حتى وإن استمرت الاعتداءات الإرهابية الحوثية على بلادنا، فلن تأخذنا هذه من الهموم الكبرى ومن تدبر الأمور، والسعي في البحث عن الحلول، فالثابت أهم من المتحول. بلادنا في تاريخها الطويل شهدت العديد من المحن والتحديات، وخرجت منها مرفوعة الرأس قوية الشوكة والظهر، وبحال أفضل على المستويين الوطني والعالمي.
هذه التحديات الكبرى لن تصرفنا عن تأمل الأمور المؤلمة في الأراضي العربية بحثاً عن الحلول المستدامة.. بالذات استمرار قتل العربي للعربي. هنا يجب الوقوف لنسأل: ماذا ربح نظام الملالي الإيراني.. وماذا خسر العرب؟ وما هي الدروس والعبر التى (يجب أن نتعلم منها) حتى لا تكون بلادنا العربية مسرحاً مفتوحاً لحروب وصراعات الإسرائيليين والصفويين.. وكل ذي شر.
وكما هو مؤلم أن نشاهد اليوم اليمني يقتل أخاه اليمني، مؤلم لنا أيضا أن نرى الضحايا الأبرياء يسقطون في المنشآت المدنية، مثلما حدث في مطار الملك خالد الدولي. وكذلك مؤلم استمرار المدن والقرى اليمنية في استقبال القتلى والجرحى والنازحين، مستكملة سنوات طويلة من الحروب التي أنهكت اليمن وأفقرت شعبه. والأشد إيلامًا أن يتكرر هذا المشهد في سياق صراع إقليمي أصبح فيه اليمن جزءًا من الحسابات الأمنية والسياسية للنظام الإيراني، بينما يدفع اليمنيون من دمائهم وأموالهم ومستقبل أبنائهم ثمنًا يتعارض مع مصالحهم الوطنية والعربية.
هذا المشهد المؤلم ليس منفصلًا عن تجربة بدأت مع الثورة الإيرانية عام 1979، عندما تبنى النظام الجديد مشروعًا سياسيًا وأيديولوجيًا يتجاوز حدود الدولة الإيرانية، كما فعلت النازية. ومع مرور السنوات تطورت أدوات هذا المشروع، وأصبح بناء العلاقات مع جماعات مسلحة إرهابية داخل الدول العربية أحد المكونات الأساسية للإستراتيجية الأمنية الإيرانية.
في هذه الصراعات، نظام الملالي لم يكن مضطرا لخوض حروب مباشرة بجنوده وعلى أراضه. فمن خلال دعم حلفائه بالسلاح والمال والتدريب والخبرة تمكن من نقل جانبًا من مواجهاته الإقليمية إلى أراضٍ عربية. وهكذا بدأت حلقات المسلسل الدامي الطويل، فقد أصبح اللبناني يقاتل اللبناني، والعراقي يقتل العراقي، والسوري يذبح السوري، واليمني يقاتل اليمني. أما المدن المدمرة، والاقتصادات المنهكة، والأجيال التي ضاعت عليها فرص التعليم والتنمية، فكانت في معظمها عربية، ولا تدخل في حسابات طهران.. دع العرب يتقاتلون، نفس الأهداف الإسرائيلية!
هذه هي المفارقة القاسية: أن تستطيع دولة توظيف دماء أبناء دول أخرى ومواردها في خدمة حساباتها الإستراتيجية، بينما تتحمل تلك المجتمعات جانبًا كبيرًا من تكلفة الصراع والآلآم ومظاهر الفساد والتخلف الاجتماعي.
الذي نجح فيه نظام الخميني هو استغلال الأزمات العربية. فالعراق عرف انهيارًا مؤسسيًا عميقًا بعد الغزو الأمريكي عام 2003، وسوريا دخلت حربًا معقدة شاركت فيها أطراف داخلية وخارجية متعددة، ولبنان عانى الانقسامات قبل الثورة الإيرانية، واليمن يحمل تاريخًا طويلًا من الصراعات. مع الأسف تمكن المشروع الإيراني من استثمار هذه الانقسامات وتوسيعها وتحويلها إلى تصفيات أيديولوجية دينية تكفيرية متطرفة، وتعزيز نفوذ جماعات مسلحة مرتبطة به، حتى أصبحت بعض هذه الجماعات قادرة على التأثير في قرار الحرب والسلم خارج المؤسسات الوطنية.
وهنا تكمن الخسارة الأكبر. فعندما تصبح داخل الدولة قوة مسلحة تحتفظ بعلاقة سياسية وعسكرية مع دولة أجنبية -كوضع مليشيات إيران في العراق- تتراجع السيادة الوطنية، وتضعف المواطنة، ويتحول الخلاف السياسي إلى صراع قد تتجاوز أهدافه مصالح الشعب نفسه. وعندها لا يعود السلاح وسيلة لحماية الوطن، بل قد يصبح وسيلة لربط مستقبله بحسابات مشروع خارجي.
