في محطة مترو لندنية، وقف صديقي المصري أمام بوابة التذاكر. دار حوار فعرف الموظف أنه مصريًا واسمه "محمد صلاح.” فابتسم الرجل وفتح البوابة بلا تردد: “Free! Egyptian King، Mo Salah!”.
كان صديقي يضحك وهو يحكي.. أما أنا، فكنت أفكر! لأن في هذا المشهد البسيط شيئًا أعمق من نكتة ظريفة: مصري عادي، باسمه فقط، صار يمشي مجانًا في عاصمة الدنيا.. كأن الاسم صار جواز سفر، والجواز صار تاريخًا.
عام 2010، أجريت حوارًا مع شاب يافع من الغربية، يلعب في فريق المقاولون العرب ويعرفه "الكرويين" لم يكن قد لمس بعد تراب الاحتراف الأوروبي.. كانت عيناه تحملان ذلك البريق الذي يعرفه الصحفيون جيدًا، بريق من يرى بداخله شيئًا لا يستطيع الآخرون رؤيته بعد.
عدت إلى الجريدة بالحوار متحمسًا.. وقف رئيس التحرير وقرأ الاسم فرفع حاجبيه: “من هذا؟ أريد نجمًا من الأهلي والزمالك، اسمًا يبيع!”
حزنت.. بالمعنى الحقيقي للكلمة، لكنني قلت كلامًا أظنني قلته بإلهام لا بحساب: “سيكون أفضل لاعب في مصر خلال ثلاث سنوات" نُشر الحوار.. ومضت السنوات.
هزمني صلاح، هزم ثقتي به.. هزم سقف كل من تخيل له مستقبلًا، ومضى ببساطة مذهلة ليكون واحدًا من أفضل من لعبوا كرة القدم في تاريخ هذا الكوكب.
قصته لم تكن معجزة فجائية.. كانت أشبه بالنيل، يبدأ من جبال لا يراها أحد، يسير صامتًا، يشق الصخر بهدوء، حتى يصل إلى البحر وقد صار هو البحر.
بازل التي يودع فيها الأوروبيون أموالهم، أودع فيها حلمه الأول.. ثم تشيلسي التي قالت له لا.. ثم روما حيث وُلد من جديد، وأخيرًا أنفيلد، ذلك المعبد الأحمر الذي حين يُردد اسمك في أنشودته، تعرف أنك لم تعد لاعبًا، بل صرت عشقًا يقدسه الناس.
وحين أعلن الرحيل هذا الموسم، كان قد فعل ما لم يفعله أحد: هداف الدوري الإنجليزي على مر التاريخ.. ليس هداف الموسم، ولا هداف العقد، هداف كل الزمن، في أعتى بطولة على وجه الأرض، فوق كل الأسماء التي مرت كالأعاصير عبر عقود.
الجماهير في آخر مباراة لم تودع لاعبًا.. ودعت جزءًا من ذاكرتها الجميلة.. لأن ثمة لاعبين يلعبون في الملعب، وثمة نادرون يلعبون في القلب، وحين كان صلاح يسجل، كانت ملايين تحتفل بشيء أشبه بالانتصار على كل من قال لك يومًا “لن تستطيع".
مشواره ليس حكاية كرة قدم فحسب. هو درس لكل شاب يجلس في غرفته الصغيرة، يحمل حلمًا كبيرًا ويخاف أن يقوله بصوت عالٍ. رسالة من قرية في الغربية إلى كل ركن نائٍ في الأرض: الحلم ليس رفاهية الأثرياء، والنجاح ليس حكرًا على من وُلدوا في المكان الصحيح.
اليوم، اقتبس هذه الجملة التي أعجبتني لزميلنا يوسف حمدي: “أنظر لحكاية صلاح وكأن جزءًا مني ممتن لهذا الرجل، لأنه أقنعني بل الجميع أن الحياة تبدو بهذا الاتساع حين تؤمن أن واقعك يمكنه أن يسع الخيال، بشرط أن تصدقه”.
وكأي حكاية في الدنيا، ليس شرطًا أن تكون مثالية لتبدو جميلة.. وداعًا يا مو. وشكرًا، لأنك علمتنا أن نصدق.
“Free! Egyptian King، Mo Salah” — قالها موظف في مترو لندن لمصري لا يعرفه.. لكنه لخص، دون أن يدري، تاريخًا بأكمله في ثلاث كلمات.
للتواصل مع الكاتب الصحفي د. مؤمن الجندي اضغط هنا