يعكس هذا الارتباك الاستراتيجي الذي يمارسه البرهان حالة من اليأس العسكري؛ إذ كيف يمكن قائد جيش وطني أن يوازن بين طموحات إيران التوسعية وبين العمق الخليجي العربي الذي يمثل الرئة الاقتصادية والسياسية الوحيدة المتبقية للسودان؟الحقيقة المُرّة هي أن البرهان أصبح أسيراً لمعادلة صفرية: التخلي عن التيار الإسلامي (الإخوان) المدعوم من إيران يعني انتحاراً عسكرياً بمفهومه الضيق، والتمسك بهما يعني عزلة دولية وتحول السودان إلى منبوذ إقليمي يسير على خطى الأنظمة الثيوقراطية الفاشلة، على النحو الذي يسير إليه الآن.وعلى الرغم من محاولات البرهان الدؤوبة لتسويق نفسه زيفاً كقائد قادر على لجم الطموحات الإسلاموية، بمسرحيات الاعتقالات الصورية لبعض الكوادر أو التصريحات التي تداعب آذان الغرب، فإن الواقع على الأرض يكشف زيف هذه المناورات. فالإسلاميون لم يعودوا مجرد ضيوف على مائدة الجيش، بل هم الطباخون الفعليون للقرار العسكري والسياسي.هذا الاختراق الممنهج للمؤسسة العسكرية ينسف أي إمكانية لبناء ثقة دولية، ويحوّل البرهان -كما هو في الحقيقة- إلى مجرد واجهة شرعية لنظام "الإنقاذ" البائد في نسخته الثانية، وهو ما يفسر نفاد صبر المجتمعين الإقليمي والدولي، وتوالي العقوبات التي تستهدف المحركين الفعليين للحرب من قادة التيار الإسلامي.إن خطورة هذا المشهد تكمن في أن استمرار الحرب هو مصلحة حيوية للحركة الإسلامية، التي تجد في دخان المعارك غطاءً للعودة إلى الحكم مرة أخرى، وتصفية الخصوم المدنيين الساعين إلى نظام مدني ديمقراطي يسع السودانيين جميعاً.وفي المقابل، يجد البرهان نفسه يغرق في فخ الولاء؛ فكلما ازداد اعتماده على الميليشيات المؤدلجة الممولة من إيران، تآكلت مهنية الجيش القومي، وتلاشت فرص التسوية السياسية.إن على المجتمع الدولي أن يدرك اليوم بأن الأزمة السودانية ليست صراعاً بين جيش ودعم سريع، كما يظهر على السطح، بل هي صراع لاستعادة الدولة من براثن تنظيم أيديولوجي اختطف المؤسسة العسكرية وجعل منها درعاً لحماية طموحاته العابرة للحدود.إن على البرهان أن يواجه لحظة الحقيقة التي لا يمكن الهروب منها عبر لعبته المفضلة "على الحبلين". فالسودان لا يمكن أن يُحكم بعقلية التنظيمات السرية في عصر التحولات الكبرى. وإذا ما استمر في جعل السودان جسراً لوجستياً لإيران وحاضنة لفلول النظام البائد، فإنه لا يقود الجيش نحو الانتصار، بل يقود الدولة نحو التحلل الشامل.والسؤال الذي يطرحه العقل والواقع اليوم: لحساب من يحكم البرهان حقاً؟ هل لحساب استقرار السودان، أم لحساب أجندة "الإخوان" التي لا ترى في الوطن سوى قاعدة انطلاق، وفي الجيش سوى أداة للقمع والبقاء؟الإجابة تكمن في أن أي تسوية لا تبدأ بتطهير المؤسسة العسكرية من نفوذ التيار الإسلامي وقطع دابر التدخل الإيراني، هي مجرد تأجيل لانفجار أكبر سيحرق ما تبقى من أمل في استعادة السودان.