ماذا تعني دقائق الانتظار؟ – نجلاء العتيبي

تذكرتُ هذه الجملة لسيدة عظيمة، قالتْها في موقفٍ أعظَمَ، فبقيتْ في الذاكرة؛ لأنها تختصر معنى الأمان في لحظة يضيقُ فيها الوقت؛ فالمسافة إلى المستشفى أبعدُ من أرقام على لوحة الطريق؛ إنها ما يفصل بين قلب يرتجف، ويدٍ تعرف كيف تنقذه، وكلما اقتربت الرعاية من الإنسان، اتَّسعت في داخله مساحة الطمأنينة.

في قُرانا وهُجرنا يعرف الناس جيدًا ماذا تعني دقائق الانتظار، يعرفون كيف يتحوَّل ألمُ طفلٍ في منتصف الليل إلى قلق بيت كامل، وكيف يُراقب أهلُ المريض الطريقَ وهم يرجون أن يبلغوا الطبيب قبل أن تتبدَّل حاله؛ لذلك فإن حضور الخدمات الصحية هناك يتجاوز بناء مرفقٍ، وتجهيز غرفه، إنه اعتراف عملي بأن حياة الإنسان لا تقلُّ قيمةً حين يكون عنوانه بعيدًا عن مركز المدينة.

فللمركز الصحي القريب أثرٌ لا تقيسه الخرائط وحدها، أُمٌّ تتابع حملها دون رحلة مرهقة، ومُسِنٌّ يراجع علاجه بانتظام، وطفلٌ يتلقَّى تطعيمه، ومريضٌ تُكتشَف أعراضه مبكرًا قبل أن تشتدَّ، هذه المواعيد الهادئة التي تمُرُّ في يوم الناس قد تمنع يومًا عصيبًا، وفي كل زيارة قريبة، تحفظ الأسرة وقتها وجهدها، ويجد صاحب الحاجة مَن يصغي إليه في المكان الذي يعيش فيه.

وعندما تستدعي الحالة إمكانات أكبر، تبدأ مسؤولية أخرى: أن تسير رحلة العلاج بوضوحٍ وسرعةٍ إلى المستشفى القادر على استقبالها؛ فالتحويل من قرية أو هجرة إلى أقرب مدينة يتجاوز ورقة تُكتَب، وسيارة تنطلق، هو قرار طبي، وتواصُل بين جهتينٍ، ومعلومات تصل قبل المريض، واستعداد لاستقباله عند وصوله، وفي هذه السلسلة قد تصنعُ الدقائق فارقًا لا يُنسَى، ويُصبح التنسيق نفسه جزءًا من العلاج.

تخيَّلوا أبًا يحمل ابنته وقد اشتدَّ عليها المرض، ما يحتاجه في تلك الساعة يتجاوز عبارة «اذهبْ إلى المدينة». يحتاج مَن يفحصها أولًا، ويُحدّد درجة الخطر، ويُوجّهها إلى المكان المناسب، ويُطمئنه بأن بابًا معلومًا ينتظر وصولهما، ومع تكامل هذه الخطوات، لا يبقى الأبُ وحيدًا أمام الطريق؛ بل تمضي معه خبرة الأطباء والمسعفين، وتسبقه تفاصيل الحالة إلى من سيتولَّاها.

هذا هو المعنى الحقيقي لقُرب المستشفى اليوم، قد تفصلنا عنه كيلومترات، لكن الخدمة تصل إلينا أولًا، وتعرف متى تستكمل عملها في منشأة أكبر، القرب قدرة على الوصول في الوقت المناسب، وثقة بأن مكان السكن لن يترك صاحبه خارج دائرة الاهتمام، وهو أيضًا حقٌّ للمريض في أن ينتقل بين مستويات الرعاية دون أن يضيع صوته أو تضيع معه ساعات ثمينة.

لقد تغيَّر شعور كثير من الأُسر تجاه الطريق إلى العلاج، فصار السؤال عن أقرب خدمة ممكنة حاضرًا مع السؤال عن أقرب مستشفى، وصارت متابعة الحالات وسُبُل نقلها شأنًا يستحقُّ العناية المستمرة، وما تحقَّق في الخدمات الصحية يدعونا إلى تقدير العاملين فيها، مَن يستقبل أول اتصالٍ، ومَن يقود سيارة الإسعاف، ومَن يسهر عند سرير المريض، ومن يُنسّق انتقاله دون أن يعرف اسمَهُ أهلُ البيت؛ فلكل واحد منهم نصيبٌ في تلك اللحظة التي تنفرج فيها وجوه القلقين. ومع هذا التقدير تظلُّ الحاجة قائمةً إلى الإصغاء المستمر لأهل القرى والهجر: هل بلغتهم الخدمة بيُسر؟ هل عرفوا أين يذهبون في الطوارئ؟ هل وجدوا وسيلة نقل ملائمةً عندما تعذَّر عليهم الوصول؟ الأسئلة العملية تُعين على تحسين الرعاية؛ لأن قيمة المنجز تظهر في تجربة المريض نفسها، خاصَّةً والوقت أثمنُ ما يملك.