ولعل اليمن يقدم اليوم أوضح صورة لهذه المأساة. فوفق تقديرات الأمم المتحدة، يحتاج أكثر من 21 مليون إنسان في اليمن إلى المساعدة الإنسانية خلال عام 2026، ويعاني نحو 18 مليونًا من انعدام الأمن الغذائي الحاد. هذه ليست مجرد أرقام؛ إنها صورة لمجتمع فقد جانبًا كبيرًا من قدرته على الإنتاج والاستقرار، بينما تستمر الحرب في استنزاف ما تبقى من موارده. وسيكون أنصار الحوثي هم اكبر المتضررين بالذات الأطفال والشباب الذين اختطفهم وغرر بهم وادخلهم في أهوال لعبته المدمرة. جيل سوف يعاني من الصدمات النفسية وضياع فرص التعليم والعمل!
والسؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل يمني، وكل عربي (لأجل التعلم والعظة من الدروس المرة الحالية والسابقة) هو: ماذا يكسب اليمني عندما يقتل شقيق الوطن تحقيقا لمصلحة إيران؟ هل سوف تصبح بلاده أكثر أمنًا؟ هل ستتحسن معيشة أسرته؟ هل سيجد أبناؤه مدارس ومستشفيات وفرص عمل أفضل؟ أم أن النتيجة ستكون مزيدًا من المقابر والنازحين والفقر، ومزيدًا من إضعاف الدولة التي يحتاج إليها الجميع؟
ومن الإنصاف أيضًا أن ندرك أن لليمنيين خلافاتهم السياسية ومظالمهم ومصالحهم المتباينة، وأن مسؤولية استمرار الحرب لا تقع على طرف خارجي واحد. لكن ذلك لا يلغي السؤال الأساسي عن الدور الإيراني الذي صنع الحوثي ايديولوجيا، ويواصل دعمه الآن في إرهابه وعدوانه، ويعزز قدراته العسكرية، ويدفعه الى المواجهة الإقليمية الأوسع، بالذات المزايدة على القضية الفلسطينية.
من منظور المصالح الإيرانية، حققت استراتيجية تصدير الثورة مكاسب مهمة على مدى عقود. فقد منحت طهران نفوذًا في أكثر من عاصمة عربية، وأتاحت لها الضغط على خصومها بعيدًا عن حدودها، ووفرت أوراقًا تستخدمها في الردع والتفاوض. وهذا هو جوهر ما يعرف في الفكر الأمني الإيراني -الذي تبنته وأنتجته ثورة الخميني- بسياسة (الدفاع المتقدم)، أي مواجهة التهديدات خارج الأراضي الإيرانية قبل وصولها إلى الداخل.
لكن التطورات منذ عام 2024 كشفت حدود هذه الإستراتيجية. فقد تعرض حزب الله لضربات عسكرية قاسية، وسقط نظام بشار الأسد في ديسمبر من العام نفسه، وتراجعت قدرة طهران على المحافظة على شبكة نفوذها السابقة. ثم امتدت المواجهات العسكرية إلى الأراضي الإيرانية نفسها. وهكذا أصبحت السياسة التي كان أحد أهدافها إبعاد الحروب عن إيران عاجزة عن ضمان ذلك الهدف.
وبعد نحو نصف قرن، يمكن القول إن إيران حققت نفوذًا إقليميًا واسعًا، لكنها دفعت في المقابل تكاليف سياسية وعسكرية واقتصادية كبيرة، ولم تستطع منع انتقال المواجهة إلى داخلها.
أما نحن العرب، فقد خسرنا ما هو أثمن من المال: خسرنا الاستقرار، وفرص التنمية، وسنوات طويلة كان يمكن أن تُستثمر في بناء الإنسان والدولة. الحمدلله أننا في دول الخليج حققنا الكثير لشعوبنا، ولعلنا نتمسك بهذه المكاسب ونبني عليها. وهذا ما خسره الشعب الإيراني.
وهنا ينبغي التمييز بين نظام الملالي والشعب الإيراني، أو بين مشروع الملالي السياسي الصفوي وبين الشيعة العرب الذين يمثلون جزءًا أصيلًا من مجتمعاتهم وأوطانهم. فالمشكلة ليست مذهبية في أصلها، بل سياسية وأمنية مكشوفة وأول من حذّر منها القيادات والرموز الفكرية الشيعية العربية، لان المشروع الإيراني يستهدف توظيف الانتماءات الدينية والجماعات المسلحة لخدمة مشروع يتجاوز حدود الدولة الوطنية. وهذا المشروع جعل الشعب الإيراني نفسه يتحمل أعباء اقتصادية واجتماعية كبيرة نتيجة عقود من الصراع والعقوبات، والحصار الاقتصادي.