ما هي البشارات بميلاد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؟ يحتفل المسلمون بذكرى المولد النبوي 2026، ذكر أهل السير معجزات ولادة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، ومنها:أنه وُلِد النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- مختونًا مقطوع السرة، وخرج نورٌ معه، أضاء مساحة واسعة من الجزيرة العربية، بحسب شهادة أم عثمان بن العاص، وأم عبد الرحمن بن عوف، اللتين باتتا عند أم النبي ليلة الولادة، فقد قالتا: رأينا نورًا حين الولادة أضاء لنا ما بين المشرق والمغرب.
جاءت البشارات بنبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في الكتب السماوية السابقة، حيث تنبأ به الأنبياء وعرفه الأحبار والرهبان، وشهدت ليلة مولده إرهاصات عظيمة كانهيار إيوان كسرى وانطفاء نار فارس، وقد تنبأ الكهان والملوك بمقدمه، وعرفه الباحثون عن الحق كسيدنا سلمان الفارسي من خلال الصفات المذكورة في الكتب السابقة، ووصف الرهبان والأحبار له، وكانت هذه البشارات برهاناً ساطعاً على صدق رسالته وعموم نبوته الخاتمة للناس أجمعين.
وبشّرت بنبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم الكتبُ السماوية، ونطقت باسمه وصفته التوراةُ والإنجيل، فعرفه الأحبار، وانتظرَه الرهبان، وتحدّثت ببعثته الكُهّان، حتى رَقِبَهُ الملوك، وتتبّع أثره طالبو الحق، كـسلمان الفارسي رضي الله عنه، فكانت تلك البشارات آيةً ناطقةً بصدق نبوّته، وعالمية رسالته.
لم يكن ظهور خاتم النبيين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حدثًا عابرًا في سجل التاريخ، بل كان وعدًا إلهيًّا موصولًا منذ فجر الخليقة، وبشارةً ترددت أنوارها في دعوات الأنبياء من قبل، وتجلَّت في وحي الكتب المنزلة على المرسلين، فمنذ أن كان آدم عليه السلام طينًا كُتب في أمّ الكتاب قدرُ النبي الخاتم؛ لتشرق به البشرية ويكتمل به عقد النبوّة.
وقد تضافرت الرؤى والبشارات؛ فدعوة الخليل إبراهيم عليه السلام، وبشارة المسيح عيسى عليه السلام، ورؤيا أمه الكريمة، كلها انعقدت خيوطًا في نسيج واحد، لتُؤْذن بميلاد الرحمة المهداة، وهكذا جاء القرآن الكريم ليشهد لهذه الحقيقة الكبرى، مبيّنًا أن هذا الوعد كان معلومًا لأحبار أهل الكتاب ورهبانهم كما يعرفون أبناءهم، غير أن الحسد والعناد صرفهم عن الحق المبين.
وقد جاء في الحديث من قول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: «إني عندَ اللهِ في أمِّ الكِتابِ لخاتَمُ النَّبِيِّينَ، وإنَّ آدَمَ لَمُنجَدِلٌ في طينَتِه، وسأُنَبِّئُكم بتأويلِ ذلك: دعوةُ أبي إبراهيمَ وبِشارةُ عيسى قومَه، ورؤيا أمِّي التي رأت أنَّه خرج منها نورٌ أضاءت له قُصورُ الشَّام» [رواه أحمد وغيره].
وقد أخبرنا الله تعالى ذلك في محكم كتابه فقال: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ} [آل عمران: ٨١]، وقد تجلت هذه البشارات في دعوة سيدنا إبراهيم عليه السلام: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ} [البقرة: ١٢٩]، والتي استجابها الله ببعثة النبي الأمي صلى الله عليه وسلم.
كما جاءت البشارة الصريحة على لسان سيدنا عيسى عليه السلام: {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف: ٦]، وقد وصف القرآن حال أهل الكتاب مع هذه البشارات: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [البقرة: ١٤٦]، لكنهم كتموا هذه المعرفة حسدًا وعنادًا.
