ماذا تخبرنا أسعار النفط والذهب عن مسار الأزمات والكوارث؟

في ذروة الأزمات على اختلاف أشكالها، سياسية كانت أم اقتصادية، عسكرية أم طبيعية، تتراجع غالبية الأخبار إلى مراتب متأخرة في سلم أولويات الشعوب حول العالم، فيما تتصدر حركة أسعار النفط والذهب، صعوداً أو هبوطاً، دائرة الاهتمام. ذلك لأن ما تُنبئ به إشارات أسواق السلع والعقود الآجلة قد يكون أكثر شفافية مما تكشفه التصريحات الرسمية للمسؤولين. فبينما ينشغل السياسيون بصياغة الروايات التي تخدم مواقفهم، يكشف الذهب جانباً من الحقيقة، وترصد الأسواق كلفة قراراتهم وما تخلّفه من مخاطر على الاقتصاد العالمي.

«المال هو الذهب ولا شيء غيره» بهذه العبارة التي أدلى بها المصرفي الأميركي جون بييربونت مورغان خلال شهادة له أمام الكونغرس عام 1912، عبّر عن مكانة الذهب في النظام النقدي، إذ يحتفظ المعدن الأصفر بقيمة لا تعتمد على الثقة بالعملات الورقية أو قدرة الجهات المصدرة للديون على الوفاء بالتزاماتها. وبعد أكثر من قرن، ما زال الذهب يحتفظ بمكانته في حسابات الدول والمستثمرين، فيما أصبح النفط ركناً أساسياً في القوة الاقتصادية والعسكرية، وعنصراً يدل على قدرة الدول على الإنتاج وإدارة مواردها وخوض الحروب.

على الرغم من العلاقة الوثيقة بين السلعتين وحضورهما المتلازم في الكوارث والأزمات، لا توجد علاقة عكسية ثابتة بينهما، حتى وإن ظهرت هذه العلاقة في بعض الأحيان. فارتفاع الذهب لا يعني ارتفاع النفط تلقائياً، والعكس صحيح أيضاً. حيث تقرأ سبائك الذهب ما يجري من أحداث، بطريقة مختلفة عن تلك التي يراها برميل النفط، ولكل من السلعتين موقفه الخاص منها. فما الذي يفسر هذا الاختلاف؟

بعد أكثر من قرن ما زال الذهب يحتفظ بمكانته في حسابات الدول والمستثمرين، فيما أصبح النفط ركناً أساسياً في القوة الاقتصادية والعسكرية

تختلف حركة النفط والذهب بحسب طبيعة الصدمة التي تضرب الأسواق، ويمكن توضيح ذلك من خلال الحالات الآتية:

- تعطّل منشآت الطاقة أو تهديد ممرات بحرية مهمة، مثل مضيق هرمز وباب المندب: قد يقفز النفط بفعل مخاوف نقص الإمدادات، بينما قد يرتفع الذهب مع تصاعد التوترات العسكرية وزيادة الإقبال عليه كملاذ آمن.

- جائحة أو ركود اقتصادي: قد يتراجع النفط بشدة مع انكماش النشاط الاقتصادي وتراكم المخزونات (نتيجة تراجع الطلب ووفرة المعروض)، بينما قد يصعد الذهب بفعل خفض أسعار الفائدة وضخ السيولة ومخاوف الركود، كما حدث عام 2020.

- أزمة مصرفية أو مالية: يتعرض النفط لضغوط نتيجة توقعات الركود وتراجع الطلب على الطاقة، في حين قد يرتفع الذهب مع توجه المستثمرين إلى الملاذات الآمنة.

- تضخم ناتج عن ارتفاع أسعار الطاقة: قد يواصل النفط الصعود، بينما تتأرجح أسعار الذهب بين الاستفادة من مخاوف التضخم والتعرض لضغوط رفع الفائدة وقوة الدولار.

- أزمة ثقة بالدولار أو النظام النقدي: قد يستفيد الذهب من زيادة الطلب عليه وتوجّه البنوك المركزية إلى تنويع احتياطياتها، بينما ينتظر النفط قراءة العرض والطلب وتوقعات النمو وقوة الدولار، ليتخذ موقفاً.

توضح هذه الحالات أن اتجاه الأسعار يتحدد وفق طبيعة الأزمة وآليات انتقال آثارها إلى الأسواق، فضلاً عن عوامل أخرى، منها موقع الحدث الجغرافي وصلته بإمدادات الطاقة وحجم المخاوف التي يثيرها لدى المستثمرين. فاندلاع حرب بين أرمينيا وأذربيجان، على سبيل المثال، لا يحمل التأثير نفسه الذي قد تحمله مواجهة عسكرية تهدد منشآت النفط في الخليج أو الملاحة عبر مضيق هرمز. ويتوقف أثر الحرب في الأسعار على مدى تأثيرها في الإمدادات والطلب، وعلى اتساع تداعياتها الاقتصادية والجيوسياسية.

تتحدد قيمة النفط بمدى توافره وحجم الطلب عليه، فهو يدخل في تشغيل المصانع والطائرات والسفن وشبكات النقل، وتؤثر أسعاره في تكاليف الإنتاج وأسعار السلع ومعدلات التضخم. لذلك، قد يؤدي تهديد محدود جغرافياً إلى تداعيات اقتصادية كارثية، خاصة عندما يقع قرب ممر بحري يصعب الاستغناء عنه سريعاً.

ويمكن الحديث عن الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022 كنموذج فقد دفعت المخاوف من تعطل الصادرات الروسية، بالتزامن مع العقوبات الغربية وإعادة تشكيل مسارات تجارة الطاقة، خام برنت إلى الاقتراب من 139 دولاراً للبرميل في آذار/مارس من ذلك العام.

