لم يعد السؤال عن الأمن القومي العربي ترفًا فكريًا أو استدعاءً لمفهوم من الماضي، بل أصبح سؤالًا مصيريًا يتعلق بأمن الدول العربية واستقرارها واستقلال قرارها ومستقبل شعوبها. فقد أثبتت العقود الماضية أن الأخطار التي تواجه دولة عربية واحدة نادرًا ما تبقى محصورة داخل حدودها؛ فالحروب والنزاعات الداخلية، والتدخلات الخارجية، والإرهاب، والأزمات الاقتصادية والمائية والغذائية، وأمن الطاقة والممرات البحرية، والتحديات التكنولوجية والسيبرانية، فضلًا عن القضية الفلسطينية، كلها قضايا تتجاوز الحدود الوطنية وتتداخل آثارها مع أمن المنطقة العربية بأسرها.
وقد عرف النظام العربي، منذ وقت مبكر، الحاجة إلى إطار للأمن والتعاون المشترك، ووضعت الدول العربية مواثيق واتفاقيات وآليات متعددة في هذا المجال. غير أن الإشكالية لم تكن في غياب النصوص بقدر ما كانت في ضعف القدرة على تحويلها إلى مؤسسات فاعلة، وآليات دائمة، وإرادة سياسية قادرة على الانتقال بها من دائرة المبادئ والبيانات إلى دائرة الفعل والتأثير. ومن هنا، فإن السؤال: ماذا بقي من فلسفة الأمن القومي العربي؟ لا ينبغي أن يقود إلى إعلان موت هذه الفلسفة، وإنما إلى إعادة تعريفها وتجديدها بما يتلاءم مع تحولات العالم وطبيعة المخاطر الجديدة، وبما يعيد بناء الثقة بين الدول العربية، ويحول الأمن القومي العربي من مفهوم نظري إلى منظومة مصالح وقدرات وآليات قابلة للتطبيق.
الأمن الوطني والأمن القومي العربي: تكامل لا تعارض
إن المدخل الصحيح لإعادة بناء فلسفة الأمن القومي العربي يبدأ من توضيح العلاقة بين الأمن الوطني لكل دولة عربية والأمن القومي العربي المشترك.
فالأمن القومي العربي ليس بديلًا عن الأمن الوطني، ولا وصاية على الدول، ولا ذريعة للتدخل في شؤونها الداخلية؛ كما أن الأمن الوطني لا ينبغي أن يُفهم باعتباره بديلًا عن المسؤولية العربية المشتركة أو مبررًا للانكفاء داخل الحدود.
إن العلاقة بين المستويين تكاملية وتفاعلية وليست تعارضية أو تناقضية. فأمن الدولة العربية يعزز الأمن العربي، والأمن العربي المشترك يوفر للدولة بيئة أكثر استقرارًا وقدرة على حماية سيادتها ومصالحها واستقلال قرارها. وكلما استقرت دولة عربية وقويت مؤسساتها وقدرتها على حماية حدودها ومصالحها، أضافت إلى قوة النظام العربي؛ وفي المقابل، فإن انهيار دولة أو تعرضها لصراع طويل قد تتجاوز تداعياته حدودها، فيتحول إلى مصدر تهديد لجيرانها وللأمن العربي الأوسع.
وعليه، فإن الأمن القومي العربي ينبغي أن يُفهم باعتباره الإطار الأوسع الذي تتكامل داخله أمن الدول العربية ومصالحها، من دون إلغاء خصوصية أي دولة أو الانتقاص من سيادتها.
فالتعاون العربي لا ينتقص من السيادة الوطنية، بل يمكن أن يكون إحدى أهم أدوات حمايتها، كما أن الدولة الوطنية القوية والمؤسسات المستقرة تمثل ركنًا أساسيًا في بناء أمن عربي مشترك قادر على الصمود.
النزاعات العربية البينية: إدارة الخلاف ومنع الصدام
لا يمكن الحديث عن أمن قومي عربي مشترك بينما تبقى الخلافات بين الدول العربية قابلة للتحول إلى أزمات مفتوحة أو صراعات تستدعي التدخلات الخارجية. فالاختلاف في المصالح والسياسات والمواقف أمر طبيعي بين الدول، لكن المشكلة تبدأ عندما تغيب آليات إدارة هذا الاختلاف، أو عندما يتحول الخلاف السياسي إلى قطيعة، أو إلى استخدام للقوة، أو إلى الاستعانة بقوى خارجية لتصفية نزاع عربي.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى منظومة عربية دائمة للوقاية من النزاعات وتسويتها، تقوم على الحوار والوساطة والمصالحة والتحكيم والاحتكام إلى القانون، وتتحرك في مرحلة مبكرة قبل أن تتفاقم الأزمات.
