبيقات والخدمات المبنية عليها. وبالنسبة للمملكة، يعني ذلك بناء قدرات محلية يمكن للباحثين والشركات والمطورين الاستفادة منها لتحويل الأفكار إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ثم نقل هذه التطبيقات إلى مرحلة التشغيل الفعلي. • مع إطلاق سحابة HUMAIN السعودية للذكاء الاصطناعي المعتمدة على حاسوب NVIDIA Blackwell Ultra، أصبحت قدرات الحوسبة المتقدمة متاحة محليًا في المملكة. ما الذي يوفره ذلك للشركات والباحثين ورواد الأعمال السعوديين ابتداءً من اليوم؟ يسهم ذلك في إزالة أحد أكبر العوائق أمام تبني الذكاء الاصطناعي والمتمثل في الوصول إلى قدرات الحوسبة المتقدمة. ويمكن للشركات الانتقال بسرعة أكبر من مرحلة التجارب إلى التشغيل الفعلي، بينما يستطيع الباحثون معالجة مشاكل تتطلب قدرات حاسوبية أكبر. كما يمكن للشركات الناشئة تطوير منتجات الذكاء الاصطناعي وتوسيع نطاقها دون الحاجة إلى بناء البنية التحتية الأساسية اللازمة لتشغيلها. ويزداد هذا الأمر أهميةً مع انتقال الذكاء الاصطناعي نحو التفكير الاستدلالي والأنظمة الوكيلة. فهذه الأنظمة لا تقتصر على توليد استجابة واحدة، بل يمكنها تحليل المشكلات المعقدة، واستخدام الأدوات، وتنفيذ خطوات متعددة لإنجاز مهمة معينة، ويتطلب ذلك قدرات حاسوبية أكبر بكثير. ويسهم توفر قدرات الحوسبة المتقدمة للذكاء الاصطناعي محليًا في إرساء أساس أقوى للمنظومة السعودية لتطوير هذا الجيل الجديد من التطبيقات ونشره وتشغيله. • غالبًا ما يشار إلى المملكة كأحد أبرز الأمثلة على التطبيق الناجح لمفهوم الذكاء الاصطناعي السيادي. ما الذي تتطلبه السيادة الحقيقية في مجال الذكاء الاصطناعي، ولماذا يتميز نهج المملكة؟ تُدرك الدول بصورة متزايدة أهمية أن تعكس أنظمة الذكاء الاصطناعي التي يتم تطويرها بياناتها ولغتها وثقافتها وأولوياتها الاقتصادية. وهذا يتطلب أكثر من مجرد امتلاك البنية التحتية للحوسبة، ويعني بناء القدرة على تطوير الذكاء الاصطناعي وتشغيله محليًا، من خلال الجمع بين الحوسبة والبيانات والنماذج والبرمجيات، إلى جانب الكفاءات البشرية القادرة على توظيف هذه الإمكانيات. وتعمل المملكة على تطوير هذه القدرات بالتوازي، من خلال توسيع قدرات الحوسبة المتقدمة، والاستثمار في المهارات، وإيجاد الفرص للشركات والباحثين والمطورين المحليين لتطوير حلول الذكاء الاصطناعي بما يلبي احتياجات المملكة. ومع مرور الوقت، سيصبح نجاح هذه الجهود أقل ارتباطًا بحجم قدرات الحوسبة التي تم تركيبها، ومع مرور الوقت، سيصبح نجاح هذه الجهود أقل ارتباطًا بحجم قدرات الحوسبة التي تم تركيبها، وأكثر ارتباطًا بما تتمكن المملكة من ابتكاره وتطويره باستخدام هذه القدرات. • تتعاون NVIDIA مع مؤسسات في مختلف أنحاء المنطقة خلال انتقالها من التجارب الأولية إلى عمليات النشر والتطبيق على نطاق واسع. ما هي أبرز إنجازات المؤسسات السعودية التي حققت نموًا ناجحًا، وما الذي يمكن للآخرين الاستفادة منه؟ عادةً ما تبدأ المؤسسات التي تحقق أكبر قدر من التقدم بتحديد المشكلة أو التحدي وليس بالتكنولوجيا. فهي تحدد المجالات التي يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحدث فيها تحسنًا ملموسًا، سواء في الإنتاجية أو خدمة العملاء، أو عملية اتخاذ القرارات، أو الكفاءة التشغيلية، ثم تبني حلولها انطلاقًا من نتيجة واضحة. كما أنها تخطط منذ البداية للوصول إلى مرحلة التشغيل الفعلي. فنجاح المشروع التجريبي أمر مفيد، لكن القيمة الحقيقية تتحقق عندما يصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من سير العمل اليومي، ويعمل بكفاءة عالية على مستوى المؤسسة. وتستثمر هذه المؤسسات أيضًا في كوادرها البشرية. فتبنّي الذكاء الاصطناعي يمثل تحوّلاً تنظيميًا بقدر ما هو تحوّل تقني. ويحتاج الموظفون إلى معرفة كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي، بينما تحتاج الفرق التقنية إلى المهارات اللازمة لتكييف هذه الحلول ونشرها وتشغيلها. والهدف في نهاية المطاف هو توظيف الذكاء الاصطناعي في المجالات التي يمكن أن يحقق فيها قيمة قابلة للقياس. • من خلال منصتي Omniverse وDRIVE Hyperion، تمتد الشراكة إلى قطاعات الصناعة والتنقل. كيف ستسهم التوائم الرقمية والروبوتات والمركبات ذاتية القيادة المبنية على هذه البنية التحتية في تعزيز القطاعات التي تتفوق فيها المملكة بالفعل؟ تضم السعودية قطاعات صناعية ضخمة تعتمد على العالم المادي، بما في ذلك الطاقة، والتصنيع، والخدمات اللوجستية، والبنية التحتية، والنقل، ما يجعل الذكاء الاصطناعي الفيزيائي ذا أهمية بالغة. ومن خلال منصة NVIDIA Omniverse، تستطيع الشركات إنشاء توائم رقمية للمصانع والمستودعات وغيرها من البيئات المعقدة، فضلًا عن محاكاة العمليات، واختبار التغييرات، وتدريب الروبوتات افتراضيًا قبل نشرها في العالم الحقيقي. ويسهم ذلك في تعزيز الكفاءة والسلامة مع خفض تكلفة التجارب والمخاطر المرتبطة بها. ويمثل قطاع التنقل فرصة أخرى مهمة، حيث تعمل HUMAIN على إدخال سيارات الأجرة الروبوتية المدعومة بتقنية NVIDIA DRIVE Hyperion إلى المملكة. وننظر إلى الذكاء الاصطناعي الفيزيائي باعتباره المرحلة المقبلة في تطور الذكاء الاصطناعي، إذ يتيح تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على الإدراك والتفكير والتصرف في العالم الحقيقي. وبالنسبة إلى اقتصاد يتمتع بقاعدة صناعية ضخمة بحجم المملكة، فإن ذلك يفتح آفاقًا واسعة. • بالتوازي مع البنية التحتية، تستثمر NVIDIA في تطوير قدرات المهندسين السعوديين والمنظومة الأوسع للذكاء الاصطناعي. كيف يجري بناء هذه الكفاءات، وماذا يعني ذلك لمكانة المملكة على المدى الطويل في مجال الذكاء الاصطناعي؟ في نهاية المطاف، الموارد البشرية هي التي تحدد العائد الذي ستحققه المملكة من استثماراتها في الذكاء الاصطناعي. وتعمل NVIDIA مع HUMAIN على مبادرات للتدريب تتيح لآلاف المواطنين السعوديين والمطورين اكتساب خبرة عملية في مجالات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة المُسرّعة، والمحاكاة، والروبوتات، والتوائم الرقمية. ويتمثل الهدف في إعداد كوادر قادرة على تطوير حلول الذكاء الاصطناعي، وليس مجرد استخدامها. ومع توسع نطاق الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات، ستحتاج السعودية إلى مهندسين ومطورين يمتلكون فهمًا عميقًا للتقنية، إلى جانب متخصصين في مختلف القطاعات قادرين على توظيفها. في مجالات مثل الطاقة والتصنيع والرعاية الصحية والخدمات المالية والنقل. وتمثل البنية التحتية الأساس الذي تبنى عليه هذه القدرات، لكن تطوير الكفاءات القادرة على تحويلها إلى منتجات وشركات ومكاسب في الإنتاجية سيكون العامل الحاسم في تحديد الأثر طويل الأمد لهذه الاستثمارات.