يتحرك الذهب وفق حسابات مختلفة، رغم تأثره بالأحداث الجيوسياسية نفسها، فهو أصل احتياطي تلجأ إليه البنوك المركزية والمستثمرون لتنويع الثروة والتحوط من المخاطر المالية والنقدية. وتمنحه محدودية المعروض، والثقة العالمية به، وعدم ارتباطه بالتزام مالي على جهة أخرى، مكانة خاصة في النظام المالي الدولي. ويمكن تلخيص هذا الشرح بما وصفه المستثمر الأميركي وارن بافيت عام 2011، إذ قال: «الذهب هو أداة لقياس مدى خوف العالم، كلما زاد الذعر من سقوط العملات والمؤسسات، زاد بريق الذهب».

لكن الذهب لا يرتفع مع كل أزمة بالضرورة، فسعره يتأثر بمستوى أسعار الفائدة والعوائد الحقيقية وقوة الدولار وتوقعات التضخم وحجم الطلب الاستثماري. وعندما ترتفع العوائد على السندات الأميركية، تصبح كلفة الاحتفاظ بالذهب، الذي لا يدرّ عائداً دورياً، أعلى نسبياً. أما عندما تتراجع العوائد الحقيقية أو تتزايد المخاوف بشأن الاستقرار النقدي، فقد تتحسن جاذبيته.

وتتجاوز مكانة الذهب حسابات المستثمر الفردي إلى استراتيجيات الدول. فمنذ تجميد أصول روسية عقب الحرب عام 2022، اكتسبت مسألة أمن الاحتياطيات أهمية إضافية لدى عدد من الحكومات. وأعادت دول النظر في مخاطر تركيز أصولها في عملات أو أدوات تقع تحت الولاية القضائية لدول أخرى، فيما واصلت البنوك المركزية، ولا سيما في الأسواق الناشئة، شراء الذهب ضمن مساعي تنويع الاحتياطيات.

وتبرز الصين مثالاً على هذا التوجه، إذ دفعت التحولات الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة وتصاعد التوترات بين بكين وواشنطن، إلى جانب مساعي تنويع الاحتياطيات، البنك المركزي الصيني إلى تكثيف مشترياته من الذهب. ففي عام 2023 وحده، أضاف نحو 225 طناً إلى احتياطياته، في أكبر زيادة سنوية معلنة منذ عام 1977 على الأقل، وفق بيانات مجلس الذهب العالمي.

عام 1971، خاطب وزير الخزانة الأميركي الأسبق جون كونالي نظراءه في مجموعة العشر في روما بالقول: «الدولار عملتنا، لكنه مشكلتكم أنتم». في تلك المرحلة، كانت الولايات المتحدة تعيد رسم قواعد النظام النقدي الدولي بعد تعليق قابلية تحويل الدولار إلى ذهب. وتكتسب العبارة أهميتها من واقع ما زال قائماً حتى اليوم، إذ تمتد آثار القرارات النقدية الأميركية إلى اقتصادات العالم من خلال حركة رؤوس الأموال وأسعار الفائدة وتكلفة الاستيراد وتسعير السلع الأساسية.

وتبرز هذه العلاقة بوضوح في أسواق النفط والذهب. فالنفط يُسعّر عالمياً بالدولار، ما يجعل تغير قيمة العملة الأميركية أحد العوامل المؤثرة في أسعاره، فيما يتأثر الذهب بقوة الدولار والعوائد الحقيقية على السندات، إلى جانب الطلب عليه في أوقات الأزمات والكوارث. لذلك، لا تكتمل قراءة حركة السلعتين من دون فهم السياسة النقدية الأميركية وكيفية انتقال آثارها إلى بقية العالم.

أما أسعار الفائدة، فتؤثر في الذهب من خلال ما يُعرف بالعائد البديل. فعندما ترتفع عوائد السندات الأميركية، تزداد جاذبية الاحتفاظ بأصول تدرّ دخلًا مقارنة بالذهب الذي لا يمنح حامله فائدة. وعندما تتراجع العوائد الحقيقية، أي العوائد بعد احتساب التضخم، تقل تكلفة الاحتفاظ بالذهب، وقد يزداد الطلب عليه. ولهذا، لا يكفي النظر إلى قرار رفع الفائدة أو خفضها وحده، إذ تتوقف الاستجابة أيضاً على توقعات التضخم وما إذا كانت الأسواق قد احتسبت القرار مسبقاً.

وتظهر أهمية هذه العلاقة عندما ترتفع أسعار النفط بفعل أزمة في الإمدادات، فتنتقل كلفة الطاقة إلى النقل والإنتاج وأسعار السلع. وإذا أدى ذلك إلى استمرار التضخم، فقد تتجه البنوك المركزية إلى الإبقاء على الفائدة مرتفعة أو تأجيل خفضها، الأمر الذي قد يدعم الدولار ويضغط على الذهب. وهكذا، يمكن للأزمة نفسها أن ترفع النفط وتحدّ من صعود الذهب، أو تدفعهما إلى الارتفاع معاً إذا طغت مخاوف الحرب والاضطراب المالي على تأثير أسعار الفائدة والدولار.

والواقع أن مراقبة شاشات البورصة وأسواق العقود الآجلة، إلى جانب الإجراءات المالية كرفع أسعار الفائدة، قد تكون أكثر جدوى في معرفة ما يجري من الاكتفاء بسماع تصريحات رؤساء الدول والسياسيين -ولا سيما الأميركيين منهم لكون واشنطن الجهة الوحيدة المخوّلة بإصدار الدولار-. وما قد تخبرنا به أسعار السبائك والبراميل يكون، في كثير من الأحيان، أكثر شفافية.