منذ أكثر من أربعين عامًا، تتغير أسماء اللاعبين والمدربين ورؤساء الأندية، وتتطور الملاعب ووسائل النقل والتقنيات الناقلة للمباريات، لكن شيئًا واحدًا ما يزال ثابتًا في وسطنا الرياضي: نظرية المؤامرة!
يخسر الفريق، فتكون المؤامرة هي السبب. يُخطئ الحكم، فلا يُنظر إلى الخطأ بوصفه احتمالًا بشريًا أو قصورًا فنيًا، وإنما دليلًا على مخطط سابق. تصدر عقوبة، فيُقال إنها استهداف.
يتأخر قرار أو يُرفض احتجاج، فتبدأ رحلة البحث عن الأسماء والعلاقات والنوايا الخفية. وكأن كل مؤسسة رياضية لا تعمل إلا لإسقاط فريق بعينه، وكأن بقية الأندية اجتمعت سرًا واتّفقت على منعه من النجاح!
المشكلة ليست في اعتراض المشجع أو غضبه؛ فالتشجيع عاطفة، ومن حق الجماهير أن تنتقد وتسأل وتطالب بالعدالة. المشكلة تبدأ حين يتحول السؤال إلى اتهام، والشك إلى حقيقة، والانفعال إلى خطاب جماهيري يطعن في الذمم والنزاهة من دون دليل.
الأغرب أن نظرية المؤامرة ليست حكرًا على نادٍ واحد. كل نادٍ يرى نفسه الضحية الوحيدة، وكل جمهور يعتقد أن فريقه مستهدف أكثر من سواه.
الفائز ينتصر رغم المؤامرة، والخاسر يسقط بسببها، والقرار الصحيح يصبح مشبوهًا لمجرد أنه لم يوافق رغبات المدرج.
وهكذا لا يعود النقاش عن أداء لاعب أو خطة مدرب أو كفاءة إدارة، ولكن عن غرف مظلمة وأيدٍ خفية لا يراها أحد، ومع ذلك يزعم كثيرون أنهم يعرفون ما يدور داخلها!
لكن هل يملك كل مشجع الشجاعة ليبدأ بفريقه؟ هل سيصدق النصراوي أن الخلل قد يكون داخل فريقه، أم سيكتفي كل مرة بالبحث عمّن تآمر عليه؟
-هذه الأسئلة لا تنتقص من الأندية ولا من جماهيرها، بقدر ما تحررها من وهم الضحية الدائمة؛ فالنادي الكبير لا يحتاج إلى مؤامرة تفسّر خسارته، وإنما إلى شجاعة تعترف بأخطائه وتعمل على إصلاحها.
لقد أسهمت بعض البرامج الرياضية والحسابات الجماهيرية في توسيع هذه الظاهرة؛ لأن لغة الإثارة أسرع انتشارًا من لغة التحليل. من السهل أن تقول إن فريقًا تعرّض لمؤامرة، لكن الأصعب أن تشرح لماذا أخفق فنيًا أو إداريًا.
المؤامرة تمنح الجميع مخرجًا مريحًا: تعفي الإدارة من المسؤولية، وتحمي المدرب من النقد، وتبرر أخطاء اللاعبين، وتُبقي الجماهير مشغولة بعدو خارجي بدل مواجهة الخلل الحقيقي.
ومع اتساع الاستثمار الرياضي وارتفاع مكانة المنافسات السعودية، لم يعد مقبولًا أن يبقى الخطاب الرياضي أسير هذه اللغة.
الاحتراف لا يعني تطوير العقود والمنشآت وحدها، بل تطوير الوعي أيضًا. والعدالة لا تتحقق بالشعارات، وإنما بأنظمة واضحة، وقرارات معللة، وآليات اعتراض معلنة، وشفافية تقلل مساحة الشائعة وسوء الظن.
في المقابل، يجب ألا تبقى كلمة «مؤامرة» اتهامًا مجانيًا يُلقى في وسائل الإعلام ومنصات التواصل بلا مسؤولية.
من يملك دليلًا فليقدمه إلى الجهات المختصة، ومن لا يملكه فعليه أن يدرك أن التشكيك في نزاهة المؤسسات والأشخاص ليس رأيًا عابرًا. هناك فرق كبير بين نقد القرار واتهام صاحبه بالفساد، وبين مناقشة الخطأ والادعاء بأنه متعمد لخدمة طرف والإضرار بآخر.
ربما حان الوقت لتتعامل الجهات الرياضية بصرامة مع الاتهامات غير الموثقة، من خلال لوائح معلنة تحفظ حق النقد، لكنها تعاقب من يطعن في النزاهة أو يروّج ادعاءات خطرة من دون بينة.
فحرية الرأي لا تعني حرية الاتهام، والحماس للنادي لا يمنح صاحبه حق الإساءة إلى الآخرين.
بعد أكثر من أربعين عامًا، آن للوسط الرياضي أن يغادر السؤال الكسول: «من تآمر علينا؟»، إلى السؤال الأكثر شجاعة وفائدة: «أين أخطأنا؟».