وينبغي أن يكون الحوار والوساطة العربية الخيار الأول عند نشوء أي نزاع بين دولتين عربيتين، وأن تُستنفد الوسائل السياسية والقانونية قبل الوصول إلى استخدام القوة أو تدويل الخلاف.
ولا يعني الأمن القومي العربي إزالة الاختلافات بين الدول، فهذا غير واقعي، وإنما يعني إدارة الاختلاف ومنع تحوله إلى صراع مدمر. كما ينبغي ترسيخ قاعدة واضحة تقوم على رفض استخدام القوة في تسوية الخلافات العربية البينية، وعدم تحويل الأراضي العربية إلى ساحات لتصفية الصراعات الإقليمية والدولية، وتطوير آليات عربية قادرة على احتواء الخلاف قبل أن يصبح تهديدًا للأمن الجماعي.
وهنا يصبح حل النزاعات العربية جزءًا أصيلًا من الأمن القومي، وليس مجرد نشاط دبلوماسي منفصل عنه.
النزاعات الداخلية وانعكاساتها على الأمن العربي
ولا يكتمل مفهوم الأمن القومي العربي من دون التعامل مع النزاعات الداخلية داخل الدولة العربية الواحدة.
فقد تبدأ الأزمة داخل دولة ما بوصفها خلافًا سياسيًا أو اجتماعيًا أو اقتصاديًا، لكنها عندما تتطور إلى حرب أهلية أو انهيار لمؤسسات الدولة أو انتشار للسلاح والجماعات المسلحة أو نزوح جماعي أو إرهاب أو تهديد للحدود، فإن آثارها لا تبقى داخلية.
وقد تمتد تلك الآثار إلى الدول المجاورة، وتفرض عليها أعباء أمنية واقتصادية وإنسانية، وتفتح المجال أمام التدخلات الإقليمية والدولية، وقد تهدد مصادر الطاقة والممرات البحرية أو تستنزف قدرات دول عربية متعددة.
ولهذا ينبغي أن تتضمن فلسفة الأمن القومي العربي بندًا واضحًا للوقاية من النزاعات الداخلية واحتوائها، من خلال الإنذار المبكر والوساطة والمصالحة والدعم السياسي والإنساني والمساعدة في إعادة بناء مؤسسات الدولة، بما يحفظ وحدتها وسيادتها ويمنع امتداد تداعيات أزمتها إلى محيطها العربي.
وهنا يجب التمييز بوضوح بين التضامن العربي المسؤول والتدخل في الشؤون الداخلية. فالتضامن العربي يستهدف مساعدة الدولة على تجاوز أزمتها والحفاظ على وحدتها ومؤسساتها، بينما قد يؤدي التدخل غير المنضبط إلى تحويل الأزمة الداخلية إلى صراع بالوكالة، وإلى مضاعفة الخطر بدلًا من احتوائه.
والقاعدة التي ينبغي ترسيخها هي: لا يجوز أن تتحول سيادة الدولة إلى حصانة أمام التضامن العربي، كما لا يجوز أن يتحول التضامن العربي إلى ذريعة لانتهاك سيادة الدولة.
الأمن القومي العربي منظومة شاملة للمصالح والمخاطر
لقد تغير مفهوم الأمن في العالم. فلم يعد الأمن مقصورًا على حماية الحدود بالقوة العسكرية، وإنما أصبح يشمل الأمن الاقتصادي والغذائي والمائي، وأمن الطاقة، والأمن السيبراني، والتكنولوجيا، والاستقرار المالي، وحماية الممرات البحرية وسلاسل الإمداد، وقدرة المجتمعات والدول على الصمود أمام الأزمات.
ومن ثم فإن الأمن القومي العربي لا يمكن اختزاله في حجم الإنفاق العسكري أو عدد منظومات السلاح التي تمتلكها الدول العربية.
فالقوة الحقيقية لا تُقاس فقط بما تشتريه الدول من السلاح، وإنما بقدرتها على إنتاج المعرفة والتكنولوجيا وبناء القدرات وحماية مواردها ومصالحها وصناعة القرار المستقل.
والمطلوب لذلك هو الانتقال من شراء القدرة إلى بناء القدرة: تطوير الصناعات الدفاعية والتقنية، وتبادل المعلومات والخبرات، وإنشاء منظومات عربية للإنذار المبكر، وتعزيز التعاون الاستخباراتي، والتخطيط والتدريب المشترك، وحماية المجالين البحري والسيبراني، والتعاون في الأمن المائي والغذائي والطاقة.