ولا ينبغي أن تُروى هذه الحكاية من زاوية الطوارئ وحدها؛ ففي القرى يكتسب الفحص الدوري قيمةً خاصَّةً إذا أُتيح بالقرب من البيوت؛ يلتفت الطبيب إلى ارتفاع الضغط، ويُنبّه إلى تغيُّر السكر، ويعرف الأسرة التي تحتاج متابعة أكثر، كما تمنح الزيارات المنزلية كبار السن ومَن تصعُبُ عليهم الحركة فرصةً للرعاية وهم بين أهلهم، وهذه الأعمال الصغيرة تمنع تعبًا أكبر، وتترك في نفوس الناس شعورًا بأن العناية تعرف أسماءهم وطُرُقهم. أما المدينة فتظل امتدادًا لهذه الرعاية عند الحاجة إلى تخصُّص أو إجراءٍ أدَقَّ، فتلتقي إمكاناتها بحاجة القادم إليها دون أن يبدأ قصته الطبية من جديد، وهكذا يصبح الطريق أقصر في أثره مهما طال.

أعود إلى تلك الجملة: «ما وقفنا إلا وحنا عند باب المستشفى». ففيها لهجةُ أُمٍّ تعرفُ معنى النجاة، وصورةُ وطنٍ يجدُ فيه كلُّ مريض طريقًا واضحًا وآمنًا إلى علاجه، من الحي الكبير إلى أبعد هجرة، وأجمل ما في قرب المستشفى أن الإنسان -وهو يطلب النجدة- يشعر بأن المسافة لم تُترَك له وحده؛ هناك مَن يبدأ معه الرحلة، ومن يواصلها، ومن يفتح الباب عند وصوله.

«إن الدولة تجعلُ المحافظةَ على صحة الإنسان في طليعة اهتماماتها، ومقدمة أولوياتها».

- الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، حفظه الله تعالى.

تذكرتُ هذه الجملة لسيدة عظيمة، قالتْها في موقفٍ أعظَمَ، فبقيتْ في الذاكرة؛ لأنها تختصر معنى الأمان في لحظة يضيقُ فيها الوقت؛ فالمسافة إلى المستشفى أبعدُ من أرقام على لوحة الطريق؛ إنها ما يفصل بين قلب يرتجف، ويدٍ تعرف كيف تنقذه، وكلما اقتربت الرعاية من الإنسان، اتَّسعت في داخله مساحة الطمأنينة.

في قُرانا وهُجرنا يعرف الناس جيدًا ماذا تعني دقائق الانتظار، يعرفون كيف يتحوَّل ألمُ طفلٍ في منتصف الليل إلى قلق بيت كامل، وكيف يُراقب أهلُ المريض الطريقَ وهم يرجون أن يبلغوا الطبيب قبل أن تتبدَّل حاله؛ لذلك فإن حضور الخدمات الصحية هناك يتجاوز بناء مرفقٍ، وتجهيز غرفه، إنه اعتراف عملي بأن حياة الإنسان لا تقلُّ قيمةً حين يكون عنوانه بعيدًا عن مركز المدينة.

فللمركز الصحي القريب أثرٌ لا تقيسه الخرائط وحدها، أُمٌّ تتابع حملها دون رحلة مرهقة، ومُسِنٌّ يراجع علاجه بانتظام، وطفلٌ يتلقَّى تطعيمه، ومريضٌ تُكتشَف أعراضه مبكرًا قبل أن تشتدَّ، هذه المواعيد الهادئة التي تمُرُّ في يوم الناس قد تمنع يومًا عصيبًا، وفي كل زيارة قريبة، تحفظ الأسرة وقتها وجهدها، ويجد صاحب الحاجة مَن يصغي إليه في المكان الذي يعيش فيه.

وعندما تستدعي الحالة إمكانات أكبر، تبدأ مسؤولية أخرى: أن تسير رحلة العلاج بوضوحٍ وسرعةٍ إلى المستشفى القادر على استقبالها؛ فالتحويل من قرية أو هجرة إلى أقرب مدينة يتجاوز ورقة تُكتَب، وسيارة تنطلق، هو قرار طبي، وتواصُل بين جهتينٍ، ومعلومات تصل قبل المريض، واستعداد لاستقباله عند وصوله، وفي هذه السلسلة قد تصنعُ الدقائق فارقًا لا يُنسَى، ويُصبح التنسيق نفسه جزءًا من العلاج.

تخيَّلوا أبًا يحمل ابنته وقد اشتدَّ عليها المرض، ما يحتاجه في تلك الساعة يتجاوز عبارة «اذهبْ إلى المدينة». يحتاج مَن يفحصها أولًا، ويُحدّد درجة الخطر، ويُوجّهها إلى المكان المناسب، ويُطمئنه بأن بابًا معلومًا ينتظر وصولهما، ومع تكامل هذه الخطوات، لا يبقى الأبُ وحيدًا أمام الطريق؛ بل تمضي معه خبرة الأطباء والمسعفين، وتسبقه تفاصيل الحالة إلى من سيتولَّاها.

هذا هو المعنى الحقيقي لقُرب المستشفى اليوم، قد تفصلنا عنه كيلومترات، لكن الخدمة تصل إلينا أولًا، وتعرف متى تستكمل عملها في منشأة أكبر، القرب قدرة على الوصول في الوقت المناسب، وثقة بأن مكان السكن لن يترك صاحبه خارج دائرة الاهتمام، وهو أيضًا حقٌّ للمريض في أن ينتقل بين مستويات الرعاية دون أن يضيع صوته أو تضيع معه ساعات ثمينة.