عندها فقط نبدأ في بناء رياضة تحاسب المقصر، وتحترم الدليل، ولا تجعل المؤامرة جوابًا جاهزًا لكل هزيمة.
منذ أكثر من أربعين عامًا، تتغير أسماء اللاعبين والمدربين ورؤساء الأندية، وتتطور الملاعب ووسائل النقل والتقنيات الناقلة للمباريات، لكن شيئًا واحدًا ما يزال ثابتًا في وسطنا الرياضي: نظرية المؤامرة!
يخسر الفريق، فتكون المؤامرة هي السبب. يُخطئ الحكم، فلا يُنظر إلى الخطأ بوصفه احتمالًا بشريًا أو قصورًا فنيًا، وإنما دليلًا على مخطط سابق. تصدر عقوبة، فيُقال إنها استهداف.
يتأخر قرار أو يُرفض احتجاج، فتبدأ رحلة البحث عن الأسماء والعلاقات والنوايا الخفية. وكأن كل مؤسسة رياضية لا تعمل إلا لإسقاط فريق بعينه، وكأن بقية الأندية اجتمعت سرًا واتّفقت على منعه من النجاح!
المشكلة ليست في اعتراض المشجع أو غضبه؛ فالتشجيع عاطفة، ومن حق الجماهير أن تنتقد وتسأل وتطالب بالعدالة. المشكلة تبدأ حين يتحول السؤال إلى اتهام، والشك إلى حقيقة، والانفعال إلى خطاب جماهيري يطعن في الذمم والنزاهة من دون دليل.
الأغرب أن نظرية المؤامرة ليست حكرًا على نادٍ واحد. كل نادٍ يرى نفسه الضحية الوحيدة، وكل جمهور يعتقد أن فريقه مستهدف أكثر من سواه.
الفائز ينتصر رغم المؤامرة، والخاسر يسقط بسببها، والقرار الصحيح يصبح مشبوهًا لمجرد أنه لم يوافق رغبات المدرج.
وهكذا لا يعود النقاش عن أداء لاعب أو خطة مدرب أو كفاءة إدارة، ولكن عن غرف مظلمة وأيدٍ خفية لا يراها أحد، ومع ذلك يزعم كثيرون أنهم يعرفون ما يدور داخلها!
لكن هل يملك كل مشجع الشجاعة ليبدأ بفريقه؟ هل سيصدق النصراوي أن الخلل قد يكون داخل فريقه، أم سيكتفي كل مرة بالبحث عمّن تآمر عليه؟
-هذه الأسئلة لا تنتقص من الأندية ولا من جماهيرها، بقدر ما تحررها من وهم الضحية الدائمة؛ فالنادي الكبير لا يحتاج إلى مؤامرة تفسّر خسارته، وإنما إلى شجاعة تعترف بأخطائه وتعمل على إصلاحها.
لقد أسهمت بعض البرامج الرياضية والحسابات الجماهيرية في توسيع هذه الظاهرة؛ لأن لغة الإثارة أسرع انتشارًا من لغة التحليل. من السهل أن تقول إن فريقًا تعرّض لمؤامرة، لكن الأصعب أن تشرح لماذا أخفق فنيًا أو إداريًا.
المؤامرة تمنح الجميع مخرجًا مريحًا: تعفي الإدارة من المسؤولية، وتحمي المدرب من النقد، وتبرر أخطاء اللاعبين، وتُبقي الجماهير مشغولة بعدو خارجي بدل مواجهة الخلل الحقيقي.
ومع اتساع الاستثمار الرياضي وارتفاع مكانة المنافسات السعودية، لم يعد مقبولًا أن يبقى الخطاب الرياضي أسير هذه اللغة.
الاحتراف لا يعني تطوير العقود والمنشآت وحدها، بل تطوير الوعي أيضًا. والعدالة لا تتحقق بالشعارات، وإنما بأنظمة واضحة، وقرارات معللة، وآليات اعتراض معلنة، وشفافية تقلل مساحة الشائعة وسوء الظن.
في المقابل، يجب ألا تبقى كلمة «مؤامرة» اتهامًا مجانيًا يُلقى في وسائل الإعلام ومنصات التواصل بلا مسؤولية.
من يملك دليلًا فليقدمه إلى الجهات المختصة، ومن لا يملكه فعليه أن يدرك أن التشكيك في نزاهة المؤسسات والأشخاص ليس رأيًا عابرًا. هناك فرق كبير بين نقد القرار واتهام صاحبه بالفساد، وبين مناقشة الخطأ والادعاء بأنه متعمد لخدمة طرف والإضرار بآخر.
ربما حان الوقت لتتعامل الجهات الرياضية بصرامة مع الاتهامات غير الموثقة، من خلال لوائح معلنة تحفظ حق النقد، لكنها تعاقب من يطعن في النزاهة أو يروّج ادعاءات خطرة من دون بينة.
فحرية الرأي لا تعني حرية الاتهام، والحماس للنادي لا يمنح صاحبه حق الإساءة إلى الآخرين.
بعد أكثر من أربعين عامًا، آن للوسط الرياضي أن يغادر السؤال الكسول: «من تآمر علينا؟»، إلى السؤال الأكثر شجاعة وفائدة: «أين أخطأنا؟».