ولما كان الحال كذلك فقد ورد في التوراة والإنجيل ما تكون به تلك البشارة، حتى عرفه أهل الكتاب بصفته ورسمه بل باسمه، وليكن المثال الذي معنا نموذجًا توراتيًّا من سفر التثنية ينساق الحديث خلفه.
جاء في العهد القديم – التوراة - سفر التثنية: "جَاءَ الرَّبُّ مِنْ سِينَاءَ وَأَشْرَقَ لَهُمْ مِنْ سَعِيرَ، وَتَلأْلأَ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ، وَأَتَى مِنْ رِبْوَاتِ الْقُدْسِ، وَعَنْ يَمِينِهِ نَارُ شَرِيعَةٍ لَهُمْ" [سفر التثنية ٣٣: ٢].
ولكن الحقيقة أن فاران من جبال مكة وهي معروفة، وهذا مثله في القرآن الكريم في قول الله تعالى: {وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيۡتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَٰذَا ٱلۡبَلَدِ ٱلۡأَمِينِ} [سورة التين ٣:١].
قال الإمام ابن كثير عند تفسير الآيات: "وقال بعض الأئمة: هذه محال ثلاثة بعث الله في كل واحد منها نبيًّا مرسلًا من أولي العزم أصحاب الشرائع الكبار، فالأول: محلة التين والزيتون، وهي بيت المقدس التي بعث الله فيها عيسى ابن مريم، والثاني: طور سينين، وهو طور سيناء الذي كلم الله عليه موسى بن عمران، والثالث: مكة وهو البلد الأمين الذي من دخله كان آمنًا، وهو الذي أرسل الله فيه محمدًا صلى الله عليه وسلم.
قالوا: وفي آخر التوراة ذكر لهذه الأماكن الثلاثة: جاء الله من طور سيناء - يعني الذي كلم الله عليه موسى بن عمران - وأشرق من ساعير - يعني بيت المقدس الذي بعث الله منه عيسى - واستعلن من جبال فاران - يعني: جبال مكة التي أرسل الله منها محمدًا - فذكرهم على الترتيب الوجودي بحسب ترتيبهم في الزمان؛ ولهذا أقسم بالأشرف، ثم الأشرف منه، ثم بالأشرف منهما" [تفسير ابن كثير].
جاء في سيرة ابن هشام عن سيدنا حسان بن ثابت قصة دلَّت على مدى انتظار اليهود لنبي آخر الزمان، ومعرفتهم له، بوصفه وصفته، بل باسمه، ولما وُلد وظهر نجمه تحدث إليهم أحدهم، وقد سمع هذا الكلام سيدنا حسان، قال ابن إسحاق: "وحدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة الأنصاري قال: حدثني من شئت من رجال قومي، عن حسان بن ثابت قال: والله إني لغلام يفعة ابن سبع سنين، أو ثمان أعقل كل ما سمعت إذ سمعت يهوديًّا يصرخ بأعلى صوته على أطمة بيثرب: يا معشر يهود، حتى إذا اجتمعوا إليه، قالوا له: ويلك ما لك؟ قال: طلع الليلة نجم أحمد الذي ولد به. قال محمد بن إسحاق: فسألت سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت، فقلت: ابن كم كان حسان بن ثابت مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة؟ فقال: ابن ستين سنة، وقدمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، فسمع حسان ما سمع وهو ابن سبع سنين" [سيرة ابن هشام].
وقد تبين من هذا الأثر كيف عرف الحبر نجم ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا تصديقًا لقول الله تعالى: {ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡرِفُونَهُۥ كَمَا يَعۡرِفُونَ أَبۡنَآءَهُمۡۖ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنۡهُمۡ لَيَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ} [البقرة١٤٦]، وقد تبين مثل ذلك في قصة إسلام سيدنا عبد الله بن سلام.
ولولا ما قرأه ابن سلام في كتبه السابقة لَمَا عرف النبي صلى الله عليه وسلم، ولكنه من خلال البشارات به استطاع أن يقدم تلك الأسئلة، ليفوز بما بشرت به التوراة، وجاء عنه في كلامه لليهود "يا معشر اليهود، اتقوا الله، فو الله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله، وأنه جاء بحق" [رواه البخاري].